تحدي ريّ الأراضي بسبب الحرب يُهدد القطاع الزراعيّ جنوبًا

خسر جنوب لبنان بفعل الحربين، الأولى 2024 والثانية 2026 كثيرًا من مواسمه وبساتينه ومحاصيله الزراعيّة، بخاصّة في القرى الحدوديّة التي لا أحد يعرف عنها شيئًا سوى أنّها مدمّرة ومجرّفة. قسمٌ من تلك البساتين والمحاصيل ذهب بفعل القصف والغارات والتجريف، وقسم آخر قضى عطشًا وإهمالًا، أو ربّما بسبب غياب أصحاب الرزق عنه، إذ قديمًا كان مزارعو الجنوب يردّدون عند تفقّد مواسمهم “الرزق بيتونّس بصحابه”.

هذا عن الأرزاق في القرى الحدوديّة، فماذا عن تلك التي تقع في قرى الخطّ الثالث والرابع أو تلك الممتدة على الخط الساحلي بين الزهراني وصور؟ وماذا عن الاهتمام بها وريّها في ظلّ الغارات والاستهدافات التي شهدتها تلك المناطق طيلة فترة الحرب الممتدّة بين الثاني من آذار (مارس) الماضي وحتّى الأمس القريب.

تأثير الحرب بالزراعة

وإذا كان المزارعون يعتمدون على فصل الشتاء وأمطاره لريّ مزروعاتهم، وذلك بدءًا من “التشارين” وحتّى شهر نيسان (ابريل) حيث ينهمر خير السماء ليروي ظمأ الأرض، فإنّ موسم ريّ المزروعات يبدأ عادة في أيّار (مايو) حيث يبادر المزارعون إلى سقاية البساتين والخضار، من الحمضيّات إلى الأفوكا وغيرها، وذلك حتّى نهاية الصيف، إذ تعود مياه الأمطار لتتكفّل بذلك، مشكّلة دورة حياة زراعيّة كاملة.

لكنّ الحرب الإسرائيليةّ التي طال أمدها حتّى أواخر حزيران (يونيو) حين أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال كغيره هشًّا، جعل مهمّة ريّ المزروعات التي تأخّر أوانها كثيرًا شديدة الصعوبة، لا سيّما في الجنوب، حيث تعرّض المزارعون ومصادر عيشهم للاستهداف المباشر، ما أعاق قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وريّ بساتينهم. وقد أدّى ذلك إلى تهديد واسع للقطاع الزراعيّ في المناطق الجنوبيّة أثّر في الأشجار ونموّها وحملها، في وقت لا تزال فيه الخسائر الفعليّة غير واضحة بالكامل بسبب صعوبة إجراء مسوحات ميدانيّة دقيقة في الظروف الراهنة.

بساتين موز تالفة في جنوب لبنان
خسارة الإنتاج حتّى 2028

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، تمكّن مزارع الموز حسين ضاهر، من الوصول إلى إحدى الأراضي التي يملكها في بلدة الحنّيّة (صور) وتُقدّر مساحتها بنحو 90 دونمًا فوجدها متضرّرة جدًّا بسبب العطش. يُشير ضاهر، الذي يضمن أيضًا أراضٍ تُقدّر بنحو 800 دونم بين منطقتي الصرفند (صيدا- الزهراني) وصولًا إلى الناقورة (صور)، إلى أنّه “كان من المفروض أن نبدأ بالريّ والتسميد في أوّل شهر نيسان الماضي، غير أنّنا لم نتمكّن من ذلك بسبب الحرب”.

يتابع ضاهر لـ”مناطق نت”: “التوجّه اليوم هو لقلع بعض أنواع الأشجار وتشميس الأرض مدّة عام كامل ومن ثمّ العودة إلى زراعتها في آذار من العام المقبل 2027، ما يعني أنّ الإنتاج سيكون في آذار 2028، مع الإشارة إلى أنّ إنتاج السنة الأولى يكون متواضعًا”. وما يزيد من حجم الخسائر أنّ كلّ ذلك يحدث في حين أنّه “يتوجّب عليّ دفع بدل إيجار الأرض بصرف النظر عن ظروف الحرب، بمعدّل 600 دولار عن كلّ دونم في السنة”.

ويلفت ضاهر إلى أنّ البستان الذي يضمنه على طريق معركة (صور) استُهدف في حرب 2024، ثمّ استهدف مرّة أخرى في الحرب الأخيرة. ويشير ضاهر إلى أنّ “الخسائر لا تُعدّ أو تُحصى، فبعد حرب 2024 خسرت نحو 700 ألف دولار في الزراعة، وفي الحرب الأخيرة لم أتمكّن من إحصاء جميع الأضرار”، مؤّكدًا “أنّ هذه الخسائر طالت جميع مزارعي الجنوب”.

عوائق أمام الريّ

من ناحيته، يُشير رئيس تجمّع مزارعي الجنوب محمّد الحسيني، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّ “هناك مصدرين لمياه ريّ المزروعات، وهي إمّا آبار خاصّة محفورة ضمن البساتين أو عبر مصلحة مياه الليطاني التي تسقي نحو 60 ألف دونم (6 آلاف هكتار). في الوقت الحالي تقوم المصلحة بضخّ المياه بالقنوات المائيّة ولكن هناك جزءًا منها تعرّض للتدمير أو الضرر ما يؤدّي إلى عدم وصول المياه إلى جميع الأراضي”، مشيرًا إلى أنّ “موظّفي المصلحة غير قادرين على مواكبة العمل لناحية الصيانة والتنظيفات بالشكل المطلوب إذ إنّ عددًا منهم جريح أو مُهجّر أو دُمر منزله”.

ويلفت الحسيني إلى أن “تشغيل الآبار الخاصّة يحتاج إلى طاقة شمسيّة أو مصدر كهربائيّ من خلال كهرباء الشركة (الدولة) أو مولّد كهربائيّ، ولكنّ المشكلة أنّ كثيرًا من المناطق تضرّرت فيها كابلات (أسلاك) كهرباء الدولة من ناحية وهناك صعوبة كبيرة في إيصال المحروقات للمولّدات الخاصّة بسبب الأوضاع العسكريّة من ناحية أخرى”.

خطر يبدّد المناطق الزراعيّة

وفي السياق عينه، يوضح الحسيني أنّ “منطقة جنوب مدينة صور هي منطقة شبه مُحرّمة على مستوى الزراعة إلّا بحالات استثنائيّة جدًّا تمكّن المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، علمًا أنّ إسرائيل استهدفت كثيرًا من المزارعين والعمّال الزراعيّين ممّا أدّى إلى استشهادهم”. ولفت إلى أنّ “المنطقة الممتدّة من مدينة صور إلى نهر الليطاني تعتبر منطقة خطرة (قبل وقف إطلاق النار) ولكن يمكن للمزارعين الوصول إليها إلى حدّ بعيد، أمّا منطقة شمال الليطاني وصولًا إلى الزهراني فكان المزارعون يقومون بريّ مزروعاتهم بشكل شبه طبيعيّ على رغم الاستهدافات الإسرائيليّة”.

الحسيني: منطقة جنوب مدينة صور هي منطقة شبه مُحرّمة على مستوى الزراعة إلّا بحالات استثنائيّة جدًّا تمكّن المزارعين من الوصول إلى أراضيهم

ويرى الحسيني أنّه “من الصعوبة في الوقت الحاليّ تحديد حجم الخسائر إذ إنّها تحتاج إلى مسح بعد استقرار الوضع العسكريّ، ولكنّ وزارة الزراعة تؤكّد أنّ هناك نحو 54 ألف هكتار (540 ألف دونم) متضرّرة بشكل كلّيّ أو جزئيّ، ومنها متضرّر على مستوى المزروعات أو الريّ أو معامل التوضيب”. ويلفت إلى أنّ “المنطقة الصفراء تتعرّض لتجريف من قبل الجيش الإسرائيليّ”.

مضاعفات وتحدّيات كبيرة

يُشير الحسيني إلى أنّ “عدم القدرة على ريّ المزروعات يحمل مضاعفات مستقبليّة، إذ إنّه يعتمد على نوع الزراعة، ففي حال كانت زراعة شجريّة مثل الحمضيّات يمكن للمزارع حصد نحو 20 في المئة في أفضل الأحوال من الكمّيّة التي ينتجها عادةً، أمّا على مستوى زراعة الموز فإنّ تلك الفاكهة تموت في حال عدم ريّها ممّا يجبر المزارع على قلعها وزراعتها من جديد”.

 من جانبه، يلفت خبير زراعة الأفوكا، محمّد حجازي، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّ “التحدّيات التي تواجه الزراعة والبساتين في الجنوب كبيرة وتتعدّى مسائل الريّ لتطال الاهتمام والرعاية من رشّ وريّ وغيرهما، فالبساتين مهملة بسبب الحرب، وعدم تنظيفها من العشب ورشّها فاقم التحدّيات، إذ ارتفعت الأعشاب بشكل كبير في البساتين، وهذا ما يشكّل خطرًا كبيرًا عند يباسها من حرائق وتلف الأشجار”.

ويوضح حجازي أنّ “الجنوب، وتحديدًا الخطّ الساحليّ الممتدّ من صيدا إلى صور وحتّى ارتفاعات متوسّطة ينتج نحو 70 في المئة من الأفوكا على مستوى لبنان”. ويقول: “إنّه من غير الواضح حجم الأضرار التي تعرّضت لها مصلحة الليطاني بخاصّة في المنطقة الممتدّة من رأس العين قرب صور إلى الناقورة عند آخر الحدود الجنوبيّة بسبب الاحتلال الاسرائيليّ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى