جنوبيّون على أهبّة النزوح هل تعود الحرب من جديد؟

يُصرّح ترامب في واشنطن فيقلق الجنوبيون في لبنان. تبدأ اللكمات بين إيران وأميركا فيجهّز العائدون إلى القرى والبلدات أنفسهم للمغادرة ويستعدون نفسيًّا لذلك. هذا ما يحصل الآن مع تصاعد وتيرة الهجمات في الخليج بين أميركا وإيران.
جولة حرب يعقبها نزوح، ثمّ وقف لإطلاق النار، ثمّ عودة. ومع الأخيرة يعود السؤال نفسه ليقضّ مضاجع الجنوبيّين ويتكرّر من جديد: “هل ستعود الحرب مرّة أخرى؟”. إنّها دوّامة يعيش في ظلّها أبناء القرى والبلدات الجنوبيّة منذ الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، تاريخ اندلاع الحرب. السؤال لا يبقى يتيمًا بل يترافق على الدوم مع إجراءات وطقوس أصبحت جزءًا من نمط حياة الجنوبيّين الذين أنهكهم النزوح وأتعبتهم الحرب.
ما يعّزز السؤال هو استمرار الاستهدافات الإسرائيليّة بشكل شبه يوميّ، على الرغم من الإعلان الأخير لوقف لإطلاق النار خلال الـ20 من حزيران (يونيو) الماضي، والذي بقي شأنه شأن كلّ الهدنات ذات الصلة، هشًّا وضبابيًّا، مضافًا إليه تعقيدات الوضع الجنوبيّ وارتباطه بالملف الإيرانيّ، ما يعني احتمال دخول “حزب الله” الحرب من جديد في حال حصل أيّ تصعيد ضدّ إيران.
في قلب هذا المشهد تبدّلت حياة الجنوبيّين ولم تعد كما كانت: حقائب موضّبة ومركونة في بهو المنازل وأخرى وضعت في السيارات تحسّبًا لأيّ طارئ. وعلى الرغم من ذلك رتّب قسم كبير من العائدين أمور حياتهم في القرى والبلدات الجنوبيّة، بأقلّ المتاح، حتّى ولو في غرف صغيرة في منازل دمّرتها إسرائيل جزئيًّا، وقليل من المياه وبعض السلع الغذائيّة وأدوات النظافة ليس أكثر. لكنّهم يشعرون بأنّهم يمتلكون الكون لمجّرد عودتهم إلى أرضهم حيث ولدوا وترعرعوا واعتادوا الأماكن بما فيها. باتوا قادرين الآن عل أخذ نفس عميق بعد جولة نزوح ثقيلة أرهقت أرواحهم.
لم أترك منزل النزوح
تقول السيّدة الجنوبيّة نسرين فتوني، وهي أمّ لطفلتين (8 سنوات وعامان): “عُدنا فور إعلان وقف إطلاق النار، لكنّنا نشعر بالقلق بسبب صوت المسيّرات الذي لا يُفارق سماءنا، وكذلك الطيران الحربيّ، وأنا كما غالبيّة الناس هنا، لا أشعر بالاستقرار”. تتابع لـ”مناطق نت”: “حتّى إنّنا لا نشتري غير الضروريّ ممّا نحتاج، ونعيش كلّ يوم بيوم ليس أكثر”.
تقطن فتوني راهنًا بلدتها دير قانون راس العين (قضاء صور) لكنّها تقول إنّها في أتمّ الجهوزيّة للخروج في أيّ لحظة: “رتّبت أموري كي أكون مستعدّة للهرب في أيّ وقت من منزلي إلى مكان أكثر أمانًا في حال طرأ أيّ تصعيد؛ هو أمر ممكن ولا نستبعده”.
ولهذه الغاية تحديدًا، جدّدت فتوني إيجار منزلها في برجا (الشوف) حيث نزحت طوال الحرب: “لم أترك المنزل الذي استأجرته. عُدت إلى هنا قبل 22 يومًا، واستحقّت دفعة الإيجار الجديد أوّل الشهر، فقمت بدفعها”. اللافت في هذا الموضوع أنّ بدل الإيجار انخفض هذه المرّة من ألف و500 دولار إلى 600 دولار، بحسب فتوني، بسبب عودة عشرات الآلاف إلى بلداتهم وقراهم وترك البيوت المأجورة.

تُعلّق فتوني: “لدي طفلتان أودّ أن أخرج إلى وجهة محدّدة، لا أريد لهما أن يتشرّدا كما حصل في المرّة السابقة، إذ بقينا 10 أيام، قبل أن نتمكّن من استئجار هذا المنزل، بخاصّة في حال اضطررنا إلى الخروج في وقت متأخّر أو في منتصف الليل، كما حدث معنا ليل الثاني من آذار (مارس) الماضي”. وتردف “وقتها تمكّنّا من استئجاره بصعوبة. غالبيّة أصحاب الشقق كانوا يطلبون دفع بدل إيجار أشهر عدّة مسبقًا، وكانت المنازل لا تصلح للسكن أيضًا”.
حال قلق عامّة
ليست فتوني سوى واحدة من جنوبيّين كثر، في صور والنبطيّة وقرى قضاء بنت جبيل، يخافون أن تتدحرج الأمور بسرعة وأن يضطرّوا للخروج من منازلهم مجدّدًا، كي يخوضوا تجربة نزوح جديدة، خصوصًا وأنّ كلّ المؤشّرات تشّي بتكريس حال أمنيّة عسكريّة في الجنوب فرضتها إسرائيل بالقوّة وتمّ استثناؤه عن بقيّة مناطق لبنان، وليس فقط تحييد بيروت.
في قرى قضاء بنت جبيل، يبدو مشهد القلق والخوف فاقعًا أكثر، فالأهالي هناك، يعيشون كلّ تفاصيل الحرب، أصوات القذائف المدفعيّة، الاستهدافات، التفجيرات، المسيّرات، والطيران الحربيّ، بفارق وحيد أنّهم باقون في منازلهم، يشاهدون الحرب عن قرب.
خوف وقلق يرافقانني
تختبر خديجة حمدان منذ أسبوع الحياة نفسها، تروي كيف حالها منذ عودتها إلى بلدتها كفرا (بنت جبيل) قبل نحو أسبوع أو أكثر بقليل “أعاني من اضطرابات في النوم مذ عدت إلى هنا، أستيقظ طوال الليل بسبب أصوات القصف التي أسمعها، للأسف لم تنتهِ الحرب هنا، والخوف والقلق يرافقانني باستمرار”.
تتابع لـ”مناطق نت”: “نحن نتعامل مع عدوّ مجرم، لا نعلم ما الذي سيفعله في أيّ لحظة، لذا قرّرت عدم ترك المنزل الذي استأجرته في بيروت، تحسّبًا لأيّ تصعيد جديد، على رغم اتّفاق الهدنة”.
تضيف: “راهنًا قرّرت حزم حقائبي، والعودة إلى بيروت، تبدو الأوضاع في المنطقة غير مطمئنة”. وحمدان كانت قد عاشت تجربة النزوح مرّات كثيرة، قبل أن تستقرّ في منزل صغير في حيّ السلم (ضاحية بيروت الجنوبيّة) قبل شهرين تقريبًا، اضطرّت ما بين النزوح والآخر، للبقاء أيّامًا داخل سيارتها على الكورنيش البحريّ لمدينة صيدا (جنوب)، مثل كثر من الجنوبيّين ممّن عانوا قبل أن يتمكّنوا من إيجاد منازل يأوون إليها. وتختم: “إيجاره الشهريّ مقبول، في ظلّ الارتفاع الجنونيّ لبدلات إيجار المنازل، وهذا كان أمرًا أساسيًّا إذ إنّني تمكّنت من الاحتفاظ به”.
إنتهى عقد الإيجار ولم ندفع
اليوم، تعود مؤشّرات التصعيد في المنطقة إلى الارتفاع من جديد، استهدافات في هرمز والخليج، وتصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انتهاء الهدنة مع إيران، وسط حديث عن توصيات لشركات طيران أوروبّيّة بعدم تسيير رحلات في أجواء إيران والعراق ولبنان حتّى نهاية آب (أغسطس) المقبل.
وفي حال صحّت هذه التوقّعات، ستبدأ رحلة معاناة جديدة، لكثيرين من أبناء الجنوب غير الميسورين ممّن غادروا منازل النزوح ولن يتمكنوا من استئجار منازل جديدة. يقول مصطفى حمود “انتهى عقد الإيجار أمس، ولم ندفع للتجديد، لسبب أساس هو أنّ البدل مرتفع جدًّا، يبلغ 1300 دولار لشقّة غير مفروشة في منطقة عاليه بجبل لبنان” يتابع لـ”مناطق نت”: “الوضع في صور، حيث يقع منزلنا، مقبول راهنًا، إلّا إذا تطوّرت الأحوال الأمنيّة، ولا أعتقد أنّها ستكون حربًا شاملة هذه المرّة”.
هكذا، سيضطر قسم كبير من أهالي الجنوب للنزوح إلى مراكز إيواء جماعيّة، أساسها غرفة مشتركة ومرحاض للجميع ليس أكثر. علمًا أنّ نازحين كثر، فضّلوا البقاء في خيم على طول الخطّ البحريّ لصيدا وبيروت، أو سكنوا لدى أقارب لهم طوال فترة الحرب.
خديجة حمدان: أعاني من اضطرابات في النوم مذ عدت إلى هنا، أستيقظ طوال الليل بسبب أصوات القصف، للأسف لم تنتهِ الحرب هنا، والخوف والقلق يرافقانني باستمرار
خيار الأقارب صعب للغاية
تقول مرام صبرا إنّ خيار العودة إلى حيث كانت وعائلتها المؤلّفة من ستة أفراد أمر صعب للغاية “طوال الأشهر الأربعة الماضية بقينا لدى أقارب لنا في جون (الشوف)”. تتابع لـ”مناطق نت”: “نقع اليوم في حيرة من أمرنا، لا يمكننا العودة إلى هناك، ولكنّنا أيضًا غير قادرين على استئجار منزل بالأسعار المطلوبة”.
مرام ابنة الدوير في قضاء النبطيّة، عادت وعائلتها إلى المنزل في بلدتها، لكنّها اليوم تعيش قلقًا مضاعفًا، بسبب الأوضاع غير المستقرّة وكذلك لصعوبة إيجاد بديل متاح: “المشكلة في أنّ الأمر لا يقف عند كلفة الإيجار نفسه، وإنّما تتعدّاه إلى دفع قيمة الفواتير المتوجّبة وكذلك متطلّبات الحياة اليوميّة من طعام ومياه للشرب والاستخدام وأمور أساسيّة أخرى”.
ناهيك بتفاصيل الحرب التي أنهكت جميع اللبنانيّين وبخاصّة الجنوبيّين ممّن خاضوا تجربة النزوح مرّات ومرّات خلال الحرب الأخيّرة، ولا يزال عدد كبير منهم مبعدًا قسرًا عن بلدته أو قريته التي لوّنها الاحتلال بالـ”أصفر” وتعطّلت مصالحهم وتضرّر معظمها، كذلك فقد غالبيّتهم مصادر رزقهم. هي النكبة بكل ما للكلمة من معنى، يضاف إليها التحدّيات اليوميّة التي لا تنتهي في بلد كلبنان، فما بالهم في ظلّ حرب ليست قدرًا على الشعوب وإنّما استثناء؟
مللنا مراكز النزوح وأرهقتنا
تقول زينب البساط “مللنا النزوح وتعبنا من العيش في مراكز الإيواء”. وتضيف في حديث لـ”مناطق نت”: “العيش في مركز النزوح هنا فُرِض علينا ولم يكن خيارنا نحن، حتّى ولو أنّنا عوملنا بطريقة جيّدة، لكنّنا اضطررنا مرغمين إلى التأقلم في ظروف لا تشبه حياتنا الطبيعيّة وهذا أمر صعب ومتعب للغاية”.
وزينب نازحة في مركز إيواء في المدينة الرياضيّة (بيروت)، لم تتمكّن من العودة إلى منزلها في الجنوب بعد: “تضرّر منزلي هناك، لكن الحمدلله لا يزال موجودًا، ومع ذلك أخاف العودة، الحرب لم تنتهِ بعد، وأنا لن أقوم بترميم منزلي في ظلّ هذه الظروف الصعبة وغير معروفة النتائج، إذ إنّ الواقع في لبنان مفتوح على كلّ الاحتمالات”.
يُذكر أنّ أسرًا كثيرة لم تغادر مراكز النزوح بعد لعدم وجود بدائل متاحة، وكذلك بسبب تضرّر المنازل وخسارتها فباتت كومة أحجار، أو يتعذّر الوصول إليها. أحياء وقرى وبلدات بأكملها لم تتوافر فيها الخدمات الأساسيّة بعد. وتشير التقديرات المحليّة والدوليّة إلى عودة حوالي نصف مليون نازح من أصل أكثر من مليون غادروا بيوتهم وقراهم جرّاء العدوان الإسرائيليّ الأخير على لبنان.



