كفرا وياطر جارتان تعيدان بصعوبة رسم ملامح الحياة

منذ بداية الحرب، ذُكر اسماهما مترادفين، في الأخبار والتغطيات العاجلة، فكانا يظهران كالآتي: “غارات إسرائيليّة تستهدف بلدتي كفرا وياطر”، وكانت نتيجة ذلك، نيلهما حصّة كبيرة جدًّا من الدمار والعنف والتخريب، تظهر بشكل جليّ في أثناء التجوال فيهما بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار.

جغرافيًّا، تتمركز البلدتان المحاذيتان في القطاع الأوسط، بقضاء بنت جبيل، عند القدوم من ناحية صور وقانا باتجاههما، يجد الزائرون مدخل ياطر لجهة اليمين، ومدخلًا مماثلًا لكفرا من اليسار. أمّا في حال كان العبور نحو القرى الأماميّة، فإنّه ينتقل من هناك إلى صربّين وبيت ليف وحاريص وتبنين، البلدات التي دمرت غالبيّتها آلة الحرب الإسرائيليّة الهمجيّة أيضًا ولم يسلم منها إلّا قليل.

وعلى رغم كلّ ما حلّ بهما من دمار، عادت إليهما عشرات العائلات فور الإعلان عن وقف إطلاق النار، فيما تتريّث غالبيّة النازحين من سكّانهما بالعودة في ظلّ غياب أيّ تطمينات جدّيّة، وكذلك في بسبب شبه انعدام في مقوّمات الحياة الأساسيّة مثل الكهرباء والمياه وإقفال محال المواد الغذائيّة بسبب الدمار الكبير الذي أصاب البلدتين.

الدمار ينهش كفرا

على مدخل البلدة، وتحديدًا عند ساحة “المحموحة”، تبدو مشاهد الدمار حاضرة بشّدة، تروي حكاية عنف بدأت قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وربّما لم تنتهِ بعد، هناك، حيث كان يجتمع أبناء البلدة أمام “قهوة عيسى” ويتبضّع الناس حاجيّاتهم من عند “سوبّر ماركت قاسم” ويشترون الخضار الطازجة من عند المعلّم “سيزار”، لم تُبقِ إسرائيل منها شيئًا بعد أن حوّلتها إلى كومة من ركام وحجارة.

هذه حال “المحموحة” وكذلك طريق “الخطّ العام”، فثمّة مبانٍ كثيرة، ومحال تجاريّة ومصالح تضرّرت إمّا جزئيًّا أو كلّيًّا، ولم تسلم أحياء البلدة القديمة، انطلاقًا من ساحة البلدة حيث يقع النادي الحسينيّ والمدرسة القديمة وصولًا إلى مقام “النبي يونس”، عشرات المنازل أصابتها إسرائيل بضربات مباشرة أو سبّبت فيها الخراب نتيجة استهدافات مجاورة.

الدمار في كفرا لم يقتصر على ما أنتجته الحرب الأخيرة، فالبلدة كانت قد شهدت استهدافات كثيرة خلال الحرب الماضية 2024، وهذا ما استأنفته اسرائيل إثر اندلاع الحرب الأخيرة في الثاني من آذار (مارس) الماضي بعد تدمير قرى الصفّ الأوّل والتي تجاور مباشرة الحدود الفلسطينية المحتلّة، فاستهدفت بشكل عنيف قرى الصفّ الثاني ومنه كفرا وياطر.

أوّل العائدين

في شوارع القرية الداخليّة، يقف عبّاس عبّاس (28 سنة)، أمام منزل عائلته المتهالك بفعل الحرب الأخيّرة، يقول “ما إن سمعت بإعلان وقف إطلاق النار السبت الماضي، حتّى كنت من أوّل العائدين؛ لسنا في أحسن حال لكنّنا في أرضنا”. يتابع لـ”مناطق نت”: “نجلس يوميًّا أنا وأشقّائي الثلاثة وأمّي وأبي تحت شجرة نبتت أسفل منزلنا وبمحاذاة الطريق مباشرة، ويجتمع حولنا مارّة ومن يقصدنا”.

في البلدة “شبه حركة” يقول عبّاس الذي دمّرت إسرائيل منزله وجعلت منه كومة ركام. يسكن وأفراد عائلته في غرفة صغيرة داخل منزل والديه، أخوته أيضًا خسروا منازلهم في الاستهداف نفسه: “منزل أهلي غير صالح للسكن أيضًا لكنّنا رتّبنا أمورنا في غرفة، ونستخدم المطبخ والمرحاض، إنّما بقيت حقائبنا موظّبة وحاضرة إلى جانب مدخل البيت في حال حدوث أيّ طارئ”. ويُعلق قائلًا: “لا حول لنا الآن ولا قوّة، نتمنّى ألّا ننزح من جديد”.

عن الخيارات البديلة، يقول عبّاس: “لا نملك المال الكافي لاستئجار منزل، ولا توجد خيارات متوافرة راهنًا في البلدة هنا، فغالبيّة المنازل متضرّرة. نقصد قرية محاذية وهي صدّيقين (قضاء صور) لشراء حاجيّاتنا وتعبئة الوقود، لكنّنا لن نغادر إلّا في حال عادت الحرب”.

بقي عبّاس في صيدا ثلاثة أيّام بعد نزوحه في الثاني من آذار الماضي، انتقل بعدها إلى مركز إيواء في القماطيّة (عاليه- جبل لبنان) حيث تمّ تحويل حسينيّة البلدة إلى مركز لاستقبال النازحين “كانت ظروفنا صعبة للغاية. حزنّا على ترك قريتنا، والظروف المادّيّة لم تكن في أحسن حال”، ويختم: “هي تجربة قبيحة للغاية، كنّا في حال انتظار للفرج ليس أكثر”.

صورة تظهر الدمار في بلدة كفرا
تدريجًا وبحذر شديد

على الخطّ العام، فتح “إبراهيم” دكّانه الصغير لتلبية احتياجات الأهالي الأساسيّة، بما توافر لديه، وإلى جانبه حيّ دمرته إسرائيل بأكمله، وعلى مقربة ثمّة فرن وملحمة أعاد صاحبها فتح أبوابه. يوضح الأهالي هناك أنّ الأمور تعود تدريجًا وبحذر شديد.

بعض الأهالي عادوا لتفقّد منازلهم وغادروا إلى أماكن نزوحهم، ومنهم من بقي، وتُقدّر أعدادهم “بحوالي 30 عائلة أو ربّما أكثر بقليل، رتّبوا أمورهم ولو في غرفة صغيرة جدًّا، أفضل بالنسبة إليهم من العيش في قصور بعيدة” تقول سمر أبو زيد، وهي عضو مجلس بلديّ في كفرا. تتابع لـ”مناطق نت”: “ما زال الخوف يُخيّم على أبناء القرية، في ظلّ استمرار بعض الاستهدافات والمعارك على محور النبطيّة وعلي الطاهر، لكنّنا لمسنا منذ مساء السبت الماضي (20 حزيران/يونيو) هدوءًا حذرًا، نسمع راهنًا أصوات مسيّرات إسرائيليّة على فترات متباعدة”.

تتحدّث أبو زيد عن أحوال البلدة المنكوبة فتقول: “مؤسف أنّ الدمار كبير جدًّا في البلدة، نُجري راهنًا مسحًا شاملًا، لكن إلى الآن تؤكّد الأرقام المتوافرة تدمير 450 مبنى، من بينها 200 بشكل كلّيّ، والباقي دمار جزئيّ وأضرار متفرّقة نتيجة القصف المدفعيّ الذي طال البلدة”؛ بانتظار الانتهاء من المسح الشامل، لا سيّما وأنّ هناك أحياء لم تصل البلدية إليها بعد بسبب وضع الطرقات.

تضيف: “منذ اليوم الأوّل لعودتنا، عملنا كبلديّة على فتح الطرقات وإزالة الركام، وانتشال جثامين شهداء كانت لم تزل تحالت أنقاض المباني المدمّرة، وأزلنا نفايات الحاويات من الأحياء والطرقات العامّة”. وحتّى اليوم لا تزال الأعمال مستمرّة داخل البلدة “فنُلبي حاجة السكّان المتواجدين، وتتمّ تعبئة المياه بواسطة سيّارة إطفاء متوافرة لدينا”. وتردف قائلة “نُجري اتصالاتنا مع شركة كهرباء لبنان ومؤسّسة المياه”، إلّا أنّ هذه الخطوات يحكمها مدى استقرار الوضع الأمنيّ.

ملامح حياة

في البلدة هناك، ثمّة ملامح للحياة بدأت تعود تدريجًا، باشر أصحاب المصالح الأساسيّة بترميم ما يمكن، وكذلك صاحب المولّدات الخاصّة يقوم بإصلاح الأعطال في الأحياء الأقلّ تضرّرًا، وتتوافر راهنًا خدمة الإنترنت “ويرلس” على أن يتمّ البدء بإصلاح كلّ ما يمكن تباعًا وفق ما يتبلور في الأيّام المقبلة، وحتّى تتضّح الأمور أكثر.

وعن التواجد الإسرائيلي، تقول أبو زيد: “لا يوجد تمركز إسرائيليّ في البلدة، لكنّه وصل إلى حدود قريبة منّا في وقت سابق، ومن ثمّ تراجع قليلًا”.

أنقهر كلّما عدت أدراجي”

زهراء حمّود واحدة ممّن دمّرت إسرائيل منازلهم، تقول: “أزور القرية راهنًا بشكل يوميّ، وأعود إلى حيث أنزح في بلدة الصرفند (قضاء صيدا- الزهراني)”. تتابع لـ”مناطق نت”: “لو أنّني أملك منزلًا هنا لكنت بقيت، فالحياة بدأت تعود إلى القرية، كما الناس أيضًا، لكنّ أحوالها محزنة، إذ إنّ جثث الشهداء لا تزال تحت ركام المنازل المدمّرة”.

تتحدّث حمّود عن مشاعرها فتقول: “أشعر بالقهر كلّما عدت أدراجي إلى حيث بتّ نازحة، هناك شيء ما يشدّنا إلى هذه الأرض، إلى حيث ولدنا وترعرعنا وأسّسنا عائلتنا، هذا الإصرار على البقاء في مكان ننتمي إليه، حتّى إنّ الناس بدأت تحيي ليالي عاشوراء”.

حسن كوراني نازح من بلدة ياطر: “الأرقام تشير إلى أنّ 200 وحدة سكنيّة تدمّرت بالكامل في ياطر وهي إحصاءات أوّليّة صادرة عن البلديّة”.

عودة بمخاطر إلى ياطر

قبل الإعلان عن اتّفاق وقف إطلاق النار الأخير، كانت ياطر من بين بلدات جنوبيّة عديدة وُجّهت لسكّانها إنذارات إسرائيليّة بالإخلاء، عاد الناس إليها ولكنّ عودتهم محفوفة بالمخاطر في ظلّ تواجد الجيش الإسرائيليّ في بلدة بيت ليف، والانتهاكات المتكرّرة والتي لم تتوقّف حتّى اليوم، وربّما ستستمرّ، فالاستهداف المدفعيّ الذي وقع الأربعاء الـ 24 من حزيران الجاري أصاب ثلاثة مواطنين في البلدة بجروح طفيفة.

وعلى رغم هذا الواقع، عاد بعض السكان إلى ديارهم، وتنمّ معلوماتهم إن حوالي 25 عائلة عادت لتقطن البلدة في منازل متضررة قليلًا، في حين لم تتمكّن عائلات كثيرة من إلقاء نظرة سريعة على منازلها، بسبب وجودها عند الأطراف لا سيّما من جهة بلدة بيت ليف.

حال الناس في ياطر، لا تختلف كثيرًا عن كفرا، والأهالي يقصدون البلدة في زيارات خاطفة للإطمئنان إلى حال منازلهم وأرزاقهم. بعضهم حط ّرحاله واستقرّ فيها، يحاول تدبّر أمره بأقلّ مقومات وسط كثير من الاحتياجات، لكن ليس مهمًّا، علمًا أنّ بعض بدلات إيجار منازل النزوح تنتهي آخر الشهر الجاري.

ولأن الواقع المعاش راهنًا لا تتوافر فيه التغذيّة الكهربائيّة، وجد بعضهم في ألواح الطاقة الشمسيّة فرصة ذهبيّة لتأمينها، وربّما معاناة انقطاع المياه تكون أصعبها. وفتحت بعض المحال التجاريّة أبوابها بعد أن باشر  أصحابها بتأمين احتياجات الناس المتواجدين في القرية.

كان لدي بدل المنزل اثنان

“كان لي منزل في محلّة الحوش (صور) دمّرته إسرائيل في الحرب الماضية 2024، وفي فترة ما بين الحربين انتقلت للسكن في منزلي الثاني ويقع على أطراف قريتي ياطر، خسرته أيضًا في هذه الحرب الأخيرة، إذ تكرّر السيناريو عينه” يقول حسن كوراني لـ”مناطق نت” ويتابع: “تسكن عائلتي راهنًا في بيروت، وأنا أبحث عن بيت للإيجار في الجنوب”.

ومثل غالبيّة الجنوبيّين، عاد كوراني قبل أيّام قليلة إلى ياطر لتفقّد أحوالها، فوجد منزله مدمرًا بالكامل، يقول: “لا يمكننا أن نقول سوى الحمدلله” ويتابع: “الأرقام تشير إلى أنّ 200 وحدة سكنيّة تدمّرت بالكامل في ياطر وهي إحصاءات أوّليّة صادرة عن البلديّة”.

كوراني هو واحد من بين كثر ممّن خسروا منازلهم في ياطر، لكن ربّما تكون معاناته مضاعفة بسبب خسارته منزلين خلال الحربين الأخيرتين. لكّنه يبحث راهنًا عن منزل للإيجار في الحوش أو في عين بعال (صور)، ليستقرّ قريبًا من مكان عمله لكنّ “الإيجارات مرتفعة جدًّا” يقول كوراني، ويردف: “يطلبون منّا 500 دولار وأكثر”.

هذا الواقع جعل من الخيارات المتاحة ضئيلة، لذا يُفكّر كوراني في العودة إلى ياطر والسكن لدى عائلة زوجته لفترة موقّتة، يُعلّق: “سأكون مضطرًا إلى فعل ذلك، في حال لم أوفّق في إيجاد منزل مناسب”. وكان منزل والديّ كوراني قد تضرّر كذلك جزئيًّا، ويحاول إغلاقه منعًا لدخول الحيوانات إليه.

يذكر أنّ التقييم الجديد الصادر عن برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ، الثلاثاء الـ23 من حزيران الجاري، ويشمل المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما في ذلك أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطيّة وصور وصيدا، يؤكّد أنّ إسرائيل دمّرت أكثر من 11 ألف مبنى في أنحاء جنوب لبنان ما أثّر في ما يقرب من 18 ألف وحدة سكنيّة. ويقتصر التقييم على الأضرار الظاهرة التي رُصدت بين (تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ونيسان/ أبريل 2026) وبالتالي لا تمثّل مجمل الخسائر الناتجة عن الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى