مشكلة الامتحانات الرسمية: من المستوى التقني إلى المستوى السياسي

قد يبدو للبعض أن مشكلة الامتحانات الرسمية في لبنان محض تقنية، لا علاقة لها بالأوضاع الأمنية والسياسية السائدة، لا سيّما تحت وطأة الحرب الحالية. قد يبدو الأمر وكأنه مجرّد قرار يرتبط باجراء امتحانات من هنا، أو تعليم من هناك، إذ من السهل تحويل كل الأزمات إلى مشاكل تقنية في بلاد لطالما اعتبرت أن العلاج الناجع لكل الأزمات هو حكومة تكنوقراط، دون انتباه إلى أن هذا النوع من الحكومات، في حالة لبنان، هو مأزق لاحق نحاول من خلاله معالجة مأزق أسبق.
من هذا المنطلق يمكن النظر في أداء وزيرة التربية ريما كرامي في مشكلة الساعة، أي الامتحانات الرسمية، وفي تصريحاتها وتعاميمها المتتالية، خصوصاً وأنها استطاعت انتزاع انتباه اللبنانيين من التهديدات التي تطالهم، إذ بدل متابعة الإنذارات والتحذيرات اليومية، كانوا ينتظرون تصريحات وزيرة التربية بشأن الامتحانات.
وبدل البحث في كيفية النجاة، أصبح تفكيرهم محصوراً في كيفية إجراء الامتحانات ومكانها وزمانها، وكيفية تحضير أبنائهم لها، وكيفية إيصال وإعادة أبنائهم أحياء من مراكزها، وغيرها من أسئلة جوهرية لا تبدأ من سلامة الأبناء والأساتذة والأهالي، ولا من المساواة والعدالة وأساسيات العقد الاجتماعي على المستوى التربوي، ولا تنتهي بالخلاص من كابوس إجراء الامتحانات والنجاة من الحرب.
والأمر ليس مجرّد تفصيل في حرب مدمّرة نعيشها ونعيش تداعياتها. قد يبدو أن الإصرار على إجراء الامتحانات غايته الأساسية هي المثابرة على خلق أجيال متعلّمة، على استمرار العمليّة التعليمية، كما تزعم الوزيرة، وكأن التعليم ودلالته يرتبطان حصراً بالامتحانات. لكنّ السؤال سرعان ما يوضّح أن المشكلة أعمق من ذلك السطح، هي مشكلة تتعلّق بالتعليم وبالفلسفة التربوية نفسها: فهل الامتحانات هي دليل على المعرفة؟ أليست معظم الأنظمة التعليمية والتربوية المعاصرة تقوم على خلاف هذه الفكرة بالتحديد؟
عن الوزارة والوزيرة
عموماً، يطول الكلام في سلوك وزيرة التربية، سواء في الحرب أو في المعايير التقليدية والتلقينية التي تعتمدها داخل عالم ينفجر على وقع ثورات متتالية ومتسارعة على كل تقليد، أو بالسلوك السلطوي المتمثّل بالمحاولات الحثيثة لتكريس الرأي الواحد، لا سيّما عندما تنعت الآراء المخالفة بالغوغائية، أو عندما تُغلق خاصية التعليق على صفحات الوزارة الرسمية، أو عندما تستدعي الأحزاب الطائفية المسؤولة عن حالة البلد الكارثية الناتجة عن ممارساتها الإقصائية داخل الطوائف، التي تهيمن عليها وتصادر تمثيلها وتستبعد كل رأي مخالف فيها، إمّا بالتخوين وإمّا بالتهديد وصولاً إلى التصفية.
يطول الكلام والنقد أيضاً في كيفية المعالجة التقنية لمسألة تضرب بجذورها في المجتمع، وفي السياسة، وتمسّ أمن المواطنين وحياتهم، وصولاً إلى القول إن إصرار الوزيرة يدخل في المحاولات المستمرّة لإنتاج القلق في نفوس الأهالي والأساتذة والطلاب. لكنّ المشكلة سياسية، شئنا ذلك أم أبينا، وأبعادها السياسية أعمق بكثير ممّا يتبادر إلى الذهن.
فمن ناحية، تصرّ الحكومة، ويصرّ جزء كبير من اللبنانيين معها، أن الحرب تطال الدولة، تطال اللبنانيين جميعاً في كافّة تفاصيل حياتهم، وإن بنسب متفاوتة، وإن تكثّفت على بعضهم، خصوصاً وأن أثرها على الاقتصاد وعلى الوضع المالي للبنان سيّئ جدّاً، وقد يصل بنا إلى أمكنة لا تقلّ في خطورتها عن الانهيار الذي تشهده البلاد منذ سنوات، ناهيك بقضم جيش الاحتلال المستمرّ للأراضي اللبنانية، بما يعني سيل الأسئلة والمشكلات الجوهرية التي تضرب الدولة في وجودها، في كيانها، في بنيتها وصورتها على حدّ سواء، وفوق هذه وتلك تقوّض الشعور بالمواطنة.
ومن ناحية ثانية، سرعان ما يظهر الجدل المرتبط بإجراء الامتحانات وتبريراته عكس ذلك، أي أن الفرز الحاصل يغفل ويتناسى، وعن سابق تصوّر وتصميم، أن الحرب تطال المناطق والمدارس والأجيال اللبنانية الجنوبية عموماً والشيعية خصوصاً، فهم من يعانون التهجير والحرب المدمّرة التي تُخاض على بيوتهم ومناطقهم ومدارسهم ومناطق امتدادهم. لذا، فإن أوّل ما يمكن أن نسأله من أجل إعادة الأمور إلى نصابها السياسي السليم: هل ما يحدث يطال جميع اللبنانيين كما في أيّ دولة تتعرّض لحرب كيانية، أم أنه يطال الجنوبيين والشيعة حصراً، ولذلك ستجري الوزيرة الامتحانات بمعزل عن الحالة السياسية والأمنية والسياسية التي يعيشونها، في محاولة منها لإعادة إنتاج النفس المذهبي والتفكّك المجتمعي إنما من ناحية التربية هذه المرّة؟
من المفترض أن تعمل الحكومة على إعادة تكريس العقد الاجتماعي التربوي الذي يعيد ربط ما تفكّك، لا أن تكرّس في نفوس الطلّاب أن الحرب هي على فئة منهم.
عقد اجتماعي تربوي
يفتح المأزق أعلاه على مشكلة العقد الاجتماعي من الباب العريض، أو بالأحرى على ضرورة العقد الاجتماعي التربوي. فمن المفترض أن تعمل الحكومة الإصلاحية الحالية، الحكومة التي تنوي إعادة الثقة بالدولة، وفق زعمها نفسه، على مدّ الجسور بين أبناء الطوائف وبين الدولة، مع ما يستوجبه ذلك من مقاربة كل المشكلات من بوّابة العقد الاجتماعي، لا سيّما المشكلة التربوية. أي أنه من المفترض أن تعمل الحكومة، في هذا المأزق، في هذه الحرب المدمّرة، على إعادة تكريس العقد الاجتماعي التربوي الذي يعيد ربط ما تفكّك، ويحاول ردم هوّة الشرذمة والتفاوت بين طلّاب البلد الواحد، لا أن تكرّس في نفوس الطلّاب أن الحرب هي على فئة منهم، وأن طلّاب الطوائف الأخرى يعيشون حياتهم كأن شيئاً لم يكن. وهذا القرار في أساسه سياسي، غايته ليس النظر في مسألة التعليم والتربية فحسب، بل في التعليم والتربية كبوّابة المواطنة، بوّابة الانتماء إلى الدولة.
هي بعض الأسئلة المحورية التي يمكن أن تشكّل أساساً من أساسيات التفكير في مشكلة أخذت هذا الكمّ من السجال غير المبرّر في الأسابيع الماضية، خصوصاً بعد استشهاد عدد كبير من الطلّاب وأهاليهم وأساتذتهم، وصولاً إلى استشهاد كل من ثيودوسيا وطوني ووالدهما جيمس كرم في منطقة الخردلي، وهم عائدون إلى قرية القليعة المحاصرة في قضاء مرجعيون من امتحاناتهم في الجامعة اللبنانية.
ففي تلك اللحظة، وعلى الرغم من أن الوزيرة ليست المسؤولة المباشرة عن امتحانات الجامعة اللبنانية، بل تتحمّل رئاستها المسؤولية المباشرة عن إجرائها، إلا أن الحقيقة وقفت عارية أمامنا من دون أيّ إمكانية للالتفاف والتغطية، من دون أيّ إمكانية لإظهارها وكأنها حادثة عرضية، أو أقلّه حادثة قضاء وقدر. فالأمر لا يوضع في هذه الخانة، لأن المرور على طريق محتلّ ومهدّد ويشهد عمليّات توغّل، كما على مجمل الطرقات المستباحة من المسيّرات، لا بدّ أن احتماله الأكثر ترجيحاً، إن لم يكن الوحيد، هو الموت.
عن كيفية اتّخاذها القرارات
تلك الحقيقة تقول، وبشكل علني، إن الخطر الداهم لا يمكن الاستخفاف به، لا يمكن اعتباره غير قائم، ذلك سيكلف الناس أرواحها! والمشكلة الأكبر هي أنه، بعد كل ما جرى ويجري، وبعد موت الطلاب والأساتذة، لم تستطع الوزيرة أن تدرك خطورة الوضع إلا بعدما اجتمعت مع لجنة التربية النيابية، علماً أنها قبل أيّام كانت تريد إرسال الطلاب إلى الامتحانات في باصات نقل الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية! فهل الوزيرة تعيش معنا في لبنان؟ وهل تتابع أخبار الاعتداءات اليومية التي وصلت حدّ استشهاد آلاف اللبنانيين؟ وعليه، كيف يمكن الثقة بوزيرة تتناقض في تصريحاتها؟ كيف يمكن الثقة بمن لا تدرك، بحسّها السليم، الكارثة التي نعيش تداعياتها المميتة؟ وصولاً إلى السؤال الضروري عن كيفية اتّخاذها القرارات في وزارتها؟
ففي حين تحتلّ هذه المسألة النقاش على كافّة المنصّات ومختلف المستويات، كان من المفترض أن تحسم الحكومة هذا الجدل، خصوصاً وأن وزيرة التربية من حصّة رئيس الحكومة الذي لا يكف عن التشديد على مفهوم المواطنة، والذي يؤكّد ضرورة الثقة بالدولة وكافّة المرادفات الوطنية، ولذلك نجده مطالباً أكثر من غيره بهذه المهمّة. فالوزيرة تضع الحكومة بمجملها، ورئيسها على وجه الخصوص، أمام أثمان يدفعانها من رصيدهما السياسي، كما أنها تحمّل الأهالي إضافة إلى مسؤولية تعليم أبنائهم، المسؤولية عن حياتهم أيضاً جرّاء قرار ليس قرارهم. وهذا الرصيد هو رصيد سياسي بالأساس، لأن نتائجه تضرب عميقاً في المجتمع، في الدولة، وفي الانقسام والتفكّك المناطقي والطائفي الذي هو علّة العلل.
لقد أخفقت وزيرة التربية على المستويين التقني والسياسي، وفي كافّة مفاهيم الإصلاح عندما فكّرت بالممارسة التربوية التقنية التقليدية الاستفزازية والكيدية التفكيكية.
ممارسة كيدية
من هذا المنطلق، وفي محاولة تهدف إلى إعادة التصويب، وإلى إعادة بثّ الروح في العقد الاجتماعي وفي المواطنة وفي الدولة في ظلّ حكومة تؤكّد هذه المعايير ليل نهار، لا بدّ لرئيس الحكومة أن يقطع الشكّ بتأسيس حدّ أدنى من يقين يخالف كل حالات القلق والخوف والهلع واللايقين الذي يعيشه الشعب اللبناني.
إذ لا بدّ لهذه اللحظة التاريخية الاستثنائية في حكومة على رأسها من أتى من خارج القوى الانهيارية، أن تتجلّى في قرار يجعل اللبنانيين يشعرون، بالحدّ الأدنى، أن دولتهم تتحرّك من أجلهم، تتعامل معهم على قاعدة المساواة، تعدل بينهم، تحاسب من يخاطر بأرواحهم، أقلّه على مستوى الامتحانات. والحلول الممكنة كثيرة، لكنّها تبدأ بمجملها من تنحية الوزيرة عن مركز صنع القرار. فمعاليها تشكّل العقبة الأساسية أمام أيّ حلّ أو إمكان، لا في الامتحانات الرسمية وإجراءاتها التقنية فحسب، بل في مجمل الملفّات التربوية كذلك، بعد أن فوّتت على الحكومة أحد إمكانات الفعل السياسي من بوابة التربية، عندما فكّرت بالممارسة التربوية التقنية التقليدية الاستفزازية والكيدية التفكيكية، لا بالسياسة التربوية التي تعزّز الروح المواطنية وروح العدالة والمساواة.
لقد أخفقت وزيرة التربية طيلة الفترة السابقة، على المستويين التقني والسياسي، وفي كافّة مفاهيم الإصلاح، فلم تستغلّ هذه المحنة لتنظر بالكم الهائل من الحلول التي قد تكون مناسبة تماماً لمعالجة مشكلة تضرب في عمق المستوى السياسي، بل زادت طينتها التقنية بلّة، دون أن تحاول فتح ثغرة في أفق انتزاع الدولة القرار من تحت أقدام من يعمل وبشكل مستمرّ على تقويضها بتكريس التربية المذهبية، من يمعن في تفكيك عقدها الاجتماعي، من يرهن قرارها، بكل مستوياته، لا سيّما على المستوى التربوي، ليصبّ، كيفما نظرنا إليه، خصوصاً في نفوس الأجيال الجديدة، في مصلحة دولة ثانية.



