في كلّ عودة إلى الجنوب نحمل حقائب النزوح وزرّيعة أمي

على مدار السنوات التي عشتها معها، وتكوّنت خلالها مراحل وعيي الأولى، منذ 26 عامًا، تستيقظ باكرًا كلّ صباح، تغلي قهوتها على مهل وهي تدندن من أغاني الشحرورة صباح، تفتح باب البيت والشبابيك والستائر، تضع طعامًا للقطط وماءً للعصافير، تشرب فنجانها الأوّل، ثمّ تقوم لتسقي زرّيعتها.
تستعين بالمرشّة وبالإبريق، وتغرف من برميل المياه المخصّص للنباتات في حال انقطاع المياه عن الحارة عدّة أيّام. تسقيها على مهل كي لا تغصّ- كالأطفال- وتتمتم فوقها بكلمات لا أعرفها.
إنّها أمي، التي علّمتني أنّ الورود والنباتات ليست رفاهيّة أو ترفًا، بل أسبابًا صغيرة للاستمرار. أكثر من مئة زرّيعة كانت تحيط البيت من كلّ جوانبه، ولم تشكُ يومًا من العناية بها.
فسخات الزريعة فسحات أمل
كعائلة نزحت مرات عدّة خلال ثلاث سنوات، بالإضافة إلى حمل الحقائب، كنّا نحمل “زرّيعات إمّي”.
في الدار التي سكنّاها في تبنين (بنت جبيل)، حوّلت أمي المنزل القديم إلى باحة ورود ونباتات. ثمّ، عندما طال نزوحنا، نقلت بعض زرّيعتها من بيت ليف إلى تبنين، بخاصّة تلك التي تحتاج إلى عناية يوميّة. وعادت تجمع نباتات جديدة من أيّ مكان تزوره؛ تأتي بفسخة، وتضعها في أصيص، وما تلبث أن تصبح نبتة كبيرة مزهرة. ثمّ توسّعت الحرب ونزحنا من تبنين، وتركت كلّ ورودها خلفها للمرّة الثانية.
في الفندق الذي نزلنا فيه في جبيل، كانت الشرفات ضيّقة ومغلقة، لكنّ محيط المكان كان غنيًّا بالأشجار والتنوّع النباتيّ. وبعد يومين أو ثلاثة من ترتيب أمورنا، رأيتها تقصّ عبوة مياه بلاستيكيّة، وتملؤها بالتراب، وتزرع فيها فسخة نبتة ما، ثمّ تضعها على الشبّاك.
هكذا كانت تعيد تدوير الأشياء: البلاستيك، والأمل، والمستقبل.
ليست مجرّد هواية
الزراعة بالنسبة لها ليست مجرّد هواية أو موضة عابرة، بل تعبير عن هويّتها، وعن كلّ ما تحبّه وتألفه، ووسيلة تخفّف عنها عبء المسؤوليّات وما تمرّ به.
عند انتهاء الحرب وعودتنا إلى الجنوب، حملت معها ما جمعته من نباتات، وزرعت بعضها في أحواض مخصّصة حول البيت، وبعضها الآخر في أوعية أكبر. وكانت تخبر من يزورنا أنّ هذه النبتة حملتها من تبنين، وهذه من صور، وهذه من جبيل. وحوّلت زرّيعاتها من مجرّد نباتات صامتة إلى خارطة للنزوح، تروي محطّات وأيّامًا عاشتها وسط الظروف الصعبة، واحتفظت بتفاصيلها في كلّ نبتة، لتبقى شاهدة على رحلة أجبرت عليها لكن وجدت فيها مسرّاتها الصغيرة.

في البيت جنائن صغيرة
في بداية الربيع، تذهب إلى الأماكن الوعرة من حولنا، تجمع الزهور والأعشاب البرّيّة لتجفيفها وصنع “الزهورات” لموسم الشتاء.
وتأتي ببعض السكوكع والأقحوان والنرجس، وتضعها في مزهريّات على طاولة السفرة، وعلى منضدة إلى جانب سريري، وفي المكتبة. كيفما تجولت في البيت، ستجد إناءً فيه ورود.
اشتقت إلى هذا المشهد ونحن فاقدون للبيت والوعر والحقول. حتّى في يوم عادت فيه من الدكّان حاملة باقة من زهور الربيع، ووضعتها في كوب ماء على المنضدة، كي لا نشعر بالغربة أكثر ممّا نشعر بها.
أمّا في موسم الحبق، فكانت أمّي تحتفظ ببذوره من عام إلى عام؛ الحبق الحلو العريض والحبق الرفيع. تقصدها جاراتها وصديقاتها ليأخذن منها شتولًا صغيرة في بداية كلّ موسم، وتمتلئ شرفات المنزل بالحبق، فنشمّ عبقه مع كلّ نسمة، وعند انتهاء الموسم تقوم بتجفيف أوراقه العريضة للكمّونة وتحويجة الكبّة والبّاستا.
في عاليه
اليوم نحن في عاليه، وما زلنا نرزح تحت ضغط الإبعاد والإبادة المستمرّة في الجنوب، وبعد تدمير منزلنا وما يحيط به من حياة صنعتها يدا أمّي. أجدها تمارس عادتها عينها؛ تجمع النباتات والورود وتضعها في عبوات المياه البلاستيكيّة، لا سيّما تلك التي لم تكن تملك واحدة منها، ولضيق المكان تضع شتلات عديدة في وعاء واحد.
تقول: “لو أنّي أعرف سأبقى هنا مدّة أطول لحوّلت هذه الشرفة إلى جنينة”.
وما زالت تستيقظ باكرًا قبل الجميع، تعدّ قهوتها، وتجلس قبالة ورودها في الشرفة الضيّقة، وتخطّط كيف ستعود، وفي أيّ جهة من البيت ستزرعها.
أشاهد شعور الفقد في عينيها وهي تحدّث أشخاصًا تعرّفت إليهم حديثًا عن البيت وزرّيعاتها، وتعرض صورها على زوّارها، وتخبرهم بلهفة كيف تحبّ الزرع والورود، وكيف تعتني بها وتتحدّث إليها، لأنّ النبتة- كما تؤمن- تسمع وتشعر، ويحثّها الكلام الجميل على النموّ والحياة.
كما ينجو البعض بالصلاة أو بالكتابة أو بالحبّ، كانت أمي تنجو بالورد.
الورد سبيلًا للاستمرار
عندما سألت نفسي: لماذا يفكّر الإنسان بالورد بينما خسر بيته وينتظر انتهاء الحرب؟ عرفت أنّ أمي لم تكن تجمع الزرّيعة فقط، بل كانت تجمع أسبابًا صغيرة للاستمرار، أنظر إليها بالدهشة نفسها في كلّ مرّة، ويتردّد في رأسي مقطع من قصيدة نزار قبّاني:
“شؤون صغيرة..
تمرّ بها أنتَ.. دون التفات
تساوي لديّ حياتي
جميع حياتي”..
وكما ينجو البعض بالصلاة أو بالكتابة أو بالحبّ، كانت أمي تنجو بالورد.
وعلى رغم الدمار الذي سنعاين حجمه عند عودتنا، تفكّر هي في كيفيّة إعادة الحياة إلى المكان. فالحرب موقّتة، أمّا الزراعة فهي فعل طويل وممتدّ عبر التاريخ. ومنذ بداية وجودنا كجنوبيّين في جبل عامل، مارسناها فعلًا من أفعال الصمود والمقاومة؛ من شتلة التبغ إلى أشجار الزيتون والتين والليمون، وصولًا إلى تربية الأبقار والمواشي. جميعها تشدّ الجنوبيّين إلى أرضهم وقراهم، وتجعلهم يرفضون حتّى التفكير في تركها، مهما بلغت التضحيات.
لم أستغرب في كلّ نزوحٍ لنا هذا الفعل من أمّي، ولن أستغربه أبدًا. فهي، ككلّ النساء الجنوبيّات، تربطهنّ بالأرض علاقة متينة لا تهزّها خارطة حدوديّة جديدة، ولا احتلال جديد، ولا الإبادة المستمرّة للبشر والبيئة في الجنوب. يضعن معادلتهنّ الخاصّة: إنّ ترابًا وفسخةً وقليلًا من ماء كفيلة بأن تمنح وردةً وشجرةً وحقًّا، كلّ الحق، في هذه الأرض؛ الأرض التي تُروى اليوم بدماء الجنوبيّين والجنوبيّات وأولادهم أنفسهم.





