“سيّدة القطط”.. في الدفاع عن العزلة

بعد وفاة أمّي، كانت الوحدة حاضرة بكلّ ثقلها في نصوصي. كنت أكرّرها في جميع كتاباتي لأنّني، بكلّ بساطة، فقدت يومها صديقة كانت تمسح ثقل الوحدة التي أحملها على ظهري، فقط بوضع رأسي في حضن ساقها.

كانت أمّي تمتصّ مجمل وحدتي المتأتّية من ثقل المسؤوليّات الملقاة عليّ، فتلاعب خصلات شعري بأناملها الرفيعة دون أن تنبسّ ببنت شفة. أبكي بصمت، ثمّ أرفع رأسي لأواجه ثقل وقوفي وحدي بجانبها وهي على سرير المرض. رحلت أمّي.

بعد وفاتها، كتبت نصوصًا عن وحدتي، وكيف كنت ألاحق هرّي على أنّه أمّي بعد أن تسيطر عليّ الهلوسات بسبب اجتراعي حبوبًا منوّمة. كنت قد أدمنت هذه الحبوب كي أهرب من إحساس برودة جلد أمّي على كفّي، ومن صفعة أختها على يدي لتدفعني بعيدًا منها، لأنّ روح المحتضر لا تصعد إلى بارئها إذا كان حبيبٌ لقلبه قريبًا منه!

كان، وما زال، هذا تعريف الوحدة الأدقّ عندي. وما يأتي من بعده مجرّد إحساس بالفراغ، ولا أعرف في أيّ خانة أضعه، هل هي وحدة أم عزلة، أم أنّني هنا في المنتصف، أم هو مجرّد خواء داخليّ لمتعطّشة إلى أحاديث تلامس القلب في عالم بات مكتظًّا بالعلاقات الافتراضيّة؟

سّيدة القطط «علاجك الزواج»

انتقلت للسكن وحدي بعد وفاتها، ومنذ تلك اللحظة باتت العائلة الكبيرة والمجتمع يرون وحدتي، ويصنّفونها بحسب تعريفاتهم للوحدة.

«علاجك الزواج»، هذا تعليق من قريب لي على منشور كتبته عن وحدتي بعد غياب أمّي. أسقط يومها قريبي عليّ تعريفه للوحدة، رابطًا ما أشعر به بغياب الرجل من حياتي. فمحوتُ المنشور على الفور، لأنّ الغباء المُسقط على وحدتي يثير غضبي ونفوري من التعبير عن مشاعري.

سكنت بعدها مع شركاء، وظلّ ذلك الإحساس يطلّ عليّ من حين إلى آخر، حتّى أنّني كنت أتثاقل أحيانًا من غياب مساحة يومين أعيشها وحدي، لا أفعل فيها شيئًا سوى الاستماع إلى الموسيقى، والكتابة، واحتساء قهوتي صباحًا، ولا أسمع صوت أيّ بشرٍ بقربي يسألني لماذا أنا كئيبة اليوم! إذًا، يا عزيزي، الوحدة لا تُعالج بالرجل، والرجل ليس حبّة دواء نقدّمها وصفةً لكلّ مشاكل النساء ومشاعرهنّ.

عودة صعبة

قريبتي أيضًا، أخبرتني يومًا بأنّي لن أجيد السكن مع أيّ شريك بعد الآن، لأنّني اعتدت الوحدة! وتفضّلت عليّ بدعائها لله بأن يرسل إليّ عريسًا يخفّف عنّي ثقل الحياة! وأنا، جلّ ما أبحث عنه اليوم هو تلك السكينة التي تعتريني، والحنين إلى بيتي القديم في بلدة زفتا الجنوبيّة، المقابل للحرج، وصوت الواويّة (بنات آوى) ليلًا، ومكتبي الصغير، وفيروز ترافقني في عزلتي.

لكنّني بعدها قطنت المدينة قسرًا. واليوم، وأمام احتمال النزوح من جديد، والدمار الذي خلّفته الحرب، والحزن بعد كل زيارة للجنوب، بات قرار العودة إليه للسكن فيه صعبًا بالنسبة لي.

أمنية بعيدة في إسكتلندا

أقولها بكل صراحة: أرغب في الابتعاد من هنا مدّة، من أجل عزلة لا كدحَ يوميًّا مرهقًا فيها. يمرّ أمامي فيديو على منصّات التواصل الاجتماعيّ لكوخ وحيد منعزل عن صخب المدن بين تلال إسكتلندا، وصورة في رأسي عنّي، وفنجان قهوة، وسيجارة، وحاسوبي، والموسيقى، وقططي، وكلبة ترقد بجانبي. وأنا بعيدة من هنا، من وطن مقهور ومدينة تثير فيّ الإحساس بالعجز. أستسلم للأمنية.

في إحدى المرّات كنت في الصفّ. يومها ألقى الأستاذ نكتة عن النساء اللواتي يسكنّ وحدهنّ مع عدد من القطط: «سّيدة القطط»، رابطًا التعريف بالوحدة. نظر زملائي في الصفّ نحوي وضحكوا، لأنّهم وجدوا أنّ هذا التعريف يليق بي، كوني أسكن وحدي برفقة أربع قطط.

تعليق الأستاذ كان مربوطًا بفشل العلاقات العاطفيّة في حياة امرأة قد تكون هي من اختارت السكن وحدها، أو ربّما فُرض عليها واقع كهذا، لكن تعليقه كان يحمل شيئًا من وصمة «يا حرام». يومها لم أكن أشعر بالوحدة، كنتُ امرأة سعيدة تُثابر على تحقيق حلمها بالوقوف على خشبة المسرح، وهي تستدير لمن وضعها بين خيارين: «إمّا حلمك وإمّا حضوري في حياتك لكسر وحدتك»، وكنتُ سعيدة بكلّ لحظة مع وحدتي وحلمي.

أحاول أن أذكّر نفسي بأنّ يومًا من الراحة لا أُنتج فيه أيّ نصّ أو مقالة، ولا أفتح فيه حاسوبي، لا يعني أنّني فشلت.

أسئلة الإحساس بالعزبة

يُردّد صديقي عبارة: «بدّي أُطفش، لأعيش وحدي بين الحيوانات، بعيدًا من البشر، وأستمتع بنفسي مع نفسي».

 لمَ يُربط هذا الإحساس بالجنون والضعف؟ وهل من عار أن نعترف أحيانًا بأنّنا وحيدون على رغم قرارنا بالعزلة لاستمتاعنا بها؟ وهل يستدعي الاعتراف بالوحدة دائمًا نظرة الشفقة؟ وماذا لو أنّنا حقًّا ممتنّون لوجود الأصدقاء والعائلة وحيواناتنا الأليفة بقربنا، ولكنّنا نشعر برغبة في العزلة بعيدًا من كلّ شيء؟ هل هذا يعني أنّنا في حال خطرة؟ أعني، ماذا لو أنّ العزلة لم تُفرض علينا، بل هي خيار من أجل مساحة كي نلتقط أنفاسنا واختبار قدرتنا على الاستمتاع بلحظة مع ذواتنا؟

الحقيقة في أنّ الاستمتاع بوحدتنا ليس أمرًا سهلًا. استلزم الأمر منّي وقتًا كي أفهم معنى لذّة فنجان القهوة وحدي صباحًا خلال كلّ يوم، وصوت «لانا دل راي» مساءً. استلزم وقتًا كي أفهم أنّ اللحظات التي نختلي بها مع أنفسنا نعمة. العزلة ليست دائمًا انهزامًا أمام تهاوي العلاقات الاجتماعيّة، بل هي مساحة لاستعادة الذات، وأنا اليوم أستعيد ذكرياتي مع ذاتي يوم كنتُ وحيدة في الجنوب، وأنا أعيش استقرارًا قسريًّا في مدينة ثقيلة اسمها بيروت، وأشكر فيروز و«لانا» على مرافقتي في هذه الرحلة.

أحيانًا أشعر بأنّ الوحدة فُرضت عليّ، لكنّي أجدتُ، نوعًا ما، التعامل معها. اليوم، بات بإمكاني أن أعزل نفسي عن محيطي اللطيف لأرثي أمّي وحدي، وبتُّ أسمح لنفسي بالاستمتاع بفعل اللا شيء في أيّام الآحاد الهادئة الرتيبة في المدينة، وأنا أحاول أن أذكّر نفسي بأنّ يومًا من الراحة لا أُنتج فيه أيّ نصّ أو مقالة، ولا أفتح فيه حاسوبي، لا يعني أنّني فشلت.

فنّ العيش مع الذات

العزلة، في الحقيقة، تخلق فيّ دافعًا إلى الكتابة. أحد الأصدقاء من متخرّيجي كلّيّة الفنون شاركني تعريفه للوحدة، قائلًا: «الوحدة لا تجعلني وحيدًا، بل تصنع منّي فنّانًا».

وأنا ألوذ اليوم بمساحة أعزل فيها نفسي عن نفسي، لأستمتع باللا شيء، وباختبار كلّ شيء وحدي. ولا، ليس لأنّني في حال اكتئاب لغياب العلاقات الاجتماعيّة من حولي، هي فقط متنفّس من أجل نفسي. مساحة لا أكون فيها مطالبة بأن أكون صحافيّة، أو طالبة، أو فنّانة، أو امرأة يُفترض أن يعالج الزواج وحدتها. هي مساحة أكون فيها أنا فقط. وحيدة، إن أردت. ومع الآخرين، إن أردت. أعترف فيها، دون أدنى خجل، بأنّني فشلت في بناء العلاقات الاجتماعيّة، ولا أخجل من طلب الرفقة إن شعرت بأنّي اكتفيت منها.

اليوم أعرف أخيرًا أنّ الوحدة ليست دائمًا عكس الامتلاء، كذلك فإنّ العزلة ليست دائمًا عكس الحبّ.

أحيانًا، تكون العزلة هي الوسيلة التي نعود بها إلى أنفسنا. لكنّني، في نهاية المطاف، أعلم جيّدًا معنى أن يشعر المرء بالوحدة، وتداعيات هذا الإحساس على صحّتنا النفسيّة، لذا أقدّم لكنّ ولكم عناقًا «أثيريًّا»، كما وصفته إحدى الصديقات يومًا، لأنّ هذا الإحساس لا يُستخفّ به أبدًا، لثقله الفظيع على القلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى