“يا همّ العمر” قلّ لي: ماذا بعد علي الطاهر؟

بين من يؤكّد سقوط تلّة علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطيّة والنبطيّة الفوقا وكفرتبنيت، وحيّز واسع من جنوب لبنان وصولاً إلى الساحل، ومن ينفي الخبر، تلبّسني شعور الإحباط. لم يعد يهمّني إذا كانت الأخبار صحيحة أم لا. أرهقني الخبر حينما قرأته، لم أقوَ على المتابعة، الإحباط الذي شعرتُ به حول مجريات علي الطاهر هو نفسه الذي أصابني مع أحداث بنت جبيل وقلعة الشقيف وغيرها، الأحداث التي راكمت صدماتنا منذ أكثر من عامين، والتي يصعب علينا أحياناً كتابتها أو الحديث عنها بجدّيّة.
منذ أسابيع، بدأ حديث عن اقتراب معركة علي الطاهر، ومعها بدأت تحليلات سياسيّة من كلّ حدب وصوب، بعضهم عظّمها وآخرون سخّفوها، وبعضٌ آخر قال: “إنّ سقوط التلّة سيشعل الحرب من جديد”. لكن فجأةً، ومن دون معركة تُذكر، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيليّ أنّه سيطر عليها.
لم أنم تلك الليلة، راقبتُ هاتفي كثيراً، على الرغم من أنّني آثرت في الفترة الأخيرة أن أبتعد عن متابعة الأخبار، ثمّ راقبتُ ساعة الحائط، وبعدها نظرتُ إلى الشرفة لأتفقّد الصباح إذا حلّ. كانت ليلة ثقيلة وصامتة، باردة على رغم الرطوبة، بدّلتُ فيها الوسادة ثلاث مرّات، آملةً أن تكون هي السبب في أرقي وتأخّر نومي، وبعدها تناولت حبّة “ميلاتونين” كخيار أخير لانعدام الرغبة في النوم.
الحربُ حوّلتني من شخص ينام باكراً ويصحى باكراً ويتابع نظامه الغذائيّ، إلى شخص كسول كثير السهر والقلق، فاقد الشهيّة إلى الطعام، والحافز على القيام بمهام يوميّة.
ماذا بعد علي الطاهر؟
لعلّ السؤال الذي أبقاني مستيقظة طوال ذلك الوقت هو ماذا بعد علي الطاهر؟ حربٌ أم احتلال؟ أم الاستمرار في حالة اللاسلم واللاحرب؟
سريعاً، مرّ أمامي شريط الأحداث التي صنعت منّي تلك النسخة البائسة، التي تتظاهر بأنّ الحياة تسير على ما يرام، بعدما اعتقدتُ أنّ أكبر خساراتي كانت أثناء توسّع الحرب في الـ23 من أيلول (سبتمبر) العام 2024، وتدمير بيت جدّي في بلدة مركبا الحدودية (قضاء مرجعيون)، بلدتي الثانية، التي كنت أقصدها حتّى الأمس القريب مروراً بـ”بوّابة فاطمة”، حيث الطريق لم تعد لها ملامح معروفة.
ظننتُ أن هذه أكبر الخسارات وأعظمها، إلى أن توسّعت الحرب من جديد وكانت خسارة البلدة بأكملها.
كان بإمكاني أن أجلس نهاراً على ركام البيت، أشتمّ هواء الجنوب وأعود إلى بيتي في بلدتي حومين التحتا. لكن أيّ لوعة هذه في أن يرتقي مصابك فيغدو أنّك حُرمت حتّى من ركام بيت تحبّه؟
اليوم، بعد اتّساع رقعة الخسارات، يتّضح أنّ هناك أعظم وأصعب من ذلك: هناك، بعد التلّة، جبال جميلة وقرى لا تعوّض. هناك، تستقرّ بلدتي، فهل سأراكم الخسارات وأضاعفها، كل ما مرّ الوقت وطالت هذه الأزمة دون أفق أو حلّ؟
توسّع الحرب اللعينة سيعود ليودي ببلداتنا الجميلة إلى الهلاك، وأنّ ركام مركبا سيتمدّد إلى حومين، وربّما أكثر من ذلك.
جرعات من الهلع
ماذا بعد علي الطاهر؟ سؤال هذا أم جرعات من الهلع؟
تتسارع دقّات قلبي، يسكن التشويش عقلي. وصلوا أم لم يصلوا؟ لم أعد قادرة على مشاهدة طفرة من المحلّلين والسياسيّين وأصحاب صفات وألقاب كثيرة، يملؤون الشاشات والمحطّات بالأحاديث وتعبئة الهواء، ولم أعد قادرة على تبنّي رواية ورفض أخرى.
“بعد علي الطاهر، هناك جبل الريحان، وبعدها سيصلون إلى إقليم التفّاح”، هكذا حلّل أحدهم معتبراً أنّهم سيتمدّدون. في حين قرّر محلل آخر أنّه في حال حدث ذلك، فإنّ الحرب ستعود، وبين ما حلّله الأوّل وما قاله الثاني لم يكن لديّ خيار سوى أن أمقت الاثنين معاً. أن يحتلّوا إقليم التفّاح وأن تعود الحرب، فكرة بحد ذاتها أصابتني بالهلع.
أن يصلوا إلى إقليم التفّاح فهذا يعني أنّ رحلة نزوح قسريّة جديدة ترتسم في الأفق، وأنّ توسّع الحرب اللعينة سيعود ليودي ببلداتنا الجميلة إلى الهلاك، وأنّ ركام مركبا سيتمدّد إلى حومين، وربّما أكثر من ذلك.
“يا همّ العمر”
بعد قرابة شهر تكمل الحرب سنواتها الثلاث، وأنا، منذ ذلك الحين، أعيش الشتات واللّا استقرار، اللّا سلم واللّا حرب. ربّما لم يعد لدينا خيارات سوى الأمل بمعجزات سماويّة كي نعود إلى حياتنا السابقة.
لم أعش تجربة الاحتلال، لكن أستمع إلى حكايا الكبار في قريتنا حومين التحتا (النبطية) والقرى المجاورة في إقليم التفّاح، لا يغيب الاجتياح عن أحاديثهم، يتذكّرون ويصفون لنا صعوبة الحياة في تلك الحقبة، يحكون عن الاعتقالات المفاجئة، والاستبداد، والافتراءات في ساحات القرى، وعند مداخل المنازل، وفي المحال التجاريّة، واقتحام البلدات لتنفيذ عمليّات ضدّ شبابها وعائلاتها.
لم تكن الحياة صعبة فقط في تلك الفترة، إنّما كانت شاقّة، أن تعيش داخل بيتك تخفت الأضواء توجّساً من توغّل ليليّ، وأن تخفض صوت التلفاز مع حلول المساء، وأن تُمنع من التجوّل في بلادك… مخيفٌ أن تكون البلاد محتلّة وخالية من أهلها.
أخاف من سيناريوهات قد تعيد مجازر لم يهتمّ التاريخ لتوثيقها وذكرها، من قرى مرجعيون إلى إقليم التفّاح يا همّ العمر يا جبل عامل.



