من بيروت إلى “إيثاكا”.. أيّ باصٍ يعيد المرء إلى ذاته؟

شارف آب (أغسطس) على الانتهاء، تلبس السماء ثوبًا حريريًّا أزرق، فيما بدأت النسمات تبرد قليلًا. أقف إلى زاوية الشارع في فيء شجرة، أنتظر البوسطة كي تقلّني من عاليه إلى بيروت. تصل، يُفتح الباب دون سؤال أو سلام. أختار مقعدًا منفردًا وأسرح في الطريق.

في كلّ مرّة أقف في أيّ شارع، أقول لنفسي: ماذا تفعلين هنا؟

ڤان الضيعة

قبل النكبة التي وقعت علينا، وخلال سنوات دراستي في بيروت، كنت أتنقّل من وإلى بيروت بـ”ڤان الضيعة”.

أتّصل بمحّمد، أحجز مقعدًا على الشبّاك، ومساحة لحقيبتي في صندوق الباص. خمس سنوات قضيتها مع محمّد في الباص من بيروت إلى بيت ليف (بنت جبيل). أحيانًا كان يوصلني آخر راكبة، لأجول معه قرى بنت جبيل؛ يقوم بتوصيل كلّ طالبة وطالب إلى أمام منزله مع حقيبته.

مع مرور الوقت، تحوّل الباص إلى شركة حمّود للنقل تضمّ مجموعة باصات وبوسطة. هكذا عرفته جميع قرى الجنوب وبكته لاحقًا.

في موسم التين، كنت أحمل له سلّة صغيرة يتسلّى بها في الطريق. في بعض المرّات جلست في المقعد الذي إلى جانب السائق، أدوّن معه أسماء الركّاب والضيع ومواعيد الرحلات.

استُشهد محمّد في حرب الإسناد العام 2024 عند عودته من راميا، إذ صار سائق سيارة إسعاف تابعة للهيئة الصحيّة. انتظرته المسيّرة حتّى دخل بيته، وأرسل تسجيلًا صوتيًّا أخيرًا، ثمّ سمعنا صوت الغارة. بحثوا عنه طوال الليل، ووجدوا أشلاءه كاملة، وأقمنا له العزاء.

بوسطة رقم 15

تغيرت الطرقات، واستُبدل ڤان محمّد ببوسطة رقم 15. لا أستطيع حفظ ملامح وجه سائقها، ولا اسمه، وليس لنا حكايا نرويها خلال المشوار.

أصل إلى بيروت، المدينة التي أستطيع استبدالها بأيّ مكان آخر في العالم، أمقتها صيفًا وشتاءً. لم أفهم يومًا حبّ البشر للضجيج وحياة الـ24 ساعة متواصلة. بالنسبة إليّ، بيروت هي الصوت الذي يظلّ يخبرك كم تبقّى لك من الوقت، ويذكّرك كم استهلكت منه.

ثلاثون قرنًا من الانتظار

أحجز تذاكر سينما لمشاهدة فيلم “الأوديسّة” (The Odyssey) لكريستوفر نولان، الذي أعاد إحياء الملحمة الأسطوريّة بعد نحو ثلاثة آلاف سنة من كتابة “هوميروس” لها. ثلاثة آلاف سنة، وما زال الإنسان يحاول العودة إلى ذاته، ومحاربة وحوشه وفهم كلّ شيء.

عاد “أوليس” (Odysseus)، بطل الملحمة، إلى إيثاكا بعد رحلة طويلة استمرّت 20 عامًا، قضاها بين الحرب وإسقاط طروادة، وعشر سنوات أخرى في التخبّط بين قدره وأفعاله وذاكرته. عند عودته، وجد إيثاكا، مسقط رأسه ومملكته، بانتظاره، وامرأته وابنه، وأيضًا خادمه الوفي وكلب صيده.

عاد رجلًا ناضجًا تعافى من جراحه، يفهم خبايا الأمور ولعبة الحياة، ودخل متنكّرًا كي يرى إن كانت إيثاكا التي تركها ما زالت كما هي أم تغيّرت، وليرى كذلك إن كان مكانه ما زال موجودًا.

أفكّر بذلك الذي يحلّق فوقنا ويفلت الصاروخ، ويراه يسقط فوق سطح البيت. هل يعود في ما بعد ويعاين الأشلاء العالقة على الأشجار؟

الولائم ذاتها

عند دخوله، وجد الولائم تقام على موائده، وشعراء يتغنّون ببطولاته، وآخرين يدّعون امتلاك الأخبار عنه، ورجالًا يتناقشون: من سيعتلي العرش، ومن سيخرج مهزومًا، ومن الأقوى الآن؟ ويتناولون الطعام على حساب أوليس.

جلس في الزاوية واستمع إليهم حتّى النهاية، ثمّ عاد وقطع رؤوس الجميع.

هي الولائم ذاتها في كلّ العصور: رجال، حروب، جوارٍ وطعام.

أمّا الآخرون، فهم صنفان: صنف يطاله الموت في المعارك، وصنف يحصد ما تبقّى من السنابل كي لا يموت.

كم متجبّرًا عليّ أن أقاتل؟

على مقعد السينما، وفي الغرفة المظلمة، بعد انتهاء الفيلم وسفر أوليس مع محبوبته نحو الشمس الغاربة، فكّرت: كم متجبّرًا عليّ أن أقاتل بعد كي أعود إلى إيثاكا؟ فالوحوش لا تموت مع مرور الزمن، بل تتغيّر وجوهها.

عددتهم على أصابعي، بدايةً من حاجز كفرا ـ مدخل صربّين، ثمّ الجرافة التي ما دامت تزاول بشكل روتينيّ هدم البيوت، والمدفعيّة، والدبّابات المتمركزة، والرشّاشات الثقيلة، والتفجيرات، والدرونات الصغيرة، والغارات الحربيّة.

ثمّ، عند وصولي، الجثامين التي ما زالت في العراء، والأشجار المقطوعة، والقبور المفتوحة، وحجارة البيوت المبعثرة.

كيف أعود إلى ذاتي؟

وسأدخل الدار ولن أجد شيئًا بانتظاري، فكيف أعود إذًا إلى ذاتي؟ وهل تظلّ الذات نفسها كي يعود المرء إليها؟ لا، لكن ربّما يكفي أن نعود إلى الأماكن والأشخاص الذين نحبّهم.

جلد أوليس ذاته بسبب ما اقترفه، ولام نفسه على دهائه وأوامره، وتمنّى العودة إلى الوراء.

لكن كيف نعود إلى الوراء، كي نمحو آثارًا فظيعة تمتدّ لسنوات نتيجة قرار واحد؟

رجل واحد، وفكرة واحدة، وقرار واحد. أوليس وحده فكّر وخطّط وأعطى الأمر لجيشه كي يقوم بالمذبحة؟ عشر سنوات دمّر حضارة عريقة، وجيشًا قويًّا، وذاتًا كاملة، ثمّ عشر سنين أخرى حتّى عاد.

أفكّر بذلك الذي يحلّق فوقنا ويفلت الصاروخ، ويراه يسقط فوق سطح البيت. هل يعود في ما بعد ويعاين الأشلاء العالقة على الأشجار؟ في جميع الأحوال، لا شيء يعيد الصاروخ إلى مكانه، لكن لا بدّ للأشلاء أن تعود يومًا.

إيثاكا أخرى

سيبدأ الخريف، وما زال الجنوبيّون يصارعون إلهة الدمار كي يعودوا، ويصارعون ذاتهم كي يصمدوا أكثر. وأنا أصارع كي أكتب عن السعادة مرّة أخرى، وعن رحلة مؤنسة، وكتابة نصّ امتنان لحبيبي، الذي أعاد الحلم إلى يقظتي، ودفعني، في أقسى لحظات ضعفي، لأمسح دمعتي، وأقف أمام نفسي قائلة:

ما شأني وإيثاكا؟ ما شأني والوحوش؟ ما شأني والأبدية؟

أستطيع أن أكون هنا الآن، سعيدة، خفيفة من ثقل الأشياء كلّها، مستعدّة لبناء إيثاكا أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى