“كمّ أوّل مرّة”… أمير عيد يُغنّي حزني

من شرفة مطلّة على شقق لا خصوصيّة فيها في شارع الحمرا، كنتُ أجلس ساعات الليل الطويلة في رأسي صوت الطبيبة النفسيّة وهي تنطق تشخيصها عنّي في أقلّ من ساعة: “اكتئاب حادّ”.
لم أكن وحدي في دائرة الحزن الشديد، كانت بيروت كلّها حزينة بعد انفجار المرفأ، وكانت نفوسنا مثقلة من مجابهة الوحدة بسبب جائحة كورونا. وما زاد الطين بلّة أنّها كانت فترة انقطاع الكهرباء، والأدوية، ومسار جديد في حياتنا بعد حلم انتفاضة على كلّ رمز سرق الفرح منّا في هذا البلد.
في ظلّ هذه الظروف وجدتُ يومها صديقًا لطيفًا يغنّي ما أفكّر به ويخفّف عنّي عجزي عن الكتابة، وسيلتي الأنجع في التعبير والتعافي. كان صديقي هذا هو “أمير عيد”* و”كايروكي”.
“على فين رايحين؟”
كانت أغنية “السكّة شمال” بداية تعرّفي على مجتمع الـ”كايروكي” (Cairokee فرقة غنائيّة روك مصريّة شهيرة تأسّست رسميًّا العام 2003). كان بلدي حقًّا غير راغب بي وكانت رموزه تخبرنا بأنّه لو: “مش معاجبكن هاجروا”. وكان سؤال واحد يتكرّر في ظروف ووجوه مختلفة، من سائق الأجرة الذي رافقني في رحلة البحث عن مضادّ للاكتئاب كان قد انقطع من الصيدليّات، إلى وجوه متعبة أقابلها في عملي الصحافيّ، سؤال واحد طرحه أمير في أغنيته “السكّة شمال”: “على فين رايحين؟”.
انتقلت مع الصديقات والأصدقاء في شقتّنا المشتركة من سؤال حول المجهول الذي ينتظرنا إلى جلسات نحكي فيها عن بلادنا التي خذلتنا. جلسات كنّا نناقش فيها كيف أضحينا منبوذين من بيئتنا بسبب رفضنا للأحزاب وسيطرتها علينا وعلى أجسادنا وخذلاننا. حلمنا بثورة لا نقدّم فيها ضمائرنا لإسرائيل ولا للأجندات الخارجيّة، بل نصدّق فيها أنّ “لنا الغد”.
في هذه الجلسات كان “أمير” برفقتي وصديقتي المصريّة في أغنية “أنا الصوت”، وكان الحلم ممزوجًا بغصّة أنّ الأمل ضئيل، ضئيلٌ جدًّا.
رافقني “أمير” أيضًا في “كنت فاكر لسّه بدري”. وصف علاقتي باحتضار قلب يعني لي كثيرًا، قلب أمّي. وصف كيف كان الأمل ينبض بداخلي في أنّها ستتعافى وتتغلّب على المرض، ولكن “أتاري العمر بيجري والفراق بيجي من غير معاد”.
في تلك الليلة، اخترتُ أن أرقص، أن أقفز وأصرخ وأبكي بصمت وأهيّئ قلبي للانفصال وأذكّر نفسي أنّه بإمكاني الرقص والفرح وحدي على أنغام الحبّ
يا حُبّ… “كلّ حاجة بتعدّي”
في الحبّ، يأتي “أمير” بمثابة علاج نفسيّ بالنسبة إليّ، على عكس ما يعتقد صديقي أنّه يغرقني في دوّامة “الدراما” والحزن.
في حفلته الأوّلى في لبنان، كانت أغنية “هاتلنا بالباقي لبان”، شاهدة على بداية مسار جديد لي مع الحبّ والعلاقات. ليلتها رقصت وحدي على أنغامها، قفزت برفقة فتاة لا أعرفها تشاركنا فيها فرحة طفوليّة. على الرغم من أنّ الأغنية عن الحبّ، وذكريات تخلق في آخر يوم قبل نهاية العالم، إلّا أنّ “الحبّ” كان خلفي يمشي مبتعدًا عنّي وكنتُ في الحفلة أودّع قصّة حبّ فيها ما فيها من لطف وفيها ما فيها من أذى.
في تلك الليلة، اخترتُ أن أرقص، أن أقفز وأصرخ وأبكي بصمت وأهيّئ قلبي للانفصال وأذكّر نفسي أنّه بإمكاني الرقص والفرح وحدي على أنغام الحبّ، فلا عداء لي معه إن خُذلت وتألّمت، ولا يأس منه إن أنا خذلتُ قلبي بخيارات لا تليق به. في النهاية، “كلّ حاجة بتعدّي”.
“سوبرنوفا”: لست وحدك الحزينة
اليوم بعد صدور ألبوم “كايروكي” الأخير “سوبرنوفا”، غصّت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع مصوّرة عن الحزن الذي أعاده أمير عيد إلينا بعشر أغنيات فقط. لكنّني في الحقيقة لم يحزنّي هذا الانفجار، بقدر ما خلق بداخلي سرورًا بأنّ صديقي هذا على حاله، وفيًّا في البوح عمّا يحدث بداخلي من صراعات، وعن مسار جديد أمشي فيه، أعيد عبره النظر في تعريفي للحبّ مع التشديد على حبّي وتقديري لذاتي، وعن علاقتي بصحّتي النفسيّة.
جاء “سوبرنوفا” بكلّ بساطة ليخبرني بأنّني لستُ وحدي، وأنّ هذا “الحزن” الجماعيّ، والتأمّل الجماعيّ في مشاعرنا، هو سند لي، وكتف أتّكئ عليه مع ابتسامة راحة، أنّ هناك من يفهم كلّ هذا. وفي هذا، سرور وفرحة بأنّ “حزني” صارت له تسمية ومراحل وألحان.
تسمية مراحل الحزن والفرح هذه، والقدرة على وصفها بكلمات بسيطة وخلق لحن لها، هي ما جعل من “أمير” صديقي.
الحزن مفروض والقوّة خيار
في إحدى مقابلاته، قالها أمير عيد بصراحة، أنّه يتلّقى علاجًا نفسيًّا ويتناوّل أدوية تعينه في رحلته هذه. إيماني في هذا الصديق أنّه لا يغنّي من أجل تسليتنا في الحزن المفروض علينا وحسب، بل ينشد مشاعرنا ويبوح بها من تجربة إنسانيّة تشبهنا لا تُزيّف الحزن ولا تُجملّه بل تصفه فقط.
أنا مقبلة على مرحلة مسار جديد في علاجي النفسيّ. قرار يدور في رأسي: هل أتوّقف كلّيًّا عن مضادّات الاكتئاب والحبوب المنظّمة لنوبات الهوس التي تعتريني؟ هذا القرار مرهون برحلة بحث- أعلم أنّها مضنية- لأنّ ثقتي بالأطبّاء النفسيّين والأدوية غير متينة.
“أنا أصلًا هبقى كويّس”… عبارة فيها حزن نعم، لكنّ فيها مواجهة وقوّة أيضًا. أن أعلم أنّ الألم الذي بداخلي حقيقيّ ولكنّني قويّة بما فيه الكفاية لألجأ إلى العلاج النفسيّ، لأنّه بكّل بساطة “فاضل لسّه معايا كمّ أوّل مرّة في جيبي”.
“كمّ أوّل مرّة” أقع فيها على وجهي بسبب الحرمان من الحبّ في الطفولة، في علاقة لا تشبه من أنا، من ثمّ أتعافى منها. “كمّ أوّل مرّة” أهزم فيها – بدعم الصديقات – صوت الخوف في رأسي المشكّك بقدراتي في فعل الأشياء بأسلوبي. “كمّ أوّل مرّة” أخوض فيها حديثًا عن الحبّ وأعترف به، وأقوم عن الطاولة من دون أيّ إحساس بالخجل. كلّ هذا لأنّني “وحدي تحدّيت وبتحدّى زماني، وحدي شلت وبشيل المسؤوليّة” و”هو ده الدور البطولي”.
شكرًا
عزيزي أمير عيد، والأعزّاء أعضاء وكتّاب “كايروكي”، وددتُ لو أنّ لي مساحة أكبر في الكتابة عن كلّ أغنياتكمّ التي رافقتني وما زالت في تكرارها تؤكّد لي أنّ رحلة التعافي لن تختتم بسنة ولا أربع ولا بعشر، ولكنّ مرافقتكمّ لي جعلت هذه الرحلة أكثر وضوحًا، وأكثر سلاسة.
أشكركمّ أنّكمّ تعيدون إليّ مراحل الحبّ منذ ولادته، إلى الختام. وأنّكمّ هنا في عالمي لأنّي:
“بقالي فترة زهقان
محتاج لحدّ حواليّا
نفسي أتشاف يا اسمك إيه
وأتأكّد إنّي موجود
عايز مشاعر حتّى لو مش حقيقيّة”.
أشكركمّ على هذه المشاعر الحقيقيّة، على توقيتها في هذه المرحلة من حياتي، وعلى أمل لقاء قريب في بيروت، أبكي وأرقص وأشعر بسرور أنّ هناك فنًّا يلمس قلوبنا بصدق.
-
أمير عيد هو المغنّي الرئيس ووجه الفرقة المعروف والكاتب لمجمل كلمات الأغاني والملحّن في هذه الفرقة التي فيها كذلك: شريف هوّاري، تامر هاشم، آدم الألفي، وشريف مصطفى.



