بفيديوهات مفبركة.. حملة إلكترونية ترّوج للسلام مع إسرائيل

أُنتج هذا التحقيق بالشراكة بين “رصيف22” وشبكة “أريج” و”مناطق.نت”
في 27 نيسان/أبريل 2026، ظهر الرئيس اللبناني جوزاف عون في مقطع مصوّر وهو يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. المشهد مفبرك، وقد صُنع بالذكاء الاصطناعي ونشره حساب مجهول يحمل اسم “MLGA” على منصة “تيك توك”.
جاء نشر الفيديو بعد أيام من جولة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، فوضع الحساب المصافحة المختلقة داخل سياق سياسي قائم، ومنحها قابلية أعلى للتصديق. انقسمت التعليقات بين مؤيد للمشهد ورافض له، وتعامل بعض المستخدمين معه كواقعة حقيقية أو خطوة سياسية وشيكة.
حصد الفيديو 75 ألف مشاهدة على منصة X، مع أكثر من ألف تفاعل و128 مشاركة، في حين حصد 186 ألف مشاهدة على منصة “تيك توك” مع 2626 مشاركة، هذه الأرقام كلها من تاريخ تحميل الفيديو إلى اليوم، أي في فترة ثلاثة أشهر تقريباً.
جاء هذا الفيديو في توقيت دقيق، حين صرّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 24 نيسان (أبريل) أن الرئيس اللبناني جوزاف عون قد يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال ثلاثة أسابيع؛ ما جعل بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يصدقون أو يسألون عن ما إذا كان الفيديو حقيقياً أم لا.

فيديو مفبرك يجمع رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
فيديوهات أخرى
وفي 19 تموز/يوليو، وبالتزامن مع زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن، نشر الحساب فيديو آخر يظهر فيه عون إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهما يوقعان اتفاق سلام. وبين المقطعين، بث “MLGA” مواد استخدمت صور وأصوات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام والأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم، وحملتهم تصريحات ومواقف لم تصدر عنهم.
تُظهر المواد المؤرشفة أن انتشار هذه الرسائل اتبع نمطاً منظماً: ينشر الحساب المادة الأساسية، ثم تنسخها مجموعة ثابتة من الحسابات أو تعيد صياغتها، وتستخدم الوسوم والإشارات نفسها، وتوجهها إلى مسؤولين ومؤسسات ووسائل إعلام. كما تتقارب مواقيت النشر وتتصاعد الحركة مع التطورات المرتبطة بالحرب وسلاح “حزب الله” والتفاوض مع إسرائيل.
تشكل النصوص المتطابقة، والنسخ الحرفي، وتكرار الحسابات، وتقارب التوقيت، وتوزيع الأدوار دليلاً سلوكياً قوياً على حملة تأثير رقمية منسقة. وتبقى هوية الجهة التي تدير مركز الحملة وتمولها محجوبة خلف الحسابات وبيانات تحتفظ بها المنصات.
من “جبهة الإسناد” إلى حرب السرديات
منذ إعلان “حزب الله” في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، فتح “جبهة الإسناد” دعماً لقطاع غزة، تحولت منصات التواصل في لبنان إلى ساحة موازية للمواجهة العسكرية. تنازعت حملات سياسية وإعلامية على تشكيل موقف اللبنانيين من الحرب، وبرز وسم “لبنان لا يريد الحرب” ضمن خطاب يعارض فتح الجبهة من الأراضي اللبنانية.
انتقلت بعض رسائل هذا الخطاب من المنصات إلى لوحات إعلانية على طرقات بيروت. ومع اتساع المواجهة في 23 أيلول (سبتمبر) 2024، واغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله في الـ 27 من الشهر نفسه، ثم انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية في 9 كانون الثاني/يناير 2025، وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة بعد أربعة أيام، ازدادت الحملات الرقمية كثافة وتعقيداً.
جمعت هذه المرحلة بين الحسابات المجهولة، والإعلانات الممولة، والمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، في وقت احتدم النقاش بشأن مستقبل سلاح “حزب الله”، وحدود سلطة الدولة، وإمكانية التفاوض أو إبرام اتفاق مع إسرائيل. وفي هذا المناخ ظهر “MLGA”.
شعار أميركي لحملة لبنانية
استعار الحساب اسمه من شعار دونالد ترامب “Make America Great Again”، واستعاض عن “America” بـ”Lebanon” ليصبح الاسم “Make Lebanon Great Again”. منح الشعار الحملة هوية دعائية مألوفة، وربط رسائلها بخطاب سياسي عالمي قائم على فكرة استعادة الدولة وتغيير مسارها.
ظهر الحساب في أيار (مايو) 2025 على منصات “X” و”يوتيوب” و”تيك توك”، بعد أشهر من اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهاشم صفي الدين رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله وخليفة نصر الله، وإنهاء الشغور الرئاسي، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
نشر الحساب أول مقطع مرصود على “تيك توك” في 20 أيار (مايو) 2025. حمل الفيديو رسالة تقول إن “الحزب انتهى”، ثم توالت مواد تستهدف قيادة “حزب الله” وإيران، وتدعو إلى نزع السلاح والسلام مع إسرائيل، وتقدم ذلك بوصفه طريقاً إلى الاستقرار والازدهار.
تندرج الدعوة إلى نزع سلاح “حزب الله” أو التفاوض مع إسرائيل ضمن الصراع السياسي اللبناني. تتركز القضية التي يوثقها التحقيق في اختلاق أقوال ومشاهد على ألسنة المسؤولين، وتمويل انتشارها من جهة غير معلنة، واستخدام حسابات مترابطة لدفعها إلى الجمهور والدوائر الرسمية والإعلامية.
منهجية التحقيق
جمع التحقيق بيانات 1010 منشورات على منصة “X” خلال الفترة الممتدة من أيار (مايو) 2025 إلى أيار (مايو) 2026، باستخدام أداة “Tweet Exportly”، وأرشف فيديوهات الحساب والمنشورات التي أعادت الحسابات الأخرى نشرها. كما حلل الإشارات، وإعادات النشر، والردود، والحسابات الأكثر نشاطاً، ومسارات انتقال الرسائل بين أطراف الشبكة.
راجع التحقيق أيضاً 28 فيديو نشرها “MLGA” على “يوتيوب”، وقارن توقيتات النشر بالأحداث السياسية والعسكرية. واعتمد تحليل الشبكة على الإشارات المشتركة “Co-mention” والروابط المتكررة بين الحسابات.
استند وصف التنسيق إلى أربعة مؤشرات مجتمعة: نصوص متطابقة أو منسوخة حرفياً، ونشر المواد نفسها خلال فترات متقاربة، وتكرار مجموعة الحسابات ذاتها في التضخيم، واستخدام الوسوم والإشارات نفسها عند أحداث سياسية محددة.
8.1 مليون مشاهدة لحساب ناشئ
نشر “MLGA” على “يوتيوب” 28 فيديو حصدت مجتمعة نحو 8.1 مليون مشاهدة خلال فترة الرصد. وأظهرت واجهة المنصة أن عدداً من المقاطع خضع للترويج المدفوع.
تتراوح كلفة الترويج على “يوتيوب”، وفق المصادر التي اعتمدها التحقيق، بين 0.003 و0.015 دولار للمشاهدة، بحسب الجمهور والدولة ونوع الحملة. ويضع هذا النطاق كلفة شراء 8.1 مليون مشاهدة بين 24.3 ألف دولار و121.5 ألف دولار.
يمثل الحساب تقديراً افتراضياً بأن المشاهدات كلها مدفوعة، في حين لا تكشف البيانات العامة نسبة الوصول الإعلاني إلى الوصول “العضوي”. ويثبت ظهور الإعلانات أن جهة ما خصّصت أموالاً لإيصال رسائل سياسية مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى جمهور أوسع.
تواصلنا مع فريق الدعم القانوني في يوتيوب، للرد على ما ورد في التحقيق، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ النشر، سوى رد أولي آلي بمراجعة طلب حق الرد.
49 مليون مرة ظهور على “X”
سجل محتوى “MLGA” نحو 49 مليون مشاهدة أو مرة ظهور على منصة “X”، خلال الفترة التي شملها التحليل؛ فيما حققت المنشورات “محل التحقيق” نحو ثلاثة ملايين مشاهدة أو ظهور على “X”. يعكس الرقم الوصول المتكرر للمحتوى، ولا يساوي عدد المستخدمين الفريدين، إذ يمكن أن يظهر المنشور للشخص أكثر من مرة، وفي مواقع مختلفة داخل المنصة.
وتظهر بيانات الأداة أن حساب “@AbuFahad67” نشر 289 مادة داخل العينة المرصودة، يليه “MLGA” بـ281 مادة. وتضم القائمة حسابات أخرى متفاوتة في الوصول والتفاعل. تعكس الصورة أدناه النشاط داخل العينة، ولا تثبت وحدها وجود علاقة إدارية بين الحسابات.
المسؤولون أهداف للحملة
استخدم “MLGA” بصورة متكررة خاصية الإشارة “Mention” إلى حسابي رئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة، إضافة إلى مسؤولين وسفارات ووسائل إعلام وصحفيين. ورد حساب رئيس الحكومة نواف سلام في 1090 إشارة، وحساب رئاسة الجمهورية في 881 إشارة خلال فترة الرصد.
يظهر الحسابان الرسميان “كعقدتين كبيرتين” في خريطة الشبكة نتيجة كثافة الإشارات الموجهة إليهما. هذا الظهور يعكس الاستهداف، ولا يعني مشاركة الرئاسة أو الحكومة في نشر المحتوى. وتظهر حسابات رسمية وإعلامية أخرى للسبب نفسه، ومنها سفارتا الولايات المتحدة وإيران في بيروت، ووسائل إعلام محلية، ووزير الخارجية اللبناني يوسف رجي.
يكشف هذا النمط أن الحملة سعت إلى ما يتجاوز الوصول العام؛ فقد أدخلت المسؤولين والمؤسسات “داخل كل موجة نشر” لرفع احتمال وصول الرسائل إلى الدوائر السياسية والإعلامية والجمهور المتابع.
ثلاثون حساباً في دائرة التضخيم
تكشف بيانات الإشارات وإعادات النشر عن مجموعة تضم نحو 30 حساباً شاركت بصورة متكررة ومنهجية في تضخيم محتوى “MLGA”. أعادت هذه الحسابات نشر الفيديوهات، ونسخت النصوص، واستخدمت الوسوم نفسها، وأدرجت إشارات إلى المسؤولين والمؤسسات في المنشورات الجديدة.
وتظهر المواد المؤرشفة حالات نشرت فيها عدة حسابات النص نفسه خلال مدد زمنية متقاربة، مع الترتيب ذاته للوسوم والإشارات وأحياناً الأخطاء نفسها. يوضح ذلك توزيعاً عملياً للأدوار: ينتج “MLGA” الرسالة، وتنقلها حسابات إلى جمهورها، ثم تدفعها حسابات أكثر نشاطاً نحو المسؤولين ووسائل الإعلام.
برز حساب “@nadin_awad151″، الذي ينشر محتوى مؤيداً لـ”القوات اللبنانية”، ضمن الحسابات التي أعادت نشر مواد “MLGA” و”لا للاحتلال الإيراني”. كما ظهر “@AbuFahad67″، وهو حساب مجهول الهوية يملك نحو 22 ألف متابع، وينشر في ملفات سياسية متعددة، بوصفه أحد أكثر الحسابات نشاطاً في دائرة التضخيم.

ينتج وصف “حملة منسقة” من اجتماع الأدلة السلوكية، لا من التقارب السياسي وحده. فثبات المجموعة، وتطابق النصوص، وتقارب التوقيتات، وتكرار الإشارات إلى الجهات ذاتها، تستبعد تفسير النشاط كمبادرات فردية متفرقة.
“البيت الأبيض بالعربية”: حساب غير رسمي باسم رسمي
ظهر ضمن الحسابات المتفاعلة مع محتوى “MLGA” حساب يحمل اسم “البيت الأبيض بالعربية”. الحساب غير تابع للبيت الأبيض الأميركي، وينشر محتوى داعماً للسياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
يرتبط الحساب بـموقع إلكتروني ترأسه مرح البقاعي، التي تعرف نفسها بأنها صحافية في البيت الأبيض، ومستشارة سابقة في وزارة الخارجية الأميركية. وساعد تفاعل الحساب مع المواد على توسيع وصول بعض رسائل الحملة.
حسابان يتكرران عند تقاطعات الحملة
أظهر تحليل التفاعلات تكرار حسابين في الدائرة المحيطة بـ”MLGA”: حساب “لا للاحتلال الإيراني”، وحساب الناشط “ريموند ف. حكيم”. يقوم الربط على تداخل الحسابات المتفاعلة، والوسوم والكلمات المستخدمة، وتقارب الرسائل، وانتقال النشاط بين قنوات متشابهة.
“لا للاحتلال الإيراني”: حملة سبقت “MLGA”
ظهر حساب “لا للاحتلال الإيراني” على منصة “X” في أيلول (سبتمبر) 2024، وأطلق قناة على “يوتيوب” في 13 كانون الثاني (يناير) 2025. ركز محتواه على مهاجمة “حزب الله” والدعوة إلى نزع سلاحه، ونقل مواقف سياسيين معارضين للحزب، وخصوصاً شخصيات مرتبطة بـ”القوات اللبنانية”.
وفي تحقيق سابق لمعد التحقيق، وثّق نشر الحساب 19 فيديو على “يوتيوب”، حصدت مجتمعة نحو 3.5 ملايين مشاهدة، وظهر أن جانباً من محتواه خضع للترويج المدفوع. وكان حساب “Carla Hayek” من أبرز الحسابات المتفاعلة معه، كما ظهر في تفاعلات مرتبطة بريموند حكيم.
وتكشف مقارنة المحتوى تكرار كلمات ووسوم مثل “الدولة”، و”الدويلة”، و”حزب الله”، و”الاستخفاف بعقول الناس”، ووسمي “حزب الله انتهى” و”صار وقت التغيير”.
أُزيلت قناة “لا للاحتلال الإيراني” من “يوتيوب” في فترة قريبة من ظهور “MLGA”. وجاء الحساب الجديد برسائل مشابهة، وأدوات إنتاج وترويج متقاربة، واستهداف الجمهور نفسه، وحسابات تضخيم متداخلة. ترسم هذه العناصر استمرارية وظيفية بين الحملتين، وتظهر “MLGA” كحلقة أحدث في مسار دعائي سبق ظهوره. أما نسبة الحسابين إلى مشغل واحد فتحتاج إلى بيانات التسجيل والدفع التي تحتفظ بها المنصة.

ريموند حكيم… نقطة تقاطع متكررة
يُعرّف “ريموند ف. حكيم” نفسه على “X” بأنه “ناشط ومهتم بالشأن اللبناني والعربي”، ويرفع شعار “جيشان لا يبنيان دولة”. انضم إلى المنصة عام 2016، وشارك وسم “لبنان لا يريد الحرب”، كما أعادت صفحة “إسرائيل بالعربية” نشر تغريدة له.
يقدم الحساب معلومات تعريف محدودة، وينشر مواد مناهضة لـ”حزب الله” وإيران، من بينها صور ومقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي. كما رصد التحقيق ادعاءات غير دقيقة في محتواه. مح

ظهر حساب حكيم بصورة متكررة في التفاعلات المحيطة بـ”MLGA” و”لا للاحتلال الإيراني”، وتفاعل مع حسابات تشارك في تضخيم محتواهما، ما يجعله نقطة تقاطع رئيسية في الخريطة.

وفي إطار حق الرد، لم نستطع التواصل مع الحسابين بسبب قيود X، التي أصبحت تمنع إرسال رسائل مباشرة لحسابات لا تتابع بعضها بعضا.
خريطة الحملة: منتجون ومضخمون ومستهدفون
تضع الخريطة “MLGA” في مركز شبكة كثيفة، وتحوطه حسابات تعيد نشر مواده أو تذكره وتوجه محتواه إلى جهات أخرى. وتظهر حسابات الرئاسة والحكومة ووسائل الإعلام في الخريطة نتيجة استهدافها بالإشارات، بينما تمثل مجموعة أخرى دائرة التضخيم النشطة.
تتوزع الحملة عملياً على ثلاثة مستويات: حسابات تنتج الفيديوهات والرسائل، وحسابات تنسخها وتضخمها، وجهات رسمية وإعلامية تستهدفها الإشارات. ويعطي تكرار المسار نفسه، عند كل تطور سياسي، الحملة قدرة على إعادة إدخال رسائلها في النقاش العام بصورة منتظمة.
الرئاسة والحكومة تحذران والحساب يواصل النشر
أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً حذرت فيه من مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي، تنسب تصريحات غير صحيحة إلى الرئيس. كما أصدر المكتب الإعلامي لرئاسة مجلس الوزراء بياناً قال فيه إن “MLGA” يواصل نشر رسائل سياسية عبر فيديوهات تنسب زوراً إلى رئيس الحكومة نواف سلام، وإن المكتب يتابع المسألة مع شركات التواصل لاتخاذ الإجراءات المناسبة.
تواصل التحقيق مع المكتبين الإعلاميين لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وردت رئاسة الجمهورية بأن الملاحقة القانونية تقع ضمن صلاحيات القضاء اللبناني، ولا سيما النيابة العامة التمييزية، وإن الرئيس لم يتقدم بدعوى ضد أي جهة تناولته مباشرة أو “مداورة”، وترك الأمر للقضاء المختص.
في المقابل، لم نتلقَّ رداً من رئاسة الحكومة حتى تاريخ نشر التحقيق.
استمر الحساب في نشر المحتوى على “X” و”تيك توك”، فيما أُزيلت قناته من “يوتيوب”. ويطرح تواصل النشاط بعد التحذيرات أسئلة عن تحرك القضاء، وآليات استجابة المنصات لبلاغات انتحال الشخصيات العامة.
التزييف العميق يعبر بوابة الإعلان
تسمح بعض المنصات بنشر محتوى مولد أو معدل بالذكاء الاصطناعي ضمن شروط معينة، وتفرض في المقابل قيوداً على الإعلانات السياسية، وانتحال الشخصيات، والمحتوى الذي يضلل المستخدمين في قضايا حساسة. وتجمع حملة “MLGA” هذه العناصر في مادة واحدة: فيديو مصطنع، ورسالة سياسية، ووصول مدفوع.
يقول مدير الإعلام في منظمة “سمكس” للحقوق الرقمية عبد قطايا، إن المعلنين يلجأون إلى صفحات حديثة أو مجهولة لتمرير إعلانات سياسية، في حين تملك المنصات بيانات تكشف اسم المعلن وموقعه ووسيلة الدفع. ويشير إلى قدرة الشركات على اكتشاف الحملات المنسقة وربط الحسابات، مقابل مستوى محدود من الشفافية أمام الجمهور والباحثين.
ويرى قطايا أن تطبيق السياسات لا يتم بصورة متوازنة، ويستشهد بتجربة “سمكس” في إبلاغ “ميتا” عن حملات تجنيد لصالح جهات خارجية، من دون أن تصنفها الشركة “مخالفة”. كما يوضح أن المنصات تطلب في حالات كثيرة أمراً قضائياً صادراً عن الدولة، في مسار يستغرق وقتاً ويصطدم بندرة التواصل المنتظم بين السلطات اللبنانية والشركات.
تملك المنصات بيانات الحسابات الإعلانية، ووسائل الدفع، ومواقع تسجيل الدخول، والأجهزة المستخدمة. ويمكن لهذه البيانات تحديد الروابط الإدارية والمالية التي لا تظهر في التحليل المفتوح.
قانون يلاحق الضرر ولا يسمي التقنية
يتوزع الإطار القانوني اللبناني بين قانون المطبوعات الصادر عام 1962، وقانون الإعلام المرئي والمسموع الصادر عام 1994، ومواد في قانون العقوبات وقوانين أخرى يمكن تطبيقها على النشر الإلكتروني.
لا يتضمن التشريع النافذ نصاً مستقلاً يجرّم “التزييف العميق” بوصفه تقنية محددة. ومع ذلك، يمكن أن تندرج بعض استخداماته تحت جرائم قائمة بحسب المضمون والضرر.
يقول المحامي فاروق المغربي، الذي يتابع مسار مشروع قانون الإعلام الجديد في اللجان النيابية، إن الفيديوهات المفبركة، التي تنسب تصريحات مختلقة إلى رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو شخصيات عامة، قد تندرج ضمن جرائم تلفيق الأخبار، ونشر الأخبار الكاذبة، والتحريض. كما قد تنطبق عليها أحكام الافتراء والقدح والذم، وبعض حالات تحقير رئيس الجمهورية.
تتعقد الملاحقة عندما تعمل الحسابات بأسماء مستعارة، أو تدار من خارج لبنان، أو تحفظ بياناتها لدى شركات أجنبية لا تفصح عنها إلا بناء على مسار قضائي محدد.
الحملة تراهن على تحول في الخطاب تجاه إسرائيل
تزامن نشاط “MLGA” مع تغير لافت في مستوى النقاش العلني بشأن التفاوض مع إسرائيل، وتوقيع اتفاق سلام معها. وأظهر استطلاع أجرته “الدولية للمعلومات” بين 28 نيسان (أبريل) و5 أيار (مايو) 2026، ونشرت قناة “الجديد” نتائجه، أن 49 في المئة من المستطلعين يؤيدون اتفاق سلام مع إسرائيل، فيما أيد أكثر من 30 في المئة التطبيع.
وكان استطلاع في آب (أغسطس) 2025 قد أظهر تأييد 25 في المئة لاتفاق سلام و13.2 في المئة للتطبيع. وفي الفترة نفسها، نشرت منصات إعلامية تقارير عن لبنانيين يتحدثون عن “شرب البيرة في تل أبيب”، وجاهر سياسيون وإعلاميون بالانضمام إلى هذه الدعوة، فرد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، آنذاك، أفيخاي أدرعي بعبارة “أهلاً وسهلاً”.
لا تسمح هذه المؤشرات بعزل أثر الحملة الرقمية عن الحرب والخسائر والأزمة الاقتصادية والتحولات السياسية. غير أن توقيت محتوى “MLGA” يكشف سعياً إلى استثمار هذا التحول وتسريعه: فالحساب لا يكتفي بالدعوة إلى السلام، وإنما يصنع صوراً لمسؤولين لبنانيين وهم ينجزونه، ثم يدفعها إلى الجمهور بالتزامن مع المفاوضات والزيارات السياسية.
بهذه الطريقة، تتحول الفيديوهات المفبركة إلى وسيلة لاختبار تقبل الجمهور لواقع سياسي مفترض، وإدخال صورته إلى النقاش العام قبل وقوعه.
من يقف خلف الشاشة؟
على امتداد فترة الرصد، أنتج “MLGA” عشرات الفيديوهات المفبركة، واشترى وصولاً إعلانياً، واستند إلى حسابات نسخت رسائله وأعادت نشرها ووجهتها إلى مسؤولين ومؤسسات ووسائل إعلام.
تثبت أنماط النسخ واللصق، وتقارب مواعيد النشر، وتطابق الوسوم، وثبات مجموعة الحسابات، وجود حملة تأثير رقمية منسقة. وقد تضم الحملة حسابات يديرها المنظمون مباشرة، وأخرى متعاطفة تتلقى المحتوى أو تعيد نشره، وتعمل جميعها داخل مسار تضخيم واحد.
تبقى هوية مركز التشغيل ومصدر التمويل خلف ستار الحسابات المجهولة. وتحتفظ المنصات بالبيانات القادرة على كشف الجهة التي اشترت الإعلانات، وأنشأت الحسابات، وأدارت المنشورات.
في بلد ترتبط فيه المصافحة واتفاقات السلام بملفات الحرب والسيادة والسلاح والانقسام الداخلي، ويتجاوز اختلاق مشهد سياسي حدود التلاعب البصري. فالحملة تنتج واقعاً لم يحدث، وتكرره وتموله وتضخمه حتى يصبح جزءاً من النقاش العام، واحتمالاً يبدو أقرب إلى القبول.







