موسيقيّون نازحون: ماذا تفعل الحرب بأهل النغم وإنتاجهم؟

تطوّق الحرب حياة الموسيقيّ وتحرمه من بيته والإستديو الذي كان يعزف فيه، وآلته، وطلّابه، ورفاقه، وجمهوره، ووقت التمرين، وقد تصل أحيانًا إلى علاقته بشغفه الموسيقيّ، كذلك فإنّها تشكّل من خلال النزوح انقطاعًا قسريًّا في مسارات بنيت على مدى سنوات.
“قرّرت أن أخلق فرصًا”
كانت الخسارة الأولى لسارة همدر، النازحة من ضاحية بيروت الجنوبيّة، مرتبطة بالمسار الذي بنته كموسيقيّة وكمديرة مشروع تعليميّ موسيقيّ “حرمتني الحرب تسلسل المسار التطوّري الذي كنت أسلكه، وخسرت المكان الذي اعتدت عليه وطلّابي للتعلّم وخوض التجربة الموسيقيّة”. لم يختفِ المكان، لكنّه تضرّر بشكل كبير، وللمرّة الثانية، بعد أن كان قد احتضن مشروعها الذي بنته “بالجهد الفرديّ منذ 13 عامًا”.
لم تكن الخسارة ماديّةً وحسب، ففي لحظة ّ، “شعرتُ بأنّني فقدت الهدف والشغف، سواء في التعليم أو العزف أو التأليف. لكنّني، في المقابل، أرى أنّ الإنسان يجد دائمًا قوّة للعودة والبناء ولو من الصفر”. تقول همدر لـ”مناطق نت”.
خلال الفترة الأولى من النزوح، ابتعدت همدر كلّيًّا من المجال الموسيقيّ وانشغلت بالعمل التطوّعيّ ضمن الجمعيّات والمبادرات. لكن بعد الهدنة، تتابع همدر “اتّخذتُ قرارًا بالعودة إلى الإنتاج الفنّيّ انطلاقًا من إيماني بأنّ الثقافة والفنّ جزء من المقاومة، وأنّ الأعمال الثقافيّة والفنّيّة بمثابة القمح للصبر والصمود”.

باشرت همدر في العمل على ما يؤرّخ حياة الناس في هذه المرحلة، من التعليم إلى الإنتاج الموسيقيّ، وصولًا إلى مشروع الكورال الذي تعمل على إعادة افتتاحه قريبًا، معتبرةً أنّ العودة إلى شغفها الموسيقيّ “مشروع شخصيّ بالدرجة الأولى، لأنّني أريد العودة إلى المسار الذي وضعته لنفسي وحياتي العمليّة على رغم الظروف الاستثنائيّة”، وفي الوقت نفسه، “هي واجبٌ اجتماعيٌّ منطلقٌ من إيماني بمسؤوليّة كلّ فرد في المساهمة بنهوض المجتمع بعد الحرب، كلٌّ ضمن اختصاصه وخبرته وقدراته”.
ولعلّ أكثر ما تشتاق إليه “ذلك المشهد الذي كان يحمل بالنسبة إليّ معنى خاصًّا، صبيّ أو شاب أو فتاة في قلب الضاحية يحملون آلاتهم الموسيقيّة” وتردف “عندما غابت فرص العمل، لم أنتظرها، ببساطة قرّرت أخيرًا أن أخلقها، فعدت إلى التعليم والتلحين من غرفة صغيرة، وأظنّها بدايةً لا بأس بها”.
“انتهيت بمهنة أخرى”
أخذت الخسارة شكلًا أكثر مباشرةً في حال علي الصبّاح نجل الممثّل والمخرج الراحل حسام الصبّاح، عازف الغيتار النازح من النبطيّة، “خسرتُ أكثر من نصف أدواتي الموسيقيّة، ووظيفتي كمدرّب كورال ومسؤول عن منهاج الموسيقى، كذلك خسرتُ اتّصالي المباشر بالموسيقيّين في الجنوب، إضافة إلى راحة البال”. أمّا الإنتاج الموسيقيّ، فتراجع إلى حدّ شبه معدوم، “في معظم الأيّام، لا أجد في الأقلّ وقتًا بسيطًا للتمرين فكيف إذا أردتُ أن أعمل في الفنّ وتحويل ما أعيشه إلى إنتاج فنّيّ في الظروف القاهرة التي نعيشها، خصوصًا وأنّنا لا نزال في وسط المأساة”.

يشتاق الصبّاح إلى المجتمع الموسيقيّ الجنوبيّ “هناك، مواطنون فنّانون يشعّون إبداعًا وثقافة وشغفًا”، ذلك المجتمع الذي يعتبره “شبكة بشريّة وثقافيّة يصعب تعويضها عند الانتقال من مكان إلى آخر”. يتابع لـ”مناطق نت”: “حتّى العمل الموسيقيّ بحدّ ذاته ليس متاحًا بسهولة، فأنا نازحٌ إلى قريةٍ بعيدةٍ من المدينة ما جعل فرص العمل في الموسيقى أو تدريسها شبه معدوم، فعملتُ مع صديقي بمهنة النجارة في مشروعٍ لترميم شاليهات خشبيّة”.
تجربة علي تؤكّد أنّ غياب العمل في المهنة الأصليّة، يجعل امتلاك القدرة على العمل نفسها وسيلةً للبقاء.
“خسرت الآلة والمكان”
ربّما تختلف خسارة مسلم فحص، عازف الناي النازح من جبشيت (النبطية)، في تفاصيلها، لكنّها تشترك مع الآخرين في جوهرها. يقول لـ”مناطق نت”: “خسرتُ معدّات تسجيل الإستديو والقدرة على إيجاد مكان للتمرين والأجواء الفنّيّة والموسيقيّة التي أحتاج إليها كي أعمل، ما أدّى إلى تراجع إنتاجي الموسيقيّ إلى أسوأ الدرجات، بسبب الظروف القسريّة القاهرة”.
عندما يتحدّث عن أكثر ما يشتاق إليه قبل الحرب والنزوح يقول فحص “أتذكّر جولاتٍ فنّيّةً جنوبيةًّ ويوميّاتٍ مع رفاق الشغف والإبداع وحياةً موسيقيّةً كاملةً حيث كنا نلتقي لنعزف ونغنّي في حفلات صغيرة في منطقة النبطيّة وقرى ومدن الجنوب”.
خلال النزوح لم تكن فرص العمل كثيرة، وانعدمت عند اشتداد المعارك وتوسّع رقعتها “لكنّ سعي بعض الأصدقاء والمحبّين المستمرّ والمشكور إلى إيجاد فرص لنا، أمّن حفلات موسيقيّة خاصّة أو مرافقة للشعر في بيروت، لكنّ ذلك لم يكُ كافيًا”. يتابع فحص مشيرًا إلى مشكلة أعمق “إذا كانت فرص العمل قليلة في أيّام السلم عندما كنّا في ديارنا، فكيف تكون في زمن النزوح والحرب؟”. ويكمل “لذلك، فإنّ الأزمة بالنسبة إلى الموسيقيّ لا تبدأ مع الحرب ولا تنتهي بانتهائها، فالحرب تضاعف هشاشًة موجودة أصلًا في سوق عمل موسيقيّ محدود”.

“أسعى للبقاء بالموسيقى”
ينضمّ وسام بشارة، عازف البايز الكتريك النازح من النبطيّة، إلى قافلة المتضرّرين “خسرت آلاتي الموسيقيّة جميعها وخسرتُ أيضًا شغفي بالموسيقى والحياة في الفترة الأولى من الحرب والنزوح”.
قصّة بشارة اتّخذت لاحقًا مسارًا مختلفًا، يتحدّث عنها لـ”مناطق نت”: “اشتريتُ آلةً جديدةً، واستأنفتُ الموسيقى تمرينًا ثمّ مشاركةً في حفلاتٍ عديدة في مختلف المناطق اللبنانيّة البعيدة نسبيًا من الحرب”.
لكنّ ذلك لا يعنى أنّ فرص العمل الموسيقيّة متاحة، “فهي كانت صعبة وازدادت صعوبة خلال الحرب، ما اضطرّني إلى العمل في مجالات عدّة بعيدة من الموسيقى كي أصمد”. يضيف “لم يترك النزوح موسيقاي كما كانت، فقد تأثّرتْ حتمًا بما عشتُه، فأصبحت الموسيقى بالنسبة إليّ نهجًا للصمود، ودعمًا للنازحين الآخرين في مراكز الإيواء، ومنحهم شيئًا من الترفيه أو التخفيف عنهم”.
يشتاق بشارة اليوم إلى شيء يرى أنّه “لا يمكن استعادته بسهولة، فالعزف في الجنوب له معنىً مختلف، في أماكن السهر القليلة، في البرّيّة، في البيوت، في الإستوديوهات، مع الأصدقاء الذين استشهد بعضهم، فيما تشتت الآخرون في أماكن كثيرة”.

أربعة موسيقيّين وأربع صور للنزوح
في كلّ ما سبق، تكمن المفارقة الأكثر قسوة، والتي تفيد بأنّ الموسيقيّ يحتاج إلى أكثر من آلة كي يمارس مهنته .بإنّه يحتاج إلى انتماء، مكان، وقت، طلّاب، جمهور، رفاق، استقرار، مجتمع فنّيّ، وإلى شعور بأنّ ما يفعله يطوّره يوميًّا ويأخذ به وبمجتمعه ومحيطه إلى آفاق من الجمال والإبداع.
الحرب والنزوح يفكّكان كلّ هذه العناصر واحدًا تلو الآخر ولا يخطفانها دفعةً واحدةً. ومع ذلك، تبقى الموسيقى في خاطر أهلها محاولةً لاستعادة معنى الحياة الذي غيّبته الحرب.



