متخرجو لبنان حَمَلة شهادات لا سوق عمل لها

“لو عاد بي الزّمن لما اخترت هذا الاختصاص أبداً”. بهذه الجملة تختصر إيمان سليم (28 سنة) تجربتها مع اختصاص درسته سنوات كي تحصل على شهادته، لتجد نفسها بعد التخرج في مسار مهنيّ مختلف وهو تحوّل هوايتها إلى مصدر دخل.
إيمان ليست وحدها على هذه الحال، إذ يتخرّج في لبنان سنويّاً ما بين 35 إلى 37 ألف طالب من مختلف الاختصاصات، وفق إحصائيّات الكاتب والباحث الاقتصاديّ محمّد شمس الدين بحسب ما أفاد لـ”مناطق نت”.
فماذا يحدث بين سنوات الدراسة الجامعيّة ودخول سوق العمل؟ ولماذا يجد بعض المتخرّجين أنفسهم يعملون خارج اختصاصاتهم؟ هل يرتبط ذلك بفرص العمل، أم بمتطلّبات أصحاب العمل، أم بالاختيارات الأكّاديميّة؟
هواية تتحوّل إلى مهنة
تخرّجت إيمان سليم في اختصاص المحاسبة والتمويل العام 2021، وحاولت العمل في مجال تخصّصها الجامعيّ، فأجرت تدريباً عمليّاً مدة خمسة أشهر وتقدّمت إلى عشرات الوظائف، لكنّها لم تتمكّن من الحصول على فرصة في مجالها.
تقول سليم لـ”مناطق نت”: “محدوديّة فرص العمل في الجنوب إضافة إلى عامل الواسطة شكّلا عائقاً أمامي”. إضافة إلى ما تعتبره ضعفاً في توجيه الطلّاب نحو متطلّبات سوق العمل.
لم تتوقّف إيمان عن البحث عن مصدر دخل، إنّما حوّلت هوايتها في مجال العناية بالأظافر إلى مهنة. واستمرّت في هذا المجال حتّى أصبح مصدراً يؤمّن لها استقلالاً ومردوداً ماليّاً يفوق ما كان يؤمّنه لها تخصّصها الجامعيّ.
تتابع سليم: “أعمل في مجال هوايتي، وأصبحت الشهادة الجامعيّة معلّقة على الجدار. ولو عاد بي الزمن لما اخترت هذا الاختصاص أبداً”.
فجوة الأعداد وفرص العمل
تعكس قصّة إيمان خللاً أوسع في سوق العمل اللبنانيّ. ولمعرفة الأسباب المباشرة التي تجبر الشباب المتخرّجين على العمل في غير مجالات اختصاصهم، سألت “مناطق نت” الخبير الاقتصاديّ علي كمّون فأجاب: “إنّ انتقال بعض المتخرّجين إلى وظائف خارج اختصاصاتهم يرتبط أساساً بالفجوة بين أعدادهم والفرص المتاحة في سوق العمل، إلى جانب تراجع القدرة الشرائيّة وتآكل الأجور”.
ويوضح كمّون أنّ “هذا الواقع يدفع الشباب والشابّات إلى البحث الفوريّ عن عمل يؤمّن لهم دخلاً سريعاً عبر قطاعات الخدمات والضيافة والعمل الحرّ، بدلاً من انتظار فرصة متخصّصة”.
إذا كان هذا الخلل واضحاً من الزاوية الاقتصاديّة الكلّيّة، فما هو موقف الجهة المشغِّلة نفسها؟ لفهم متطلّبات سوق العمل، تحدّثت “مناطق نت” إلى مسؤول الموارد البشريّة في إحدى الشركات اللبنانيّة كريم شعيتو، إذ يرى أنّ “المشكلة مرتبطة بالفجوة بين ما يتعلّمه المتخرّج في الجامعة وما تتطلّبه سوق العمل”، مضيفاً أنّ “بعض المناهج والجامعات تركّز على الجانب النظريّ ولا تواكب المهارات المطلوبة”. كذلك يلفت شعيتو إلى أنّ “معظم الشركات تفضّل توظيف أشخاص يمتلكون خبرة سابقة لا تقلّ عن ثلاث سنوات، تجنّباً للوقت والكلفة المرتبطين بتدريبهم”.
ويؤكّد شعيتو “أنّ تضييق هذه الفجوة يتطلّب تعاوناً وثيقاً بين الجامعات وأصحاب العمل لربط المناهج بمتطلّبات السوق، وتعزيز التدريب العمليّ وتطوير المهارات الحديثة لدى الطلّاب قبل تخرّجهم”.
ظروف تغيّر المسار المهنيّ
لا تقتصر أسباب العمل خارج الاختصاص على محدوديّة فرص العمل، إذ قد تدفع الظروف الاقتصاديّة والأمنيّة بعض الشباب إلى تغيير مساراتهم المهنيّة. هنا تبرز قصّة علي خليل (23 سنة)، الذي درس في مجال الإعلام قسم الراديو والتلفزيون العام 2025.
بدأ خليل العمل في مجاله كمصوّر رياضيّ، قبل أن يخسر معدّاته بسبب الحرب وتدمير منزله. وبعد محاولات عدّة لتقديم طلبات للعمل في لبنان والخارج، اصطدم بشرط “الخبرة”، ما دفعه إلى العمل أمينَ صندوق Cashier)) في أحد المتاجر لتأمين التزاماته كشاب معيل لعائلته.
يرى خليل أنّ التدريب العمليّ المبكر كان يمكن أن يساعد المتخرّجين على دخول سوق العمل، مؤكّداً أنّ اضطراره للعمل خارج اختصاصه غيّر المسار المهنيّ الذي كان يخطّط له. وعلى رغم ذلك، يؤكّد خليل أنّ انتقاله إلى مجال آخر لا يعني ندمه على اختياره الجامعيّ، مضيفاً لـ”مناطق نت”: “درست اختصاص الراديو والتلفزيون شغفاً وحبّاً به، ولا أندم على دراسته”.
فجوة تسبق التخرّج
تكشف تجربتا إيمان سليم وعلي خليل عن وجهين لمشكلة واحدة: غياب الاستعداد الكافي لدخول سوق العمل، سواء بفعل الظروف أو التوجيه. وللوقوف على دور التوجيه في هذه المرحلة، تواصلت “مناطق نت” مع الأكّاديميّ علي زلزلي، مدير عام المركز الإسلاميّ للتوجيه والتعليم العالي في لبنان، للبحث عن مدى معرفة الشباب باحتياجات سوق العمل قبل اختيار اختصاصاتهم، ودور الإرشاد الأكّاديميّ والمهنيّ.
يكشف زلزلي عن عمق الفجوة التي تفصل بين منظومة التّعليم العالي وسوق العمل في لبنان، مشيراً إلى أنّ “السوق اللبنانيّة تعاني من انغلاق شبه تامّ؛ إذ لا تتّسع لأكثر من 20 في المئة من إجماليّ المتخرّجين الجامعيّين سنويّاً، فيما يواجه أكثر من 80 في المئة من الشباب مصيراً مجهولاً يدفعهم إمّا للبطالة أو للعمل في مجالات لا تمتّ إلى اختصاصاتهم بصلة”.
علي زلزلي: السوق اللبنانيّة تعاني من انغلاق شبه تامّ؛ إذ لا تتّسع لأكثر من 20 في المئة من إجماليّ المتخرّجين الجامعيّين سنويّاً.
ويرى زلزلي أنّ المشكلة لا تقتصر على خيارات الطلّاب الأكّاديميّة، بل تتعدّاها إلى غياب السياسات الاقتصاديّة والإنتاجيّة للدولة، موضحاً أنّ “لبنان بلد لا يدعم قطاعات الصناعة أو الزراعة أو الابتكار، ويعتمد بشكل مفرط على قطاعات خدماتيّة محدّدة. هذا الخلل أوجد تضخّماً وحال إشباع في جميع الاختصاصات من دون استثناء؛ بدءاً من الهندسة والصيدلة وطبّ الأسنان، وصولاً إلى الاختصاصات النظريّة والعلوم الأساسيّة”.
وعن توجّه بعض المتخرّجين إلى الدراسات العليّا بعد البكالوريوس، يصف زلزلي ذلك بأنّه “هروب اضطراريّ من أزمة البطالة”، إذ يلجأ بعضهم إلى الماجستير والدكتوراه على أمل تحسين فرصهم أو تأجيل مواجهة البطالة.
أمّا في مجالات التكنولوجيا والبرمجيّات التي يُروّج لها عادة كحلٍّ أخير للشباب، فيشير زلزلي إلى واقع مغاير، إذ يؤكّد أنّ حتّى متخرّجي علوم الكمبيوتر يواجهون صعوبة في دخول سوق العمل.
التكيّف مع السوق
يكشف كلام زلزلي عن أزمة متخرّجي التكنولوجيا إلى تجربة نانسي دهيني (23 سنة)، التي تخرّجت في مجال اختصاص كمبيوتر الأعمال العام 2025، وحصلت على شهادة الماجستير. تقول لـ”مناطق نت”: “كنت أتوقّع أن أجد فرصاً تدريبيّة تساعدني في الانتقال إلى سوق العمل، خصوصاً وأنّ دراستي ترتبط في مجال البرمجة وتطوير المواقع، وهما من المجالات المرتبطة بالتطوّر التكنولوجيّ ومتطلّبات سوق العمل الحديثة”.
بدأت دهيني البحث عن وظيفة بعد أشهر من تخرّجها، لكنّها واجهت اشتراط الخبرة في عدد من الوظائف، إذ تطلب بعضها خبرة تصل إلى ثلاث سنوات، مقابل محدوديّة فرص التدريب المتاحة للمتخرجين الجدد. وتقدّمت إلى أكثر من ستّ أو سبع وظائف ولم تتلقَّ ردّاً من أيّ جهة.
تتابع دهيني حاليّاً إعلانات التوظيف لتطوير مهاراتها وفق متطلّبات السوق، ولا تستبعد العمل موقتاً في مجال آخر إلى حين إيجاد فرصة في تخصّصها.
دوامة الشهادة وسوق العمل
من إيمان سليم التي حوّلت هوايتها إلى مهنة، إلى علي خليل الذي اضطرّ للجوء إلى أيّ عمل كان بسبب الظروف، ونانسي دهيني التي تحاول تطوير مهاراتها بما يتلاءم مع متطلّبات الوظائف، تبرز مشكلة مشتركة: شهادة جامعيّة لا تضمن وحدها فرصة عمل، وسوق تفرض على المتخرّجين اكتساب خبرة ومهارات تطبيقيّة أو تغيير مسارهم المهنيّ. وأحياناً مغادرة البلاد بحثاً عن فرص أخرى.
بعد سنوات يقضيها الطالب في الدراسة والتخصّص، يبقى السؤال الأوسع: كيف يمكن أن تتحوّل هذه السنوات إلى فرصة حقيقيّة لدخول سوق العمل، بدل أن تنتهي بشهادة معلّقة على الجدار أو بمسار مهنيّ مختلف؟



