السَردة… في مديح الوقت الذي لا نفعل فيه شيئاً

منذ فترة ليست وجيزة، لفتني مشهد رجل وامرأة يجلسان على شرفة بيت في إحدى القرى الجنوبيّة. أمامهما طاولة صغيرة تعلوها صينيّة تضمّ فنجاني قهوة ومنضدة تتكئ عليها سيجارة راح دخانها يسرح ببطء في الفضاء. الصمت يجول بينهما ولا يلامس عتبة الطريق. لا مشهد هاتف في الأيدي وعيون مسمّرة على شاشته. لم يشغلهما شيء مع ارتشاف القهوة، طعام أو “نقرشة”، أو مشاهدة عابرة تستدعي ذلك. كانا جالسين فقط، كلّ منهما سارحاً في اتّجاه.
توقّفت عند المشهد، ربّما لأنّه غير مألوف. نعرف، نحن أبناء الجنوب، هذه الجلسة جيّداً. “السَّردة”. أن تجلس على هذا النحو، من دون أن يكون عليك أن تفعل شيئاً. تشرب قهوة، تدخّن سيجارة، تراقب حركة الطريق أو إغفاءة شمس أو أناس يعبرون إلى سبيلهم، وتبقى مكانك.
فقط يسرح سيراً ونظراً
أعادني المشهد إلى نمط حياة كان مألوفاً في قرى الجنوب، ولم نكن نفكّر فيه يوماً أنّه شيء يستحقّ الانتباه. إلى الراعي، مثلاً، الذي كان يمضي ساعات طويلة خلف قطيعه. ثمّة جزء كبير من يومه كان انتظاراً ومشياً وسرحاناً. يسير وراء ماشيته في أرض يعرفها، يجلس على حجر، يراقبها وهي ترعى، ثمّ ينهض ويمشي من جديد. لم يكن بحاجة إلى أن يملأ وقته بشيء آخر، فقط يسرح سيراً ونظراً.
ليس الراعي وحده من يحتكر مشهد التأمّل، فالمزارعون في أراضيهم يفعلون هذا أيضاً، والنساء أمام مصاطب بيوتهنّ يرتشفن ما تيسّر من قهوة الصباح لا يغادرن المشهد نفسه، إلى جمهرة ناس يجتمعون بعد الظهر، يزجون الوقت ثم يسكتون. إلى أشخاص كانوا يخرجون كي “يتمشّوا”، كما يُقال عادةً، من دون أن يكون هناك هدف واضح لما يقومون به. كان في حياتنا متّسع كبير لهذا النوع من الوقت. لم يكن وقتاً للعمل أو النوم ولا للزيارات أو المناسبات. إنّه وقت بين الأشياء. ساعات أو أنصاف ساعات لا يحدث فيها، ظاهريّاً شيء مهمّ.
ماذا يحدث في رؤوس “الساردين”؟
الغريب، أننا لم نعد تفكّر في قيمة هذا الوقت إلّا بعدما بدأ يختفي. اليوم، إذا جلسنا وحدنا لدقائق، تمتدّ أيدينا إلى الهاتف بصورة شبه تلقائيّة. في انتظار القهوة، في السيّارة، قبل النوم، أثناء المشي، وحتّى حين نجلس مع آخرين. تلك المساحات الصغيرة التي كانت تمرّ سابقاً بلا شيء دخل إليها شيء ما. من هنا، يأتي سؤال: ماذا كان يحدث في رؤوس أولئك الذين كانوا يختبرون “السردة”؟
في علم الأعصاب، هناك شبكة في الدماغ تسمّى “شبكة الوضع الافتراضي”، أو ما يُعرف باللغة الإنجليزية بـ Default Mode Network. تُنشّط هذه الشبكة بصورة لافتة حين لا نكون منشغلين بمهمّة خارجيّة تتطلّب تركيزنا الكامل؛ أيّ عندما يسرح الذهن، نمشي في الطبيعة بلا هدف، نجلس ونراقب غروب الشمس، نذهب لقطف الزعتر (الصعتر)، أو نطوف بأجسادنا على سطح ماء البحر ونراقب السماء…
أتساءل: بماذا كان يسرح ذهن الراعي في الساعات الطويلة التي كان يمشي فيها خلف قطيعه؟ لا أعرف، طبعاً. وربّما لا ينبغي أن نحاول تحويل حياة أجدادنا إلى تجربة مخبريّة. لكنّنا نعرف شيئاً أبسط ومؤكّداً: كان لديهم وقت طويل لا يصل فيه إلى أذهانهم محتوى جديد كلّ بضع ثوانٍ. كانت لحظات الصمت تستطيع أن تمرّ وتستمرّ قليلاً من دون أن تُعامل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها.
نحتاج إلى أن نتوقّف عن الركض خلف الأشياء في الحياة، وأن يكون لنا جزء من الوقت لا نملؤه بشيء أبداً، ولا تلاحقنا مشاعر الذنب تجاهه.
هل كان وقت الفراغ فراغاً؟
لا أعرف إذا كان التعبير الأدقّ هو أنّ الناس في الماضي كانوا يملكون وقت فراغ أكبر. كلمة “فراغ” نفسها قد تكون ظالمة. لأنّنا نفترض أنّ اللحظة التي لا نفعل فيها شيئاً هي لحظة فارغة. بينما ربّما يكون الدماغ في تلك اللحظة مشغولاً بشيء آخر تماماً، ويعيد ترتيب ما مرّ به.
هكذا، تصبح المسألة أبعد من اقتحام الهواتف والتكنولوجيا لأصغر تفاصيل حياتنا اليوميّة، وأبعد حتّى من علم الأعصاب؛ إنّها مسألة تتعلّق بذاكرة الجنوب نفسه. حين نتحدّث عن تغيّر الحياة في الجنوب، نفكّر عادةً في الأشياء التي تغيّرت أمام أعيننا؛ في البيوت، والطرقات، وننسى شيئاً أقلّ وضوحاً تغيّر أيضاً، وهو علاقتنا بالوقت.
اختفت، أو تقلّصت، تلك المساحات التي لا يُطلب فيها من الإنسان شيئاً. اختفت “السردة”. المشوار الذي لا هدف منه. الجلوس أمام البيت وعدم فعل شيء وقت “العصرونيّة”، العمل الهادئ في الأرض، النظر طويلاً إلى غروب الشمس.
ربّما لا نحتاج إلى استعادتها من الماضي، ربّما نحتاج إلى أن نتوقّف عن الركض خلف الأشياء في الحياة، وأن يكون لنا جزء من الوقت لا نملؤه بشيء أبداً، ولا تلاحقنا مشاعر الذنب تجاهه في الوقت عينه، ولهذا بقي مشهد الرجل والمرأة الجالسين على الشرفة عالقاً في رأسي. فنجانا القهوة على الحافة. سيجارة تحترق بهدوء. رجل وامرأة لا يفعلان شيئاً يمكن تصويره أو قياسه أو مشاركته. فقط جالسان، “ساردان”.
وقت لا يحتاج لتبرير
ربّما فقدنا قدرتنا على أن نجلس من دون أن نفعل شيئاً، وصرنا نحتاج إلى سبب لنرتاح، وإلى فائدة حتّى من راحتنا.
أمّا أولئك الذين كانوا يجلسون عصراً أمام بيوتهم، أو يمشون بلا وجهة، أو يراقبون الشمس وهي تميل، فربّما كانت علاقتهم بالوقت أبسط؛ كانوا يتركونه يمرّ من دون أن يحاسبوا عليه أنفسهم أو يشعرون بالذنب. ولعلّ ما نسمّيه اليوم وقتاً ضائعاً، لم يكن ضائعاً يوماً ما، إنّما كان وقتاً يُعاش، وحسب.



