لا شيء يثبت أنّنا أحياء سوى الخراب المحيط بنا

لا شيء يثبت أنّنا أحياء سوى هذه المعافرة القسريّة المفروضة علينا. وما علينا سوى المحاولة.

كانت حرارة الشمس تلسع وجهي بينما كنت أشرّعه للسماء. شعرتُ أنّ الله يقبّلني. أخذتُ نفساً عميقاً وواجهت خوفي من الأماكن السحيقة. كانت مجاورة الحبّ، والحاجة المستميتة إلى نفس عميق، بعيداً من الوطن وأنا في الوطن، اللتان خلقتا بداخلي هذه الجرأة.

من الوحشة المخيّمة على الشوارع الجنوبيّة في ليلة صيفيّة لم يقترب منتصفها، وصورة زميلي الشهيد المعلّقة على عمود كهربائيّ عند حافّة الطريق، وحديث عن خسارة البيوت ورائحتها وملمس حجارتها، إلى الأمان الذي بات وكأنّه دخيل على قلبي، مسافة ساعات قليلة. فهناك، أمام هوّة “بالوع بلعة”، نكز صوت الصمت جرح هذا الشرخ في بلادنا.

جلستُ عند السفح وصوت “شجريان” (محمّد رضا شجريان، موسيقيّ ومغنٍّ وملحّن إيرانيّ) يربّت على قلبي، فيرتفع بي نحو السماء تارةً ويعيدني إلى الهوّة طوراً. هكذا علّق الله أرجوحة لي بين السماء والأرض.

البكاء معافرةً أخرى

كان من المفترض أن أبتسم، وأن آخذ نفساً عميقاً وأنفث بعده كلّ الطاقة السلبيّة الساكنة في أحشائي. مختبئةً بين الشجر الأخضر، تحت السماء الصافية، والشمس تواجه عناد القمر في الظهور بكلّ رقّته أمامها، كان كلّ شيء يخبرني بحجم التناقضات التي نعيشها في هذه البقعة الصغيرة، لذا وجدتُ نفسي أذرف الدموع، وكأنّ في داخلي شراهةً على البكاء.

لم أبكِ بحرقة منذ وقت. لكنّ ما عدا الوطن قادر على جرّنا إلى هذا اليأس؟ ومن غير الحبّ قادر على نكز الخيبات بداخلنا حدّ الوهن؟ سلّمتُ قلبي لشجريان، وأرخيتُ كتفيّ واستسلمتُ للبكاء حزناً على حال الجنوب، وعلى اليأس المتربّص بي ومعافرتي من أجل النجاة، وعلى خيباتنا الصغيرة أيضاً.

بدّد صوت طائرة لحظة السكون التي كانت تعتريني. للوهلة الأولى، ما خطر لي أنّها “حربيّة”، ثمّ تداركت الأمر: في هذه البقعة من الوطن، لا وجود للموت الفظيع. وأنّنا وحدنا في الجنوب نحمل ثقل النعوش وأصوات التفجيرات ومعجم الأسلحة، وحدنا من نحمل كلّ هذا الألم صلباناً طوال الوقت، بانتظار الختام.

يعيدني صوت شجريان إلى الهوّة. أشعر برغبة عارمة في اختبار الليل هنا، وبالاختباء في حضن السراب وتأمّل السماء طوال الليل، بعيداً من أصوات الموت في الجنوب، لكنّ الوطن بالنسبة إليّ هو الجنوب، شئتُ أم أبيتُ، هذا ما اختاره قلبي.

وبعد خمس سنوات، كشف لنا عن  القدر، وكان المستور أشلاءً ودماءً وفقداً وحنيناً وخوفاً وحرباً لم نخترها.

قبل أن ينكشف المستور

في لحظة مثل هذه، كان من المفترض أن تكون مساحةً للانسلاخ عن ضغوط الحياة. حضرت في رأسي ذكرى زيارتي الأولى لجبل الريحان منذ خمس سنوات، على رغم أنّني ابنة الجنوب. جلستُ هناك ساعات طويلة، وأقمتُ شاهداً من حجارة بين العشب الأخضر. تحدّثتُ ومن كانوا برفقتي عن قيمة الأمان بعد الاحتلال الذي كان مسيطراً على هذه السفوح، وعن لعنة حبّ الأوطان ونعمتها أيضاً. ثمّ وغادرنا.

غادرنا وثمّة شيء ما في داخلي كان يهمس لي بأنّ العودة إلى هذا المكان سوف تطول. لم يخطر لي أبداً أن يكون السبب هي الحال التي نحن عليها اليوم. أقول في سرّي: يا ليتني حفظتُ قرى الجنوب عن ظهر قلب، لكن ربّما الألم سيكون في حينه أشدّ ثقلاً.

ودّعنا الله يومها، محتفظاً بسرّ أقدارنا، وقدر جبالنا الجنوبيّة ومعاندتها للأقدار المفروضة عليها. ثمّ، وبعد خمس سنوات، كشف لنا عن هذا القدر، وكان المستور أشلاءً ودماءً وفقداً وحنيناً وخوفاً وحرباً لم نخترها.

جنوبٌ لا أستطيع زيارته

على رغم مجال عملي، بتّ أحاول تخفيف تعرّضي للأخبار، وعلى رغم حنيني إلى الجنوب، لم أعد قادرة على زيارته مثلما اعتدت من قبل، عبر زيارات أسبوعيّة أشحن من خلالها طاقتي على الحياة في بيروت. ولكنّ الأحزان التي أختبرها وحدي، وحسرتي على أنّني لا أملك بيتاً في الجنوب، تشعرانني بأنّ لا يحقّ لي الشكوى أمام حزن الصديقات اللواتي خسرن بيوتهنّ، وعبث الاحتلال بقراهنّ حتّى غدت منكوبة بالكامل. يتابعن احوالها عبر خرائط ومقاطع مصوّرة لا تُظهر سوى الدمار والخراب، إلى حدّ أنّهنّ لم يعدن يميّزن معالمها، وهي التي تحفظ ذكريات طفولتهنّ وتمثّل موطنهنّ.

من يسلبنا الأمل والإيمان؟

أغرق في تساؤلاتي. بجواري كان قلب جنوبيّ آخر تلثمه حرارة دفء الربّ، وإن كان التشكيك بوجوده حاضراً لديه من فرط كلّ هذا العبث. أن يخطر لنا الجنوب في لحظات كهذه لا يشي سوى بالألم المتربّص بنا، مختبئاً فينا. غدا هذا الحزن الجماعيّ ثقلاً على قلبي أحاول الهروب منه، ولكن إلى أين المفرّ؟

يسألني: لِمَ حُرّم علينا، نحن أهل الجنوب، أن نعيش هذه السكينة؟ لا أدري. يعيدني سؤاله إلى عبارة صديقتي الفلسطينيّة: “ما عندي أمل بس عندي إيمان”. ولكنّ هذا الواقع يسلبني الاثنين معاً.

نحن على قيد الحياة؟

أعود إلى هذه المدوّنة بعد شهر من بدء كتابتها: “أضيفي شيئاً من الإيجابيّة”، “تحدّثي مثلاً عن أنّ التماسك الوطني خفّف من وطأة الحرب”.

لا أرى أيّ بريق من هذا القبيل في واقعنا. أغبط “بالوع بلعة” على هذا الأمان الذي أتمنّاه لكلّ هذا البلد ــ توضيحاً لما هو جليّ ــ ولكنّني أشعر بالحنين إلى جلستي تلك في الريحان. أتفادى النظر إلى الصور الملتقطة في ذاك اليوم. كان الجبل بخير، وكانت الأرض بخير، وكنّا جميعنا بخير.

اليوم أعود إلى هذه المدوّنة، وصوت “الزنّانة” يخترق هدوء منزلي في بيروت. ثمّة حديث وتحليلات عن عودة اشتداد الحرب عمّا قريب، ارتهاناً بالانتخابات الأميركيّة. أبحث عن منزل للإيجار، ولكنّ طائفتي على الهويّة تقلّص خياراتي.

تهرب الصديقات من الأغاني التي تحكي عن الجنوب، أخبار تثير الطائفيّة، سجالات بين من يؤيّد “الإسناد” ومن يعارضه، حقيبة صديقتي الجاهزة لأيّ طارئ، الفقد والرثاء على وسائل التواصل الاجتماعيّ… لا شيء يثبت أنّنا على قيد الحياة سوى هذا الموت المحيط بنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى