أريد أن أعود يا جابر…

لن تكون الشخص الذي كنته قبل هذه السنوات. تتوالى الفصول والنكبات في هذا البلد، وتُنضجك الخسائر. تجعلك تكبر دفعة واحدة، يموت شخص تحبّه فتنتحب عليه حتّى تتبدّى تجاعيد عينك. تخسر عملك فتبدأ الرعشة بيدك، وتبرز عروقك. تخسر بيتك فتصير سلحفاة حكيمة بشقٍّ في صدفتها، تتنقّل من واد إلى واد، وتحاول إيجاد معنى كي لا تفقد عقلك.
أريد ربيع جابر
في أشهر الصيف الأخيرة قرأت ثلاث روايات للروائي ّاللبنانيّ ربيع جابر: “دروز بلغراد”، “الفراشة الزرقاء”، و”رحلة الغرناطيّ”. أقرأ كي لا أصير قطعة بسكويت هشّة غارقة في فنجان قهوة مليء بالتفل. حملت الرواية الرابعة التي بدأت لتوّي في قراءتها “بيريتوس: مدينة تحت الأرض”، ومشيت نحو بلاكين عاليه.
على المقعد الحديديّ الأسود، جلست أرقب الشمس تسحب نفسها من المشهد النهاريّ الأخير، وتختفي وراء بحر بيروت، ومع ضجيج السيّارات وأصوات المشاة، أغلقت الكتاب وقلت: أريد ربيع جابر. عرفت أنّه متوار عن الأنظار، وربّما اعتزل الكتابة؛ ربّما يحاول النجاة بنفسه.
تخيّلت طاولة تجمعني به ذات يوم، أو ربّما كرسيّين فقط، أو كرسيّ واحد يجلس هو عليه وأقف أنا قبالته، كي أسأله: لماذا لم يردّ قاسم إلى مسقط رأسه؛ كما ردّ حنّا يعقوب؟
كيف نعلم أننا لن نعود؟
في “الفراشة الزرقاء”، سردتُ لنفسي كلّ الأوهام التي لاحقتني يوماً وبذلت مجهوداً لأجلها. وفي النهاية، كانت النتيجة أنّها لمعت أمامي كالبرق واختفت، وتركتني وحيدة أواجه واقعاً مريراً.
وجّهتُ إلى نفسي اللوم عن كلّ المرّات التي كان باستطاعتي فيها الإمساك بأيّ فراشة رقصت أمامي ولكنّني تكاسلت عن اللحاق بها. ولا أتحدّث هنا عن فراشات فقط. إنّه القرار الصائب في اللحظة الحاسمة، هو ما يحدّد حجم خساراتنا.
لكن يبقى الإنسان جهولاً مهما ظنّ نفسه عارفاً، وفي زمن يفتقد للسحر والنظرة الثاقبة، كيف له أن يعلم بأنّه لن يعود للبيت مرّة أخرى بمجرّد مغادرته؟
لم يعلم أحد من أبطال روايات جابر بأنّه ما إن يخطو خارج داره لن يعود إليه. لكن، هل كان يعلم جابر بوجودي؟
هل كان يعلم أنّ في العام 2026، ستغادر فتاة بيتها الصغير في أقصى الجنوب وتلجأ إلى عاليه هرباً من الاحتلال الاسرائيليّ، وتجد متعتها بين رواياته، ويحجب عنها أمل العودة مرّة أخرى؟

لا شيء أبديّ
لا أريد أن أكون بطلة رواية في ما بعد، مع أنّي حملت حقيبتي كما حمل حنّا يعقوب سلّة البيض المسلوق، وكما حمل جوزف وجرجي بابازغوالي حقيبتيهما ومعطفيهما الأخضرين، وكما حمل محمّد زوّادته وكتاب الرازي، وغادرنا جميعا نحو المجهول.
ما زلت فوق المقعد الحديديّ، وما زالت الشمس تتكاسل في هبوطها، ووقع نظري على شبكة حديديّة جديدة ملاصقة للدرابزون، علّق عليها الناس أقفال الحبّ كما في باريس. على رغم معرفة البشر بأنّ لا شيءَ أبدي، لكنّهم يحاولون. وأحاول ألّا أقارن بين من رمى مفتاحاً من فوق الجسر وتمنّى حبّاً أبديّاً، وبين من رمى مفتاحاً وتمنّى بيتاً ومفتاحاً آخر.
“سنعود بعد العاصفة”
أفكّر: ما الذي ينقصني، وكان عليّ إخراجه في الحقيبة في تلك اللحظة الحاسمة؟ ولأنّني شعرت بالهواء البارد يربت على خدّي، تذكّرت معطفي البنّي المصنوع من صوف الخروف. ذلك المعطف الذي رافقني ما يقرب ثمانية شتاءات. كنت قد اشتريته من متجر للملابس المستعملة في بنت جبيل قبل أزمة الدولار، بسعر زهيد جدّاً، ما يقارب خمسة آلاف ليرة. هذا كلّ ما جاء إلى ذهني.
ربّما لو كنت جالسة إلى جانب ربيع جابر وأخبرته بذلك، لاعتبر الأمر سخيفاً، لكنّ لا شيء آخر سأعوزه هذا الشتاء بقدر معطفي البنّيّ المصنوع من صوف الخروف.
ربّما لأنّني لو تمنّيت أخذ أشياء أخرى، لعذّبني ضميري على تركها. واضطررت إلى سرد قصّة كلّ شيء على حدة، وبرّرت لنفسي تركها، وربّما جعلت جابراً يبرّر لي خذلاني لها، وبكيت على كلّ تلك الأشياء، والأماكن، والحيوانات، والأصحاب، التي اضطررنا إلى تركها خلفنا قائلين لأنفسنا: سنعود بعد العاصفة.
مرّة في العمر، يوّد المرء لو أن يمشي أحدهم إلى جانبه ويصحّح له عندما يكون منهكاً، ويُغمض له عينيه حاجباً عنه بشاعة هذا العالم.
احجب عنّي بشاعة هذا العالم
سؤال آخر أريد أن أسأله إياه أيضاً: كيف حملت في جعبتك كلّ هذه الحكايات؟ ألم تشعر للحظة أنّ رأسك سينفجر؟ معدتك تؤلمك؟ قدمك اليمنى ترتجف؟
في جعبتي قصص مخيفة حدثت في الحرب؛ أشعر بعبء معرفتها، كنت أريد أن نمشي طريقاً طويلاً وأخبرك إياها. بالأمس خرجت مسرعة، لا لشيء فقط لتهدأ أفكاري، كلّما مشيت أسرع كلّما ران الصمت.
على درج طويل جلست كي أستريح من الصعود، أسمع صوت أمّ تقوم بتدريس ابنها، وأسمع طرطقة صحون، فعرفت أنها تجلي في الوقت نفسه. تهجّئ له: “نظنّها”، وتعني “منفكّرها”، ويردّد النصّ وتصحّح له الكلمات. متى كانت آخر مرّة صحّح لك أحدهم تلعثمك في الكلام؟
مرّة في العمر، يوّد المرء لو أن يمشي أحدهم إلى جانبه ويصحّح له عندما يكون منهكاً، ويقوم بالحسابات البسيطة، يرتّب الأشياء، يُغمض له عينيه حاجباً عنه بشاعة هذا العالم، يضع له الموسيقى كي لا يسمع الضجيج، يغلق له النوافذ ليلاً، ويفتح الستارة صباحاً، يوقظه من الكابوس، يهتمّ إذا كان قد لبس جواربه الصوفيّة في الأيّام الباردة، يصنع له مشروبه الساخن، يقبّله كي ينام.
قلبي رقيقٌ مثل الضباب
تمرّ من أمامي قطّة أمّ تبحث عن طعام لأطفالها. أعرف أنّها أمّ لأنّني أطعمتها سابقاً هي وقطّتيها، وبعدها نسيت أن أعود لزيارتها. ماذا لو أنّها انتظرتني وأنا خذلتها؟
أظلّ أفكّر في الشرّ الذي صار واضحاً جدّاً في هذا العالم، تبدأ الشرور صغيرة، وتكبر، وتكبر. أخاف أن أخذل أحداً، فيكبر الشرّ بداخلي. من يحطّم لعبة، يحطّم شعوراً، يحطّم بيتاً، يحطّم رأساً.
أريد العودة يا جابر. ضعني في الصفحات الأولى على ظهر فرس، غرّبني في أقصى البلاد، ضعني على باخرة كبيرة، كبّل يديّ بالسلاسل، لكن أعدني في آخر صفحة. من دون خسارات أخرى، ما عدت أعدّ خسائري، لكن لا تقم بإنقاص المجموعة فرداً في كلّ جولة.
لا بأس للشجاع في أن يعيش ويشهد النهاية. لا تقتل كلّ قاسم بيننا. يستهويك الرحيل والاختفاء، وقلبي يعتاد بشكل رهيب. قلبي رقيقٌ جدّاً، مثل الضباب، مثل الفراشة الزرقاء، وخيط الحرير.
أريد لمشاعري أن تبقى في قلبي، أو بين يديّ حبيبي.
فنجان عاديّ
لأنّك تحبّ الذين يغادرون وينسون طريق الرجوع، سأروي لكَ بعضاً من قصّتي: رحلت ذات يوم مع الفجر، ولم يطلع الصباح بعد، ولم ينتهِ آذار (مارس)، حتّى إنّني ما زلت أرتدي ملابس قطنيّة خفيفة، علّي أواخر الشتاء.
في بيتي الذي كان خلف أشجار الزيتون، اعتدت استقبال المواسم بفنجان جديد؛ مثلاً: الخريف بفنجان برتقاليّ كبير، والميلاد بفنجان أحمر عليه زينة الميلاد، والربيع بفنجان ذي ورود كنت قد ابتعته خلال سفري الأوّل إلى طرابوزن (تركيا)، وهكذا… منذ رحيلي الأخير، احتسي قهوتي بفنجان عاديّ صغير شفّاف. ربّما لم أعد أريد تخزين مشاعري بأشياء قابلة للسلب والتهشيم.
هل ستعيدني يا جابر؟
أريد لمشاعري أن تبقى في قلبي، أو بين يديّ حبيبي، وربّما في صحن طعام لتلك القطّة الأمّ، أو أن أشتري ربطة خبز مرقوق من العجوز الذي يقف عند ناصية الطريق.
حتّى تجعلني أعود مرّة أخرى إلى بيت أستطيع فيه ترتيب فناجيني في خزانة عموديّة مفتوحة، أرتّبها بحسب ألوانها والمواسم.
اليوم تكون قد غابت الشمس 226 مرّة منذ مغادرتي البيت، هل ستعيدني يا جابر؟






