خصلات شعر مريم تهزم “الملعون”

أرقب جسدي النحيل، أتحسّس جلدي الطريّ، لم تنل منه السنين إلى اليوم، على رغم عبوري الأربعين، ما زلت أضجّ بالحياة وبجعبتي كثير من رؤوس الأحلام، أخفيها بشراسة أُمّ تحمي صغارها. أنتظر عبور ساعات الليل الطويلة، فالشتاء يُطيل عقارب الزمن، يجعل الوحدة تزدحم من حولي، كخفّاش أسود يخبّئ أنوار النجوم عن سمائي.

أسحب نفساً طويلاً من سيجارتي، فيتبعثر الدخان أمام ناظريّ، ليرسم أطيافاً تقتحم خلوتي، تشاركني قهوتي وتتوغّل ذاكرتي مع اللعين. هذا اللعين مكتوم القيد، يخافه الجميع من دون استثناء، حتّى القتلة يرتعدون خوفاً عند مواجهته، لكنّ مريم حاربته إلى أن ظفرت بالنصر وشربت نخبَه بإيمان صاخب.

لمّا اقتحم السرطان حياة مريم

عشت مع مريم سنوات وشهوراً، أسابيع وأيّاماً، ساعات ودقائق، ثوان وأجزاءً من الثواني، يوازي وجعها عمراً كاملاً. لم يكن وقع الخبر حدثاً اعتياديّاً. كيف للسرطان أن يقتحم جسدها الصغير؟ كيف يجرؤ على لمسها وهي لا تزال في مقتبل العمر؟ كيف يقترب منها وهي وحيدة في تلك البلاد الباردة؟ هل استطاع الوصول إليها لأنّنا لسنا معها؟ ما الخطيئة التي اقترفناها كي نُعاقَب به؟ لماذا هي دون غيرها من البشر؟ وكيف ستكفي مواردنا كي نحاربه؟

حين داهمنا الخبر من صوت على الهاتف الصنم، لطمت على وجهي طويلاً، انتَحبت كما كانت جدّتي جميلة تنتحب على فراق الأحبّة. في صغري، كنت أنظر بغرابة إلى جدّتي، لحركة جسدها وهي تبكي، تهتزّ أكتافها، تنهمر الدموع بغزارة على وجنتيها السمرَاوتين، ثمّ تطلق آهات حارقة تمزّق الأحشاء من وجعها، إلى أن تسكر من الأنين. تلك طقوس الحزن الريفيّة.

لم أتوقّع يوماً أن تعبر بي السنين، لأمارس هذا الطقس الموجع حدّ الموت. أدركت يومها كيف يستفزّ وجع مهجة الروح الجهاز العصبيّ، ويطلق سراح الخجل، فيرقص الجسد حزناً.

أخفينا خبر المرض عن الجميع، لم تكن لنا أيّ طاقة لمواجهة نظرات الشفقة وعبارات المواساة الصمّاء من أقرب الناس.

الكتمان ومواجهة المرض

أخفينا خبر المرض عن الجميع، وبقي السرّ معنا. لم تكن لنا أيّ طاقة لمواجهة نظرات الشفقة وعبارات المواساة الصمّاء من أقرب الناس. هذا القرار لم يكن جبناً أو خجلاً، إنّما إحدى أدوات الصمود في حرب خضناها عراة الأيدي والأقدام. في تلك الحرب، استعنّا بالكتمان لنتمكّن من صهر الوجع، ليصبح عوداً طريّاً، نتمكّن من إمساكه والتحكّم به دون أن نقع فريسته.

في الضيعة والمحيط، يقولون “هيداك المرض”، أو “بعيد من هون (هنا)” أو “المهجور”، أو “كانسر”، يستعينون باللغة الأجنبيّة وكأنّهم لا يريدون تعريفه باسمه العَلَم. لطالما فكّرت في سبب عدم التصريح بتسميته، وتجهيله أو نعته بالمرض المشؤوم. مع مرور الأعوام، أدركت أنّهم يخشون مناداته خوفاً من قدومه إليهم، وهذه الخشية بدورها تولّد خوفاً أكبر عند من يصابون به، تجعلهم ينهزمون في مواجهته.

كانت مريم تقول لي: “ما تخبّريني ما بدّي أعرف شو قال الحكيم”. كنت أحترم رغبتها، وإلى اليوم لا تزال تمتنع عن الحديث عن تلك الفترة المضنية، وتكتفي بالقول: “الحمدالله خلصت، لا أريد أن أتذكّر”. على عكسها، نسجت معه علاقة ودّية. كنت على يقين بأنّ الخوف منه سيجعلني أفقد الأمل. كنت أسمّيه باسمه كما هو، على الرغم من أنّني أحياناً أنعته بـ”الكانسر”. لا أعرف السبب، أو بصراحة متناهية، أخافه في بعض اللحظات.

أردت أن أهزمه مع مريم وننظر في عينيه بشجاعة ريفيّة فطريّة، لذا أكتب اليوم عن السرطان.

ما لا تهزمه خصلات الشعر

حاربت مريم بشراسة مقاتل الساموراي، كفدائيّة تسلّحت بعشق الحياة وأشهرت سيف أنوثتها القويّة لتنتصر. لم تنهزم حين تساقط شعرها، ونحل جسمها، وبدأت تستخدم النظّارات، وحتّى حين خضعت لجلسات العلاج الكيميائيّ. كانت تتأنّق لكلّ جلسة علاج: “بدّي كون حلوة لإهزم البشاعة”، كانت تقول. بكت مريم فقط عندما فتحت الكاميرا لتُريني أولى خصلات شعرها الصغيرة التي أعلنت انتصارها على السرطان.

لم تكن تلك السنوات سهلة عليّ. عندما يصاب الشخص، لا ينهشه السرطان بمفرده، إنّما ينهش من يحبّونه من أهله ورفاقه، لهم منه حصّة الأسد، يتلوّون وجعاً لوجعه كلّ دقيقة. لا تمضي الليالي الطويلة بسهولة، النوم يجافي عيونهم خوفاً على حياة مهجة روحهم. كلّ نفس مؤلم يخرج من صدر من يحبّون ينغرس كطعنة سكّين في صدورهم. طواحين الهواجس تقضّ مضاجعهم، في البحث عن موارد مادّيّة لا تنتهي السبل لتأمينها من قريب أو بعيد، من مصادر لا تخطر على البال، لكنّها تأتي دوماً في وقتها.

لا زلت أتذكّر تلك الليلة حين انقطعت السبل أمامي، وقفت على سجّادة الصلاة في حديقة المنزل، شعرت بعجز الكون، كانت روحي تئنّ من الخوف، نظرت إلى السماء، رأيت النجوم مزدحمة، كما كانت عندما كنت صغيرة. طلبت بقلب طفلة من الله أن يُخلّص مريم ويُخلّصني، بنجاتها وتأمين كلفة العلاج بأيّ طريقة ممكنة.

وهكذا كانت… نجت مريم ونجوت.

ندوب السرطان

لم يعد السرطان بالنسبة إليّ حدثاً أو مرضاً عاديّاً. أشعر اليوم بأنّ لي علاقة وطيدة مع كلّ من يحاربه. حالما أعرف عن أيّ شخص أو قريب له يحارب السرطان، على الفور أشعر بأنّ بيننا ما هو أكبر من مجرّد تجربة متشابهة، أشعر بأنّ هناك رابطاً خفيّاً وثيقاً بيننا. في كثير من الأحيان، أقمع نفسي من كثرة التواصل معه، وكأنّني ألعب الدور ذاته الذي كنت ألجأ إليره مع مريم، حيث كنت أحادثها بعدد الدقائق، وكأنّني أريد أن أسبقه إليها.

نتذكّر محاربات ومحاربي السرطان شهراً في السنة، لكنّ ندوبه تبقى معنا طوال العمر. ومع ذلك، لا تزال للحلم بقيّة، فهناك كثير من السبل لا تزال تنتظر خطواتنا لنبصر معها النور يوماً، على رغم الألم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى