إستديوهات النبطيّة الفوتوغرافيّة بوصلة الذاكرة أرشيفها إلى ضياع

للإستديوهات في النبطيّة روايات هي أقرب إلى حكاية المدينة برمّتها، موثَّقة بالعين التي لا تخطئ، يوم كان المشهد على سجيّته، من دون معالجة بالفوتوشوب أو برامج الذكاء الاصطناعيّ، بل شكّلت بوصلة المدينة نحو تاريخها العريق وذاكرتها، منذ أن استطاعت العدسة الملمّةُ الوصول إليها، لتحطّ في أحد دكاكينها التراثيّة بامتياز، فتوثّق بالأسود والأبيض ابتسامات الناس أو حتّى عبوسهم وهم يتوجّلون من الوقوف أمام الكاميرا، هذه الآلة التي باتت تنسخ وجوههم مثلما هي، على حقيقتها في تلك اللحظة، لتعلّق لاحقاً على صفحات الجدران أو في طيّ الألبومات بما تحمله من عبق الذكرى ووفاء للآباء والجدود، وتلاحم الأسرة في صورة بما لا يدعو إلى الشك بين الواقع والخيال.

مع الأسف الشديد، لم تبرز في القرن الماضي، بين وسطه وآخره، قبل بداية الألفيّة الثانية، دراسات أكّاديميّة أو إحصاءات ما لإرث المصوّرين الأوائل ممّن عبروا في حياة المدينة ووثّقوا لها، وما يحمله هذا الإرث من أرصدة تدلّل مباشرة إلى تاريخ وسير صانعي هذه اللقطات التي نسخت فوق ورقها الناعم أو المموّه والمنقوش (Embossed Paper) دلائل الزمن الجميل والعتيق من أزمنة عاصمة جبل عامل التي كانت أسواقها قد انفتحت باكراً على الحرف اليدويّة بمختلف قطاعاتها ومنها التصوير الفوتوغرافيّ.

ولادة أوّل إستديو فوتوغرافيّ

صحيح أنّ هذه الحرفة لم تضمّ في بداياتها وبين أركانها محترفين متأصّلين من جذور المدينة أو جوارها، لسبب أنّ الصنعة أيضاً لم تكن مطلع القرن العشرين وقبل الحرب العالميّة الأولى قد انتشرت على المستوى الوطنيّ واقتصرت على العاصمة بيروت في حدّها الأقصى، لا سيّما مع وصول طلائع المصوّرين الأرمن ممّن كانوا يحترفون التصوير الفوتوغرافيّ ويجيدون إدارته عن ظهر قلب.

فنجد أن المصوّر “سركيس” على سبيل المثال، الأرمنيّ الجنسّيّة، قد وفد إلى المدينة بعد نزوح وهجرة الأرمن الكبرى إلى لبنان خلال فترة الحرب العالميّة الأولى والمجازر التي ارتكبت بحقّهم العام 1915، إذ وصل نحو 40 ألف أرمنيّ إلى البلاد هرباً من المذابح التي ارتكبتها الدولة العثمانيّة بحقّهم؛ وبرز سركيس كاسم وحيد فريد لم يكن له منافس في مجاله في تلك الحقبة، على مدى عقدين متتالين في الأقلّ، ليسجّل ولادة أوّل إستديو للتصوير الفوتوغرافيّ على مستوى النبطيّة والجنوب، ولو لم يكن داخل عمارة ما.

لكن وقبل الحرب العالميّة الثانية بين 1939 و1945 وفد إلى المدينة، عدا عن سركيس، مصوّران آخران هما عزيز عقل الذي كان اسمه معروفاً في ذلك الحين، والياس عقل الذي لم يُتداول اسمه كثيراً في ذاكرة التصوير الفوتوغرافيّ على مستوى النبطيّة؛ والمصوّران عقل تعود جذورهما إلى بلدة قيتولي قرب مدينة جزّين الجنوبيّة. ولم يطل بهما الأمر حتّى غادرا مع بدء إطلالة مصوّرين من أبناء المدينة والجوار وفي طليعتهم المصوّر ماهر غندور وشقيقه طارق. حملت الصور القديمة بعض تواقيع سركيس وعقل، لكنّ من اهتمّ لاحقاً بأرشيف المدينة نزع عن المصوّرين حقّهم في تواقيعهم على صورهم أو الإشارة إليها، وهي تمثّل المرحلة الأولى من أرشيف المدينة وذاكرتها على رغم إدراكه حقيقة من صوّر هذه اللقطة أو تلك.

سركيس وإستديو الشارع

لم يعرفه أحد بغير اسم سركيس، عاش في المدينة حتّى نهاية عمره ودفن قرب بيت قديم قطنه ردحاً من الزمن عند المدخل الشماليّ الغربيّ لمدينة النبطيّة، في أملاك تعود لآل الصبّوري (الخيّاط). تنسب إلى سركيس صورة تعود إلى العام 1927، وتمثّل فريق كرة القدم في مدرسة النبطيّة الابتدائيّة. وهي بمثابة دليل على أنّ سركيس وثّق خلال عقود قليلة الحياة الاجتماعيّة والأنشطة المدرسيّة والمدنيّة في النبطيّة حتّى أواخر الأربعينيّات أو أوسطها. يتذكّر معمّرون من أبناء النبطيّة وجود نقطة تصوير خاصّة به في جوار محطّة وقود صغيرة قديمة كانت في ساحة المدينة تعود لآل الصبّوري، أمام ضريح العالم حسن يوسف مكّي.

ويتذكّر مجايلوه كيف كان يضع عند الرصيف آلة التصوير الضخمة المعروفة بكاميرا المنفاخ الكبيرة (أو كاميرا الألواح/ الفورمات الكبيرLarge Format Camera  وهي أقدم نظم التصوير الفوتوغرافيّ وأكثرها دقّة، وتعتمد على استخدام ألواح فيلميّة فرديّة كبيرة تبدأ من حجم 4×5 بوصة (البوصة: 25.4 ملم) وتصل إلى 8×10 بوصة أو أكبر، بدلاً من لفافات الأفلام التقليديّة). ويلتقط صور الوجوه، بينهم تلامذة المرحلة الابتدائيّة المتقدّمين إلى شهادة “السرتفيكا” في تلك الآونة.

لم يقتصر أرشيف سركيس وصوره على أنشطة مدرسيّة واجتماعيّة وحسب، بل إنّه وثّق لقطات نادرة من عمر المدينة وبّورتريهات شخصيّات تاريخيّة كبيرة؛ من أبرزها بّورتريه نادر يعود إلى العام 1916 للمخترع العالم حسن كامل الصبّاح وهو يرتدي زيّ قائد كتيبة التلغراف التركيّ قبيل انتهاء العهد العثمانيّ. وله كذلك صورة لعائلة أحد تجّار النبطيّة من آل حجازي تعود إلى نحو العام 1923.

من أرشيف علي جابر
المرحلة الضائعة

تُعتبر عائلة عقل واحدة من العائلات التي أسّست ووثّقت لذاكرة التصوير الفوتوغرافيّ في لبنان خلال القرن العشرين. وعزيز عقل الذي تنسب إليه عديد من صور أبناء النبطيّة، وتحديداً صور البّورتريه الشخصيّة وتحمل توقيعه، هو مصوّر لبنانيّ شهير، يُعدّ من روّاد التصوير الفوتوغرافيّ في لبنان والعالم العربيّ، وقد أسّس استوديو التصوير الخاص به العام 1945  في ساحة الدبّاس وسط العاصمة اللبنانيّة بيروت.

اكتسب إستديو عزيز عقل في ساحة الدبّاس شهرة واسعة في منتصف القرن العشرين. وكان بمثابة مدرسة تخرّج وتعلّم فيها كبار المصوّرين اللبنانيين، حيث تلقّوا فيها أصول المهنة التاريخيّة، منها مهارات “الريتوش على النيجاتيف” باستخدام أقلام رصاص دقيقة للغاية قبل أن تحلّ محلّها التقنيّات الحديثة.

هذا الأمر يعزّز فكرة أنّ المصوّرين عقل لم يؤسّسا في مدينة النبطيّة إستديوهات خاصّة بهما أو ثابتة، بل وفدا إليها بين عقديّ الثلاثينيّات والأربعينيّات، وعلى الأرجح عزيز عقل، في مناسبات محدّدة أو معيّنة بناء على طلب من أبناء المدينة خلال تشييع شخصيّات بارزة أو مهرجانات عامّة، على نحو تشييع الراحل الكبير حسن كامل الصباح في العام 1935.

وهناك صورة متداولة في النبطيّة للعالم الصبّاح جثماناً مكشوفاً داخل نعشه المفتوح قبل دفنه يقف عند طرفيه اثنان من أبناء عمومته، لكن لا إشارة فيها أو عليها للمصوّر الذي التقطها. أمّا الصور الفوتوغرافيّة التي كانت تحمل اسم عزيز عقل، فمن الأرجح أنّ أصحابها قصدوا العاصمة بيروت كي يتصوّروا في إستديو عقل الشهير.

اشتباك بين الأرشيف والصور

وتفيد معلومات متداولة أنّ ثمة صوراً تاريخيّة وقليلة لكنّها مهمّة جدّاً لأبناء النبطيّة تحمل توقيع المصوّر الراحل عزيز عقل وتوثّق لبدايات الحياة التعليميّة والاجتماعيّة في النبطيّة، في النصف الأوّل من القرن العشرين، من أبرزها صورة تلامذة المدرسة الابتدائيّة في النبطيّة العام 1936، يظهر فيها التلامذة محاطين بمديرهم عبد اللطيف فيّاض واستاذهم حبيب طه والشيخ صالح عواضة. تكمن أهمّيّة هذه الصور في كونها توثّق الذاكرة الجمعيّة للمدينة، وملامح وجوه جيل النخبة الأوّل من أبنائها، وتاريخ تطوّر التعليم في المنطقة، ما يجعل كلّ لقطة من أرشيفه تحمل قيمة تاريخيّة بالغة للأهالي والباحثين.

لعبت مسألة عدم اهتمام المصوّرين الأوائل في النبطيّة بدمغ تواقيعهم أو أسمائهم على لقطاتهم الخاصّة أو العامّة، وتحديداً العامّة، في “اشتباك” بين أرشيفات هؤلاء المصوّرين وصورهم، فيتداخل إرث سركيس البصريّ مع لقطات متناثرة تعود إلى مصوّرين محلّيّين لحقوا به أو عاصروه مثل ماهر غندور وربّما عزير عقل وبعدهما جميل حنقير ورامز حوماني وحسن طفيلي وجميعهم من أصحاب الإستديوهات في النبطيّة.

وهناك مجموعات توثيقيّة مختلفة محفوظة لدى عائلات المنطقة أو متناثرة هنا وهناك، بينها أرشيف عائلة سعيد شاهين وولديه الوزيرين والنائبين السابقين الراحلين غالب وفهمي شاهين، ورئيس البلديّة الأسبق الراحل أحمد عبد الهادي الصبّاغ، والمربّي الراحل حبيب جابر وصديقه حسن الصيداوي (أبو عامر) شقيق الأديب الراحل جواد صيداوي، إلى أرشيف فؤاد حجعلي وآل شمس وغيرهم لا يعرف مصوّروها أو إذا كانت بعيون المصوّرين الأوائل أو عدسات بيتيّة خاصّة تنمّ عن مهارة لدى أصحابها.

من باع الذاكرة الورقيّة؟

هنا تسجّل سلبيّة تجاه من استخدم هذا الأرشيف المتداخل في صناعة بعض الكتب التي تجاهلت حياتهم ومهنتم وهم أصحاب الرصيد الأوّل الذي تشكّلت منه هذه الكتب، في وقت كان يمكن سبر غورهم من خلال كبار السنّ والمعاصرين، وكان ذلك ممكناً، وتحديداً قبل العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة، بين منتصف السبعينيّات من القرن الماضي ومنتصف العشرينيّات من القرن الحالي.

احتوت مجموعة من الكتب التي صدرت بالأسود والأبيض عن ذاكرة النبطيّة صفوة أعمال الروّاد الأوائل من مصوّري النبطيّة، من مرحلة العشرينيّات إلى نهاية القرن العشرين، لكنّ هذه الكتب وصانعيها تجاهلوا توثيق أسماء المصوّرين تحت كلّ صورة معروفة لهذا أو ذاك، حفظاً لحقوقهم وامتناناً لإنجازاتهم الثمينة، وفضلهم على المدينة في صناعة إرثها المصوّر، وكي تكون وثيقة دامغة للأجيال المقبلة.

ويؤكّد عديد من أبناء النبطيّة، أنّ من استحوذ على مجموعات كبيرة من أرشيف الصور تحت عنوان جمعها وطباعتها في كتب للدلالة على تاريخ المدينة وأحداثها، راح بعدها وباعها إلى إحدى المؤسّسات الجامعيّة في العاصمة بيروت، وتحديداً الجامعة الأميركيّة في بيروت، بثمن بخس وهي تعدّ بالمئات.

إستديو ماهر غندور

بحلول الحرب الأهليّة في لبنان العام 1975 اضطّر المصوّر ماهر غندور إلى مغادرة البلاد نحو الولايات المتّحدة الأميركيّة، تاركاً خلفه إستديو مشرّعاً على الفوضى والزوال بعد أكثر من 35 عاماً من التصوير الفوتوغرافيّ الذي صنع للمدينة ذاكرتها الحيّة، وبفضله استمرّت كذلك. تعلّم صاحبنا التصوير الفوتوغرافيّ قبل بلوغه العشرين، وكان رسّاماً بالفطرة، ما ساعده في فتح إستوديو في مدينة النبطيّة باسم “استوديو ماهر”، وأتاح له التعرّف على أبناء جيله وأبنائهم، لا سيّما الشيوعيّين منهم.

تنقّل في أكثر من مكان في المدينة، ثمّ استأجر في بداية انطلاقته لدى طبيب الأسنان محمّد صبّاح، ثمّ انتقل لاحقًا إلى مكان مجاور في مبناه الخاصّ عند التخوم الشماليّة الشرقيّة لحيّ السراي، في مبنى أقرب إلى حيّ التعمير. كان في تلك الفترة من أمهر المصوّرين في النبطيّة وأهمّهم، وعلى يديه تدرّب عدد كبير من الشبّان المصوّرين قبل أن يفرّخوا استوديوهات خاصّة بهم بعد مغادرته النبطيّة ولبنان.

ضاعت صور الفنّان غندور بين استوديو ترك فيه معدّاته وأدواته وكثيرًا من أرشيفه، لم يُعرف من استحوذ عليها أو خبّأها لاحقًا، أو مجموعة من صور كان يملكها شقيقه المربّي، والفنّان التشكيليّ هو الآخر، طارق علي جواد غندور “استعارها منه أحد الموثّقين لتراث النبطيّة على أمل أن يعيدها إليه ولم يرجعها، بل استخدمها في أكثر من استثمار من دون أن يشير إلى صاحبها ومصوّرها الذي أسس ذاكرة النبطية المدينيّة المصوّرة من خلال حياة الشارع فيها. رحل غندور عن 62 عاماً خلال الـ21 من أيلول (سبتمبر) العام 1983 وووري في مقبرة خاصّة في كاليفورنيا.

الأديب حبيب جابر بتوقيع ماهر غندور
إستديو جميل حنقير

في خلال تربّع ماهر غندور على عرش التصوير في النبطيّة برز المصوّر جميل منيف حنقير المولود (1936) في عاصمة القضاء آنذاك قبل أن يبلغ الثامنة عشرة، فحمل كاميرته ودار يصوّر في المدينة وأحيائها قبل أن يفتتح إستديو خاصّاً به نحو العام 1952 قرب نصب العالم حسن كامل الصبّاح عند المدخل الشماليّ للمدينة، ثمّ بعدها قرب الساحة العامّة تحت تسمية “إستديو الجمال” بداية ولاحقاً “إستديو جميل”.

تقول ابنته هناء التي تعلّمت على يديه فنّ التصوير والتحميض والطباعة إنّه “اكتسب من المصوّر سركيس كثيراً من فنون المهنة، وكان يزوره باستمرار ويتدرّب على يديه، ثمّ طوّر نفسه بنفسه قبل أن يفتتح إستديو خاصّاً به. وعلى يديه تعلّم عمّي علي حنقير ثمّ حمزة فرحات وكثيرون آخرون”.

غطّى استديو جميل حنقير حيّزاً واسعاً من ذاكرة المدينة لا سيّما في مرحلة غليانها الثقافيّ والتربويّ والاجتماعيّ وحراكها السياسيّ، منها نشاطات المسارح منذ انطلاقتها إلى مناسبات الفرح والحزن واللقاءات والحفلات المدرسيّة والتربويّة والخطوبة والزواج وترك أرشيفاً ضخماً عن حياة النبطيّة خلال ستّة عقود بعدما اعتزل نحو العام 2014، وقبل رحيله خلال الـ21 من أيّار (مايو) 2016 عن 80 عاماً.

تقول هناء عن أرشيف والدها والعائلة: “لقد وثق أبي بأحد المهتمّين في جمع أرشيف النبطيّة وإصداره في كتب عن ذاكرة المدينة، فأعاره الصور والنيكاتيف، لكنّه فوجئ بأنّ اسمه أزيل عن صوره التي التقطها على مدى أكثر من ستّة عقود، وقد طالبنا من استحوذ على أرشيف والدي مرّات كثيرة بأن يعيده إلينا بيد أنّه نفى أن يكون لديه، وبذلك ضاع أرشف أبي ولم يبقَ لدينا غير صور عائليّة”.

إستديو رامز حوماني

هو رامز شبيب حوماني ابن المدينة (مواليد 1937)، انتقل في عمر المراهقة إلى منطقة برج حمّود في ناحية بيروت الشرقيّة، حيث تنتشر إستديوهات المصوّرين الأرمن، فتتلمذ على يديهم وعشق المهنة إضافة إلى هوايته النامية في الرسم والتلوين. سافر مدّة إلى الكويت وهو في الثامنة عشرة، ومن هناك راسل إحدى الأكّاديميّات في بريطانيا المتخصّصة بفنّ التصوير الفوتوغرافيّ.

بعدها عاد إلى النبطيّة فافتتح نحو العام 1958 إستديو خاصّاً به تحت اسم “إستديو رامز” قريب من مدرسة الزهراء التابعة لجمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في النبطيّة، وتحديداً في بناء يقع فوق مطحنة تعرف صاحبته بـ”سكنة البابّور” في محلّة “بير القنديل” قبل أن ينتقل إلى وسط السوق قبالة “سينما ريفولي” ويفتتح إستديو رامز الشهير الذي بقي يعمل طوال 70 عاماً.

في حرب 2026 لحق بالإستديو دمار واسع قضى على معظم أرشيف صاحبه وبخاصّة أرشيف الأبيض والأسود وصور الكاميرات الأولى التي اشتغل عليها حوماني قبل دخول التكنولوجيا من بابها الواسع، والتي مهّدت الطريق أمامه لعصر ذهبيّ من تاريخ المدينة مع التصوير الفوتوغرافيّ؛ وكان من الأسماء اللامعة جداً ليس على مستوى المدينة وحسب، بل في منطقة النبطيّة برمّتها، ومعلماً من معالمها.

يدير الإستديو حالياً ومنفرداً بعد وفاة صاحبه المؤسّس رامز حوماني خلال الـ16 من آب (أغسطس) 2021 ابنه حيدر حوماني الذي عمل في الإستديو إلى جانب والده أكثر من ثلاثة عقود. يقول: “تتلمذ على يد والدي معظم المصوّرين ممّن افتتحوا لاحقاً إستديوهات خاصّة بهم في وسط النبطيّة ومنهم أنا وشقيقي عصام قبل أن يعتزل التصوير، ورباح شريفة وسلمان وهبي وحسن الأخرس وأحمد نحلة وحسن صباح ‘بو حسّون‘ وغيرهم”.

تظاهرة بالنبطية من شرفة إستديو رامز 1972
إستديو أيوب

في العام 1964، تقاعد عبدالرضا أيّوب (مواليد 1924) من قوى الأمن الداخلي وانتقل إلى النبطيّة ليؤسّس بين 1975 و1966 “إستديو أيّوب” في شقّة مستأجرة كانت سابقاً مقرّاً للأمن العام الفرنسيّ قبل استقلال لبنان 1943.

تقول ابنته ماجدة أيّوب دقماق: “لقد أمّنت هذه المهنة لوالدي إلى جانب راتبه التقاعديّ بحبوحة ماليّة، وعلاقات واسعة بعدما أثبت من خلال جدارته في التصوير والتلوين وحتّى في الرسم حضوره في كثير من بيوتات النبطيّة وكفرتبنيت والمنطقة، عبر صوره المعلّقة على جدران أصحابها. وتضيف “تتلمذ على يديّ والدي عدد من المصوّرين في النبطيّة، منهم: رباح شريفة، وحمزة فرحات، وحسين بُشر وشقيقي نزيه الذي اشتغل معه مدّة من الوقت لكنّه هاجر إلى أفريقيا وكان لمّا يزل صغيراً دون العشرين”.

حملت مجموعة كبيرة من بوتريهات النبطيّة وجوارها توقيع اسم “نزيه” فقط، كان هذا التوقيع لنزيه عبدالرضا أيوب، الذي رافق والده في أعماله وتعلّم المهنة وأتقنها وبخاصّة بين 1971 و1974، إذ كان يومها لم يزل طالباً في ثانويّة الصبّاح الرسميّة وبين الـ15 والـ18 من عمره. لكن لم يطل الأمر وسافر نزيه إلى أفريقيا “حيث كان المستقبل مضموناً أكثر، لكنّني أحببت هذه الحرفة وأتقنتها ولولا همّ البحث عن مستقبل أفضل لما تركتها”.

تعلّم نزيه من والده فنّ الريتوش والتصوير وتكبير الصور وتلوينها “كان أبي رساماً ناجحاً بالدرجة الأولى، قبل مهنة التصوير، وكانت لديه أعمال كثيرة وجميلة، بأقلام الرصاص وبالألوان المختلفة. ذات مرّة رسم السيدة مريم العذراء بالرصاص وراقبته وهو يتفنّن في إبداعه، وعشقت هذه اللوحة كثيراً”.

يتذكّر الحاج نزيه أن ّوالده أقفل الإستديو بين 1984 و1985، إذ بدأت تظهر عليه عوارض التعب، فضمّن الإستديو لحمزة فرحات، وكان يعمل لديه وتعلّم على يديه، وسبقه مع إبي منذ مطلع السبعينيّات رباح شريفة قبل أن ينتقل للعمل لدى رامز حوماني. بعدها أقفل الإستديو وانتقل حمزة لمحلّ في أسفل المبنى أطلق عليه تسمية إستديو حمزة.

يشير نزيه إلى أنّ والده تعلّم الحرفة لدى المصوّر الشهير والمعروف في بيروت المصوّر عادل. “كان أبي تربطه صداقة معه وصار يتردّد لعنده في ‘استوديو عادل‘ في محلّة رياض الصلح، هناك تعلّم أصول التصوير والتحميض والطباعة، ولأنّه كان رسّاماً بالفطرة نجح في هذه المهنة”.

تفاقمت حال عبدالرضا أيوب بالمرض الخبيث في العام 1987، فلازم بيته والأطبّاء، لكنّ المرض لم يمهله كثيراً فرحل خلال الـ18 من كانون الثاني (يناير) 1988 عن 64 عاماً. لكنّ أرشيفه المصوّر والنيكاتيف بقي محفوظاً لدى ابنه نزيه قبل أن تدمره الحروب وما تعرضت له كفرتبنيت حيث يقع منزل العائلة أكثر من مرّة، حتّى كان التدمير الأخير وهو منهجيّ شبه شامل.

إستديوهات الجيلين الثاني والثالث

في هذه المرحلة، بين منتصف الستينيّات ومطلع السبعينيّات وأواسط الثمانينيّات انتشرت إستديوهات التصوير للجيل الثاني أو الثالث بشكل لافت، لكنّه لم يتخطّ تعداد أصابع الكفّين.

قبل حلول السبعينيّات افتتح علي منيف حنقير (توفي خلال الـ17 من كانون الأوّل/ ديسّمبر 2020) شقيق جميل الذي تتلمذ على يديه إستديو “فوتوسكوب” وتحوّل الاسم لاحقاً إلى “فوتوسكوب كولور” مع دخول عصر الصور الملوّنة، في المبنى الذي تقع فيه شركة مياه نبع الطاسة في نزلة الديماسي. وافتتح عبدالرضا أيّوب من كفرتبنيت إستديو “أيّوب” في المبنى السابق للأمن العام الفرنسيّ على رأس نزلة الديماسيّ قرب الساحة العامّة في النبطيّة، إلى “إستديو فهد” نحو العام 1978؛ ثمّ كان إستديو رباح لصاحبه رباح شريفة (توفي خلال الـ18 من كانون الأول 2025) قرب إستديو رامز وسينما ريفولي.

و”إستديو مايا” للمصوّرين سلمان وهبي وحسن الأخرس تلميذي رامز حوماني في طلعة حي الميدان فوق “سينما كابّيتول” القريبة من الساحة العامّة. وإستديو حمزة في نزل الديماس قبالة متجر الحلويات الشهير الذي كنّيت النزلة باسمه، لصاحبه حمزة فرحات من كفرّرمان (استشهد في الخامس من آذار، مارس 2026 في غارة إسرائيلية على بلدته كفررمان فيما دمّرت ثلاثة حروب في 2006 و2024 و2026 هذا الإستديو في النبطيّة) فرحات تنقّل قبلها بين إستديو أيّوب وإستديو حنقير واشتغل مدّة من الوقت في منزل ذويه في كفرّرمان. وفي أواسط الثمانينيّات افتتح خليل داود من الدوير إستديو العرائس وسط الساحة العامة للمدينة فوق محطّة الصبّوري القديمة، ولم يطل به الأمر وأغلق مع رحيل صاحبه، كذلك افتتح طارق الرضي إستديو الرضي الخاص به.

صبحي جابر والد الزميل كامل بتوقيع فوتو سكوب
إستديو فهد والجيل الثالث

لم يأتِ عبدالله فهد (73 عاماً) إلى عالم إستديوهات التصوير عن سابق معرفة وتدريب أو حلم قديم، بل “اشتغلت بداية في صيدليّة، ثمّ سافرت إلى إفريقيا وكان شقيقي أحمد (توفي خلال الـ17 من أيار 2022) يتعلّم في بلغاريا تصليح الكاميرات ومعدّات التصوير. عدت أنا من أفريقيا وأتى هو من بلغاريا، وبدأنا نشتغل سويّة، أسّسنا هذه المصلحة، التصوير الفوتوغرافيّ وتصليح معدّات وآلات التصوير تحت مسمّى ‘إستديو فهد‘ كان هذا في العام 1978 (عام الاجتياح وعمليّة الليطاني) وكانت المدينة تعجّ بالمنظّمات الفلسطينيّة التي ترفع راية قتال إسرائيل والحرب تدور هنا وهناك”.

ويضيف فهد “يوم أتينا كانت هناك إستديوهات عديدة منها: رامز حوماني وجميل حنقير وشقيقه علي حنقير وأيّوب ثمّ إستديو العرايس لخليل داوود. وكان حسن طفيلي يشتغل لدى ماهر غندور واستمرّ إلى العام 1976، ثمّ ترك الإستديو وافتتح إستديو له قرب إستديو أيّوب بمحاذاة الساحة العامّة، لكنّه رحل في مقتبل العمر.

في أواخر الـ1979 سافرت مجدّداً إلى أفريقيا وتركت أخي أحمد هنا، ثمّ عدت في العام 1983 بعد الاجتياح الإسرائيليّ، ووجدت حمزة فرحات قد أنشأ إستديو قريباً منّا. صوّرنا أنا وأخي كثيراً من الوجوه، وبخاصّة أنّ محترفنا يقع وسط السوق التجاريّة وفي الساحة التي تقام فيها سوق الإثنين من كلّ أسبوع. في فترة الحرب كنّا نداوم بتقطّع، إذ كانت ساحة النبطيّة تخلو من روّادها نحو الحادية عشرة قبل الظهر”.

انتهى عهد الأصالة

ترك عبدالله فهد أرشيفه لدى شقيقه أحمد يوم قسّما الإستديو إلى إستديوهين، قبل أن يتقاعدا نحو العام 2020.

يقول: “الأرشيف أنا تركته في المحل وربّما ضاع، بعدها سلّمنا الشباب من أبنائنا، أنا سلّمت ابني جاد وأخي سلّم ابنه حسام. نحن بدأنا بأفلام الأسود والأبيض وبخاصّة صور الباسبور وكانت لم تزل بتقنيّة الأسود والأبيض. آلة التصوير الكبيرة لم تزل لديّ وكذلك ماكينة الطباعة، وكنّا نحمّض أفلام صحافيّي النبطيّة والمنطقة غير الملوّنة”.

ويؤكّد أنّه “لم تكن هناك منافسة تذكر بين إستديوهات النبطيّة ومصوّريها، “فلكل واحد زبائنه وروّاده ورزقه، يوم بدأنا كانت صور الباسبور بثلاث ليرات ثمّ ارتفعت إلى خمس ليرات”.

في تلك الفترة وبحسب عبدالله فهد “كانت الصور على طبيعتها، وما كنّا نستخدمه من فلاتر كان من متمّمات عدّة التصوير ولا علاقة له بالتعديلات اللاحقة، أيّ إنّ الفوتوشوب كان في العدسة. اليوم انتهى عهد الأصالة في صناعة الصورة، من التصوير إلى الطباعة والتكبير، وإلى الحرفيّة التي كانت تسبق افتتاح أيّ إستديو خاصّ. أمّا التكنولوجيا فقد شوّهت التصوير برمّته ولم تعد الوجوه على حقيقتها، صارت وكأنّها مصنوعة من البلاستيك، ولم يعد المصوّرون بحاجة إلى تعلّم الحرفة سنوات وسنوات، يكفي أن يتقنوا إدارة الكاميرا وهي تتكفّل في الباقي، ثمّ يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليصنع كلّ شيء”.

من الألف إلى الياء

يروي المصوّر سلمان وهبي صاحب “إستديو مايا” أنّه “في العام 1976 اخترت عطلة الصيف كي أقصد برج حمود للعمل هناك، لكنّ الحرب أخذت تزداد ضراوة، ووسط إصرار أهلي عدت إلى النبطيّة بعد ثلاثة أشهر والتحقت فوراً بإستديو رامز؛ كنت في حينه ببداية المرحلة الثانويّة. لم أكن وحدي أتدرّب لديه، فكان ثمّة أربعة موظفين آخرين في الأقلّ. عنده تعلّمنا كلّ شيء: تحميض الأفلام والنيكاتيف على أنواعه، تظهير وطباعة، تصوير حفلات وأعراس ومناسبات وإلى آخره. في ذلك الحين كان الأسود والأبيض يقترب من نهايته، وبدأت مرحلة التصوير الملوّن، فصرنا نطبع ونكبر الصور الملونة بداية في العاصمة بيروت، ثمّ في صيدا ولاحقاً في النبطيّة مع تطور ماكينات الطباعة الملونة”.

ويضيف وهبي “لم أنتسب إلى المهنة عن سابق رغبة وعشق، بل كان همّي الأوّل كيف أعمل وأنتج مادّيّاً كي أساعد أهلي في مصاريف عشرة أبناء. بقيت عند رامز من تموز (يونيو) 1976 وحتّى العام 1979، حينما بدأت النبطيّة تتعرّض للقصف المستمرّ، فانتقلت إلى بلدة جباع التي نزح إليها كثيرون من سكّان النبطيّة وأسّست فيها إستديو تصوير بناء على نصيحة أحد الأصدقاء؛ وكان موسم طلّاب ومدارس وامتحانات وشهادات متوسّطة وثانوية، وقال الكريم خذ”.

ويوضح وهبي أنّ “زبائن النبطيّة ومنطقة إقليم التفاح بأكملها صار تقصدني في جباع. لكنّ رامز لم يتخلّ عنّي، فصرت أقصد النبطيّة صباح كلّ يوم كي اساعده ثمّ أعود إلى جباع قبل حلول الظهيرة. وكان يكلّفني رامز بمهامّ كثيرة منها الذهاب إلى العاصمة بيروت لشراء الأفلام والبراويز وما يحتاج الإستديو من تجهيزات”.

الحرب تطحن وثائق الذاكرة

في النبطيّة فتح سلمان وهبي وزميله حسن الأخرس (الدبّور) إستديو تصوير خاصّ بهما وأسمياه “إستديو مايا” كان ذلك بعد الانسحاب الإسرائيليّ من المدينة ومنطقتها في العام 1985 فحلّا في الطبقة الأولى من عمارة سعيد الزيّون فرّان. لمعت شهرة الإستديو وصار معروفاً، وكانت النبطيّة وما تشكّله من وسط إداريّ وسياسيّ واقتصاديّ تستطيع أن تؤمّن لجميع هذه الإستديوهات الاستمراريّة والارتزاق.

​في حرب تمّوز 2006 دكّت غارة إسرائيليّة مبنى فرّان قرب حيّ الميدان، وأدّى ذلك إلى تدمير إستديو مايا بما يحتويه من أرشيف وصور وأفلام فيديو لمناسبات كثيرة في النبطيّة ومنطقتها. ما لبث وهبي وفتح إستديو مايا من جديد في أسفل المبنى عينه بعد تشييده من جديد، بيد أنّه هدم مع الإستديو في حرب الـ66 يوماً العام 2024.

بعدها انتقل وهبي إلى البناية السابقة التي كان يمتلكها ماهر غندور قرب المدرسة الإنجيليّة الوطنيّة في النبطيّة وأسّس إستديو هناك، لكنّ غارة حصلت على العمارة دمّرت معظمها مع الإستديو. وفي كلّ مرة كان وهبي يبدأ من جديد، فيما لم تبقِ له هذه الحروب شيئاً من أرشيفه وأفلامه وجميع التجهيزات والمعدّات والذكريات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى