خارج القسط عن الكلف الأخرى للتعليم الجامعيّ في لبنان

عندما نتحدّث عن كلف التحصيل العلميّ الجامعيّ في لبنان، نبدأ في معظم الأحيان من القسط وننتهي عنده، وغالباً ما ننسى أنّ القسط هو الجزء الظاهر فقط من معادلة “فاتورة التعليم”، إذ لا تقتصر المدفوعات التي يتكبّدها الطالب على القسط فقط، إنّما تمتدّ إلى مصاريف أخرى متناثرة تشكّل أعباءً لا تقلّ عن قيمة القسط نفسه، وتتنوّع بين أجور انتقال وطباعة أوراق وأجهزة ومعدّات وبرامج وغيرها.

هذه المصاريف المتفرّقة التي تحجبها قيمة القسط، تفرض نفسها يوميّاً على الطالب وعائلته طوال العام الدراسيّ، فما هي الكلف الحقيقيّة للتعليم الجامعيّ في لبنان؟

من بشرّي إلى بعبدا

هذه المعادلة تظهر بوضوح في حال سينتيا (22 عاماً)، الطالبة ابنة بشرّي التي اختارت أن تتابع تعليمها العالي في جامعة بمنطقة بعبدا. قرّرت سينتيا في الفصل الأوّل من السنة الدراسيّة 2026/2027 ألّا تستأجر سكناً مشتركاً في بيروت أو في محيط الجامعة، وذلك خوفاً من الوضع الأمنيّ المتدهور ومن اندلاع الحرب من جديد، إضافة إلى رغبة أهلها بأن تبقى في بشرّي خلال هذه الفترة وتعود إلى منزلها آمنة في كلّ يوم.

لكنّ قرار سينتيا الانتقال يوميّاً من منزلها في بشرّي إلى جامعتها في بعبدا رتّب عليها أعباءً مادّيّة وجسديّة كبيرة. تصل سينتيا إلى بشرّي مرهقة، بعد رحلة شاقّة تستمرّ نحو ستّ ساعات يوميّاً على الطريق ذهاباً وإيّاباً.

لذا تبدأ فاتورة التعليم من الطريق نفسه، من بشرّي إلى الدورة (ضاحية بيروت الشرقيّة)، تدفع سينتيا نحو 500 ألف ليرة، ومن الدورة إلى بعبدا 150 ألفاً، هذا إذا اختارت الباص الرقم 22. ومع هذه الأرقام تصبح المعادلة على النحو الآتي: 650 ألف ليرة بدل انتقال في الاتّجاه الواحد، ومليون و300 ألف ليرة ذهاباً وإيّاباً يوميّاً. وباحتساب نحو 20 يوماً تعليميّاً في الشهر، تصل كلفة المواصلات إلى قرابة 26 مليون ليرة شهريّاً، أيّ ما يعادل 290 دولاراً، و234 مليون ليرة لبنانيّة خلال تسعة أشهر.

المواصلات ليست وحدها الكلفة

وفي ظلّ هزالة النقل العام في لبنان وضعفه وغيابه عن مناطق كثيرة، وفي ظلّ غياب التقديمات الواجب على الدولة تأمينها للطالب الجامعيّ، فإنّ المواصلات لا تشكّل وحدها المصروف الذي يتكبّده الطالب يوميّاً، فهناك كلف أخرى تتمثّل بالطعام والمشروبات. تقول سينتيا لـ”مناطق نت” إنّ كلفتهما تقدّر بنحو 900 ألف ليرة يوميّاً أيّ نحو عشرة دولارات، ثمّ تأتي مصاريف قد تبدو صغيرة، لكنّها متراكمة مع الوقت، مثل طباعة الأوراق والملفّات، والقرطاسيّة، وباقة الإنترنت، وأحياناً الاشتراكات في برامج يحتاج إليها الطالب في دراسته.

الطباعة بالذات، والتي كانت مصروفاً صغيراً لا يحتسبه الطالب، باتت اليوم “همّاً لبعض الطلاب، فثمن الورقة المطبوعة بالأبيض والأسود بحسب ما تدفعه سينتيا، يتراوح بين 15 و20 ألف ليرة، ما يعني أنّ مجموعة محاضرات مطبوعة من 20 ورقة لكلّ محاضرة يمكن أن تضيف مبلغاً ملحوظاً إلى المصاريف الشهريّة. وباحتساب هذه المصاريف اليوميّة التي سمّيناها سابقاً، قد تصل الكلفة إلى نحو 242 مليون ليرة خلال الأشهر التسعة الدراسيّة، أيّ ما يقارب 2700 دولار أميركيّ.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الأرقام ليست واحدة ولا تسري على جميع الطلاب في مختلف الجامعات، بل تتفاوت بين طالب وآخر وجامعة وأخرى، وذلك تبعاً لمكان السكن، ووسيلة النقل، وعدد أيّام الحضور، والاختصاص ومتطلّباته.

المشكلة ليست بالكلفة، إنّما بوجود النقل المشترك. الباصات ليست متاحة في جميع المناطق اللبنانيّة.

100 طالب بين الشمال وبيروت

على رغم ذلك، فإنّ حال سينتيا ليست استثنائيّة من حيث كلفة التنقّل. يقول روني زينة، صاحب “نقليّات أسطفان”، إنّ أجرة النقل تختلف مع اختلاف نقطة الانطلاق والمسافة. ويوضح لـ”مناطق نت” أنّ الطالب الذي ينطلق من بشرّي إلى الدورة يدفع نحو 500 ألف ليرة، بينما تبلغ الكلفة من الكورة (الشمال) إلى الدورة نحو 250 ألف ليرة، وكلّما اقتربت نقطة الانطلاق إلى بيروت تنخفض الكلفة تلقائيّاً، إذ تصل إلى نحو 150 ألف ليرة من شكّا (البترون- الشمال) باتّجاه الدورة، و100 ألف ليرة من جبيل باتجاه الدورة.

على المقلب الآخر، يكشف زينة أنّ عدد الطلاب ممّن يعتمدون يوميّاً على هذه الرحلات، يصل إلى حوالي 100 طالب (كرقم متوسّط)، بين من يتوجّهون إلى جامعاتهم ويعودون في اليوم نفسه، ومن يستخدمون النقليّات في اتّجاه واحد.

وفي ما يخصّ النقل العام أو “النقل المشترك” التابع للدولة، فهو لا يشكّل فارقاً كبيراً في كلفة تنقّل الطالب، إذ بحسب المعطيات، هو لا يوفّر على الطالب سوى نحو 20 ألف ليرة لبنانيّة في الرحلة، أيّ إنّ كلفته تقلّ بهذا المقدار تقريباً عن النقل الخاص.

لكنّ المشكلة ليست بالكلفة، إنّما بوجود النقل المشترك. هذه الباصات ليست متاحة في جميع المناطق اللبنانيّة، فعلى سبيل المثال، يتوافر النقل المشترك في طرابلس، بينما لا تصل خدماته إلى بشرّي، ما يجعل الطالب في بعض المناطق أمام خيارات محدودة كالتكسيّ وباصات النقل الخاصّ، وبطبيعة الحال الخيار الأفضل للغالبيّة هو الثاني.

معاناة الاختصاص

على الجهة الثانية من رحلة معاناة الطالب الذي يعيش بعيداً من العاصمة نجد أنّ محدوديّة الخيارات تمتدّ إلى الاختصاص الذي يريد دراسته. فعلى سبيل المثال، الطالب الذي يرغب في دراسة الإعلام في الجامعة اللبنانيّة، لا يجد هذا الاختصاص ضمن فروع الجامعة في الشمال، إذ تضمّ كلّيّة الإعلام فرعين فقط في الأونيسكو والفنار.

الجدير ذكره أنّ فروع الجامعة اللبنانيّة في الشمال تقتصر على كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة، والعلوم، والفنون الجميلة والعمارة، ما يعني أنّ توزّع الكلّيّات والفروع والاختصاصات ليس متطابقاً بين المناطق. وبالتالي، ربّما يجد الطالب نفسه أمام واقع جديد إذا كان الاختصاص الذي يريده غير متاح في منطقته.

في هذه الحال، يصبح الانتقال والسكن في منطقة أخرى جزءاً من المسار الجامعيّ نفسه، أو أنّه سيضطرّ إلى الذهاب والعودة يوميّاً، وبالنسبة إلى طالب من بشرّي، يعني ذلك رحلة طويلة إلى بيروت، وما يرافقها من كلف نقل ووقت وإرهاق.

ولا تنتهي الخيارات عند الجامعة اللبنانيّة. فهناك طلّاب يختارون الجامعات الخاصّة أيضاً، لأسباب مختلفة، من بينها رغبتهم في دراسة اختصاصات أو الالتحاق بجامعات تتناسب أكثر مع احتياجاتهم وتوقّعاتهم الأكّاديميّة والتنظيميّة.

السكن قرب الجامعة

من هنا ننتقل إلى معضلة أخرى وهي كلفة السكن في محيط الجامعات، إذ يجد الطالب نفسه أمام أعباء كبيرة من المصاريف التي تضاف إلى فاتورة التعليم، وعادةً يكون أمامه خياران: إمّا السكن المشترك، أو استئجار مساحة مستقلّة.

في الحال الأولى، من الصعب، وفق الأسعار التي رُصدت، أن يجد الطالب خياراً بأقلّ من نحو 200 دولار شهريّاً، مع اختلاف السعر بحسب المنطقة ومستوى السكن. أمّا إذا اختار السكن بشكل مستقلّ، كاستوديو صغير مثلاً، فتبدأ الأسعار من نحو 300 دولار شهريّاً، وقد ترتفع أكثر تبعاً للموقع والمساحة والمواصفات.

لكنّ الرقم المعلن للإيجار لا يعكس الكلف الفعليّة للسكن، فإلى جانب بدل الإيجار، هناك الكهرباء والإنترنت والاشتراك والمياه ومصاريف أخرى مرتبطة بالحياة اليوميّة داخل السكن. حتماً ستضيف هذه المصاريف نحو 50 دولاراً شهريّاً، وفق طبيعة الاستهلاك.

هنا، يقف الطالب القادم من منطقة بعيدة أمام خيارين لكلّ منهما كلفته: إمّا أن يبقى في منزله ويتحمّل ساعات طويلة من التنقّل يوميّاً، مع ما يرافقها من كلفة ماليّة وإرهاق جسديّ وضياع للوقت، أو أن ينتقل إلى محيط الجامعة ويدفع كلفة سكن.

تحوّلت الجامعة إلى فاتورة تمتدّ طوال تسعة أشهر، وتُدفع بالمال والوقت والجهد النفسيّ والجسديّ.

أين الدولة من كلّ هذه الكلف؟

أمام هذا الواقع المعقّد الذي يعانيه الطالب، هناك سؤال يطرح نفسه: أين الدولة من كلّ هذه الكلف المرتفعة التي يتكبّدها الطالب؟ تواصلنا مع مستشارة في وزارة التربية، مهى داغر، فأوضحت أنّ الوزارة لا تتولّى تقديم مساعدات للطلّاب الجامعيّين، وأنّ مسؤوليّتها في هذا السياق تتركّز على تلامذة التعليم الرسميّ، من الحضانة وحتّى المرحلة الثانويّة.

لكن على صعيد آخر، هناك شكل من أشكال الدعم التعليميّ الذي أقرّته الدولة، وإن لم يكن موجّهاً مباشرة إلى الطالب الجامعيّ كطالب. ففي الـ16 من تموز (يوليو) 2026، نُشر في الجريدة الرسميّة المرسوم رقم 3402، المتعلّق بمنح مساعدة تعليميّة موقّتة للمستخدمين والعمّال الخاضعين لقانون العمل، عن العام الدراسيّ 2025-2026. ويستفيد من هذه المساعدة من لا يحصل على منحة تعليميّة أخرى من صاحب العمل أو من مصدر آخر.

وبموجب المرسوم، تبلغ المنحة 12 مليون ليرة عن كلّ طالب مسجّل في المدارس الرسميّة أو المجّانيّة، أو الجامعة اللبنانيّة، على ألّا يتجاوز مجموع ما يستفيد منه العامل 36 مليون ليرة. أمّا الطالب المسجّل في مدرسة أو جامعة خاصّة، فتبلغ المنحة 36 مليون ليرة عن كلّ طالب، على ألّا يتجاوز مجموعها 108 ملايين ليرة للعامل.

لكنّ هذه المساعدة لا تعني أنّ كل طالب جامعيّ يستطيع الاستفادة منها، فهي مرتبطة بوضع الأهل كأفراد خاضعين لقانون العمل. وبالتالي، بالنسبة إلى الطالب الذي يدرس في جامعة خاصّة ويحتاج إلى مساعدة لتغطية مصاريفه، فهذه المساعدة لا تبدو موجودة، ويبقى أمامه فقط آليّات الدعم التي توفّرها جامعته نفسها، من منح ومساعدات أو تسهيلات في الدفع، بحسب النظام المعتمد في كلّ مؤسّسة.

أبعد من القسط الجامعيّ

تكشف كلّ هذه المعطيات أنّ كلفة التعليم الجامعيّ في لبنان لا تبدأ من القسط ولا تنتهي عنده، فالطالب الذي يعيش بعيداً من جامعته يدفع ثمن الوصول إليها قبل أن يجلس على مقعده الدراسيّ. وبحسب تقدير الباحث في الدوليّة للمعلومات محمّد شمس الدين، فإنّ “متوسّط الكلفة الإضافيّة التي يتحمّلها الطالب القادم من الشمال إلى بيروت قد يصل إلى نحو سبعة آلاف دولار خلال الأشهر التسعة من العام الدراسيّ، من دون احتساب القسط الجامعيّ”.

وفي بلد تتوزّع فيه الجامعات والاختصاصات والخدمات بشكل غير متساوٍ بين المناطق، لم تعد الجامعة إلى بعض الطلاب، “قسطاً يُدفع في بداية الفصل”، بل تحوّلت إلى فاتورة تمتدّ طوال تسعة أشهر، وتُدفع بالمال والوقت والجهد النفسيّ والجسديّ، وأحياناً بجهد يفوق بكثير ما يظهر على أيّ إيصال جامعيّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى