رحيل البروفسور علي زيعور رائد التحليل النفسيّ للذات العربيّة

رحل الدكتور علي زيعور بعدما اقترب من عامه التسعين، وبقي حتّى أيامه الأخيرة مشدودًا إلى ما أمضى حياته يصنعه: الفكرة والكتاب والسؤال.

كان من حظّي أن تواصل معي قبل أسابيع قليلة. جاءني صوته عبر الهاتف متهدّجًا، متعبًا، تصل الكلمات منه متقطّعة، فيما كانت رغبته واضحة وقويّة: يريد طبعة من كتابه «الحلم الحضاريّ ومشاريعه الاستراتيجيّة». تحدّث عن الكتاب، ثمّ عاد بعد ساعات قليلة يسأل عن التصميم الداخليّ والغلاف، وعن التفاصيل التي تسبق خروج الكتاب من المطبعة. بدا الزمن يومها جزءًا من عمليّة النشر، ولكلّ يوم وزنه.

شعرت أنّ الرجل متعلّق في هذه الحياة من الجهة التي عاشها طوال عقود: الفكر. كان يريد أن يطمئنّ إلى صدور كتاب جديد، أن يلمسه، أن يراه وقد انتقل من المخطوط إلى الورق. ولهذا استنفرنا جميعًا في دارنا لإنجاز العمل بأقصى سرعة، كي يصل الكتاب إلى يديه خلال أيّام، وهذا ما كان.

عربصاليم الجغرافيا الأولى للفكرة

ثمّة شيء من الجغرافيا يظلّ عالقًا في الأفكار، حتّى بعد أن يقطع صاحبها آلاف الكيلومترات ويبدّل المدن والجامعات واللغات. في حال البروفسور علي زيعور، تبدو عربصاليم أكثر من خانة في السيرة الشخصيّة. منها يمكن البدء، ثمّ توسيع الخريطة قليلًا قليلًا، وصولًا إلى مشروع الرجل الكبير: البحث عن ذات عربيّة تفهم نفسها بأدوات معرفيّة تنتمي إلى خبرتها ولغتها وتاريخها.

تقع عربصاليم في قضاء النبطية، عند المدخل الجنوبيّ لإقليم التفاح، وتنتشر بيوتها على سلسلة روابٍ تشرف على مساحة واسعة من المنطقة، فيما يجري نهر الزهراني في أسفلها الشرقيّ والجنوبيّ. حولها المياه والينابيع، وفي أعلاها الشمالي (جرجوع) نبع الطاسة، وتصل مياه نبع البياض إلى أراضيها الزراعية وحواكيرها. إنّها واحدة من جغرافيّات الجنوب التي يصنعها التداخل بين الجبل والوادي والماء والزيتون.

ابن القرية يلج علم النفس

ولد علي زيعور في عربصاليم العام 1937. خرج من البيئة الريفيّة الجنوبيّة إلى الدراسة الجامعيّة، ثمّ إلى فرنسا حيث تابع دراساته العليا في الفلسفة وعلم النفس، قبل عودته إلى لبنان وانخراطه في الجامعة اللبنانيّة. ومنذ مطلع السبعينيّات ارتبط اسمه بتدريس علم النفس بالعربيّة وفي المحاولة الأوسع لتأسيس خطاب نفسانيّ عربيّ.

بدأ بنشر وترجمة الأعمال المتعلّقة بتاريخ علم النفس ومذاهبه وفلسفاته، ثمّ أخذ مشروعه الخاص يتبلور تدريجًا. ومع صدور «التحليل النفسيّ للذات العربيّة» سنة 1977 ظهر المحور الذي سيدور حوله قسم كبير من إنتاجه اللاحق. وتوزعت مؤلفاته الكثيرة على علم النفس والتحليل النفسيّ والفلسفة والإناسة والتربية ودراسة التراث والرموز والأساطير والثقافة الشعبية.

يمكن اختصار هذه السيرة بمسار مكاني ومعرفي في آن: عربصاليم، بيروت، باريس، الجامعة اللبنانية، ثم العالم العربيّ بوصفه حقلًا واسعًا للتحليل.

البروفسور علي زيعور
علم نفس يتكلم العربيّة

تكمن خصوصيّة مشروع زيعور في طموحه إلى تجاوز استيراد المفاهيم النفسيّة الغربيّة وترجمتها. كان السؤال عنده أعمق: إلى أيّ مدى تستطيع المفاهيم التي ولدت داخل المجتمعات الأوروبّيّة قراءة الإنسان العربيّ وتجربته التاريخيّة والاجتماعيّة والثقافيّة؟

من هنا جاء مشروع «المدرسة العربيّة» في النفسانيّات. أراد زيعور تأسيس معرفة تستفيد من التحليل النفسيّ وعلم النفس والإناسة والألسنيّة والسيميائيّات، ثمّ تدخل بها إلى البيت العربيّ والموروث والحكاية الشعبيّة والأسطورة والدين والتصوّف والعادات واللغة والجسد والسلطة والعائلة.

وبذلك تحوّلت «الذات العربيّة» عنده إلى موضوع معرفيّ مركّب. الفرد يعيش داخل شبكة من العلاقات والرموز والتاريخ، وأزمته النفسيّة تتشابك مع الجماعة التي ينتمي إليها، ومع علاقتها بالسلطة والتراث والآخر والعالم.

كان يسعى إلى الانتقال من النفس الفرديّة إلى النفس الثقافيّة.

وفي «التحليل النفسيّ للذات العربيّة» درس العلاقة بين الذات ومجتمعها ومحيطها الحضاريّ، وربط الصحّة الانفعاليّة بالشعور بالكرامة والرضى عن الذات والقدرة على تحقيقها والاستقرار الاجتماعيّ. ومن هذه الأرضيّة توسّع لاحقًا نحو تحليل الشخصيّة والبطولة والنرجسيّة والخرافة والمتخيّل والرمز والتربية والأخلاق والسياسة.

خرجت الأريكة النفسيّة، مع زيعور، من حدود العيادة إلى المجتمع. أصبح المجتمع نفسه مادة للقراءة النفسيّة، وأصبحت الثقافة تحمل رضوضها ومكبوتاتها وأسئلتها مثل الفرد.

اللاوعي الثقافي العربيّ

من أبرز المفاهيم المرتبطة بزيعور «اللاوعي الثقافيّ العربيّ». وتظهر في مشروعه كذلك دراسات حول لغة الجسد، وعلم الكرامة والأولياء، وعلم الرمز، والعادات والتقاليد والاحتفالات الشعبيّة، وصولًا إلى «علم الرضّات الاستعماريّة» وعلاقة الجلّاد بالضحيّة. كذلك عمل على تطوير رائز لفظيّ أطلق عليه «الروزشاخ العربيّ»، ضمن سعيه إلى بناء أدوات نفسيّة متّصلة بالبيئة الثقافيّة التي تعمل داخلها.

وكانت الخرافة والحكاية الشعبيّة والأسطورة بالنسبة إليه مخازن نفسيّة. تعامل معها بوصفها طرقًا تعبّر الجماعة من خلالها عن مخاوفها ورغباتها وصراعاتها. يصبح الرمز مدخلًا إلى بنية أعمق، وتتحوّل الثقافة الشعبيّة إلى مادّة للتحليل.

ومن هنا وصل إلى التراث. دخل التصوّف والفلسفة الإسلاميّة والموروث الدينيّ والشخصيّات التاريخيّة والأبطال والأساطير والكرامات والأولياء إلى مختبره المعرفيّ. واشتغل على المنطقة المشتركة بين الفلسفة وعلم النفس، وعلى النفسانيّات في الفلسفة الإسلاميّة، وهي من الحقول التي تعود جذورها إلى دراساته العليا في باريس.

الإنسان المنجرح تاريخيًّا يحمل جرحه داخل علاقته بذاته وبالآخر.

من «الأنا» إلى «النحن»

يصبح مشروع زيعور أكثر قربًا من عربصاليم عند الوصول إلى مفهوم آخر اشتغل عليه: «النحناويّة». في القرية يدخل الفرد في شبكة كثيفة من العائلة والبيت والحارة والقرابة والحكايات والطقوس والذاكرة والموت والأرض، وكلّها تشارك في تكوين «الأنا». وسّع زيعور هذه المسألة ليبحث في «الأنا» و«الأنت» و«النحن» و«الأنتم» داخل المجال النفسيّ والاجتماعيّ والتاريخيّ. إنّها محاولة لوضع الإنسان داخل العلاقات التي تصنعه.

ومن هنا يمكن فهم اهتمامه بالكرامة. الإنسان المنجرح تاريخيًّا، في تصوّره، يحمل جرحه داخل علاقته بذاته وبالآخر، فيما يمتلك الاستعمار والقهر والاغتراب والتهجير حياة نفسيّة طويلة. ولذلك تحدّث عن «الصحّة الثقافيّة- الحضاريّة للمنجرح في وطنه»، وعن المهاجر والمنفى والانتماءات الجديدة، وجعل هذه القضايا جزءًا من مجال المدرسة العربيّة التي سعى إلى تأسيسها.

البيت الريفيّ بوصفه معرفة

ثمّة تفصيل يعيد زيعور إلى البداية. في سيرته يتحدّث عن البيت الريفيّ في عربصاليم، وعن أدواته وتجهيزه الداخليّ قبل دخول الكهرباء والأثاث المدينيّ إليه. ودعا في خلال دراساته الميدانيّة إلى حفظ البيت التراثيّ وأدواته والفنون الشعبيّة، وصولًا إلى حديثه عن «المتحف الشعبيّ في عرب صاليم».

يحمل هذا التفصيل دلالة تتجاوز الحنين. الرجل الذي أراد تأسيس مدرسة عربيّة في النفسانيّات كان يجمع الأشياء الصغيرة التي صنعت العالم الذي جاء منه. فالمنجل والجرن والصورة الشعبيّة والخزانة والبيت القديم والحكاية والمعتقد المحلّيّ تتحوّل جميعها إلى وثائق لفهم الإنسان. هنا يلتقي عالم النفس بالإناسيّ، والفيلسوف بابن القرية.

وتظهر هنا إحدى السمات الأساسيّة لمشروعه: المعرفة تتحرّك لديه بين الحقول. علم النفس يدخل الفلسفة، والفلسفة تدخل التراث، والتراث يدخل الإناسة، والإناسة تصل إلى الحكاية الشعبيّة، والحكاية تقود إلى الرمز، والرمز يعود إلى اللاوعي.

الأسئلة التي تركها زيعور

يحمل مشروع زيعور مساحة واسعة للنقاش العلميّ. فتعبير «الذات العربيّة» يفتح أسئلة حول إمكان بناء مفهوم نفسيّ جامع لمجتمعات شديدة التنوّع اجتماعيًّا وتاريخيًّا ودينيًّا وجغرافيًّا، كذلك يفتح انتقال مفاهيم التحليل النفسيّ من الفرد إلى المجتمعات والحضارات أسئلة منهجيّة متعدّدة.

وهنا تحديدًا تستمرّ راهنيّة زيعور. قيمة مشروعه تكمن أيضًا في الأسئلة التي فتحها: كيف يمكن إنتاج علم نفس محلّيّ؟ ما مقدار حضور الثقافة داخل التكوين النفسيّ؟ كيف تعمل ذاكرة الاستعمار والحرب داخل الجماعات؟ كيف تتكوّن الكرامة؟ كيف تتحوّل الأسطورة والخرافة والحكاية إلى مخزن للاوعي الثقافيّ؟ وأين تنتهي نفسيّة الفرد وتبدأ نفسيّة الجماعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى