رحلة موريس موصللي من الدراما إلى مسرح الأطفال الجوّال

يُعدّ موريس موصللي واحدًا من الوجوه التي شقّت طريقها مبكرًا في عالم التمثيل اللبنانيّ، قبل أن يستقرّ به المسار في فضاء مختلف تمامًا: مسرح الأطفال، حيث تحوّل من ممثّل تلفزيونيّ إلى “مربّي” يتابع عروضه عشرات آلاف التلامذة سنويًّا.
رحلة الحلم بين القرية والشاشة
في سنّ السادسة عشرة، غادر موصللي قريته في رأس بعلبك متوجّهًا إلى بيروت، حاملًا حلم التمثيل. هناك بدأ خطواته الأولى، ملاحقًا فرص الظهور في الأعمال الدراميّة، قبل أن يجد لنفسه مكانًا صغيرًا في مسلسل “فارس بني عيّاد” (1968- إخراج أنطوان ريمي- تأليف جلبهار ممتاز) مع الأستاذ إحسان صادق ضمن فرقة الكورال الغنائيّة، ثمّ في مسلسل “المنتقم” (1969- إخراج أنطوان ريمي- تأليف مروان العبد). واستمرّ لسنوات في أدوار “الكومبّارس” المتنقّل في عدد من الأعمال التلفزيونيّة.
مع تراكم التجربة، بدأ اسمه يظهر تدريجًا على الشاشة. ويذكر موصللي لـ“مناطق نت” أنّ أوّل كلمة نطقها أمام الكاميرا كانت: “وأنا أيضًا”، قبل أن تتطوّر مشاركاته من كلمات محدودة إلى جمل، ثمّ إلى نصوص كاملة، بعدما أثبت حضوره كممثّل قادر على التفاعل مع الكاميرا.
لاحقًا، شارك في أعمال عدّة أبرزها “أمّ خبار” (تأليف سامي الصيداوي) مع الممثّلة فريال كريم، و“كانت أيّام” (1964- إخراج باسم نصر – تأليف أنطوان غندور)، وصولًا إلى دور أساس في مسلسل “أبو ملحم” مع إيلي صنيفر. ويشير موصللي إلى أنّ البرنامج الأخير كان من أكثر الأعمال متابعة في تلك المرحلة، حيث كان يحظى بانتظار الجمهور اللبنانيّ.
لاحقًا، جاءت محطّة مفصلية حين كان التحضير لمسلسل “المشوار الطويل”، الذي جمع أسماء لبنانيّة ومصريّة بارزة مثل شوشو، وليلى كرم، ومحمود المليجي، وجورج شلهوب، ومارسيل مارينا. وكان المطلوب شابًّا في العشرين من عمره، فطُرح اسم موصللي بناءً على اقتراح من جورج طويل وإلياس متّى. وللتأكّد من أهليّته، شاهد فريق العمل إحدى حلقات “أبو ملحم” (1969)، قبل أن يُتّخذ القرار في اليوم التالي بالموافقة على مشاركته، في تجربة يعتبرها من أبرز محطّات مسيرته التلفزيونيّة.
شارك موصللي في أعمال عدّة أبرزها “أمّ خبار” (تأليف سامي الصيداوي)، و“كانت أيّام” (1964- إخراج باسم نصر – تأليف أنطوان غندور)، وصولًا إلى دور أساس في مسلسل “أبو ملحم” مع إيلي صنيفر.
صدفة قادته إلى المسرح
استمرّ موصللي في العمل التلفزيونيّ حتّى العام 1999، قبل أن يتّجه إلى مسار جديد جاء بالصدفة، كما يروي لـ“مناطق نت”. ففي إحدى الرحلات من جونيه إلى الدورة، نصحه أحد المرافقين بالتوجّه إلى العمل المسرحيّ، معتبرًا أنّه ممثّل محترف يمكنه أن ينجح في هذا المجال. وعلى رغم تردّده في البداية، وجد في الفكرة بابًا جديدًا، خصوصًا مع الإشارة إلى غياب مسرح الأطفال في لبنان آنذاك. ويقول إنّه لا يتذكّر اسم ذلك الصديق، لكنّه يعتبره “ملاكًا نزل من السماء” قاده إلى عالم مسرح الأطفال، الذي انطلق فيه منذ عام 1999 حتّى اليوم.
قبل هذا التحوّل من التلفزيون إلى المسرح، أيّ قبل العام 1999، كان واقع التمثيل، بحسب موصللي، لا يؤمّن للممثل قوت يومه، مع أعمال متقطّعة وأجور متواضعة وصلت إلى 35 ليرة للحلقة الواحدة.
ويعبّر موصللي عن عتب واضح على واقع الدراما في لبنان، معتبرًا أنّ الإنتاجات الحاليّة فقدت كثيرًا من روحها القصصيّة. ويقول إنّ الأعمال باتت أقرب إلى السلق السريع، مع تركيز متزايد على الشكل الخارجيّ واختيار الممثّلين على أساس المظهر أكثر من قوّة النصّ. ويرى أنّ غياب القصص الجيّدة هو ما أضعف الدراما اللبنانيّة، مؤكّدًا أنّه لو توافرت نصوص قويّة وجاذبة، لكان المشهد الفنّي أكثر حيويّة وازدهارًا.

المسرح الجوّال قرية فقرية
من هنا، وجد ضالّته في مسرح الأطفال كتابةً وإخراجًا وإنتاجًا، وأنشأ فرقة خاصّة به، بدعم من وزارة الثقافة التي كانت تموّل إنتاج مسرحيّات للأطفال. وكان الأستاذ أنطوان شمعون، مستشار وزير الثقافة يومها، صديقًا له، وبالتعاون مع الكاتبين موفّق جليلاتي وصلاح العلي، قدّم أوّل نصّ مسرحيّ له، نال من خلاله أوّل منحة رسميّة، ليطلق أوّل عرض مسرحيّ للأطفال ضمن مسيرته الجديدة. ويذكر موصللي أن جليلاتي والعلي ممثّلان أيضًا، ولا يزالان حتّى اليوم يكتبان ويمثّلان معه في مسرحيّات الأطفال.
يسرد موصللي أنه بدأ مشواره المسرحي بالتنقّل من ضيعة إلى ضيعة، ومن مدرسة إلى مدرسة، ساعده اسمه وشهرته في التلفزيون على فتح أبواب عروض في مناطق مختلفة وعديدة من لبنان. كانت العروض تُنقل في كميون (شاحنة) صغير، والديكورات تُركّب ميدانيًّا بمساعدة عمّال يجلبهم من ساحة القرية، قبل أن تُفكَّك مجدّدًا بعد انتهاء العرض. في تلك المرحلة، كان الممثّلون يتنقّلون معه بسيّارته، ويتدرّبون قبل بدء العرض، قبل أن يدخل الأطفال وتبدأ المسرحيّة.
ومع مرور السنوات، تطوّر المشروع ليصبح أكثر تنظيمًا واحترافًا. ففي كلّ عام، كان موصللي يختار فكرة جديدة للمسرحيّة، تُسند كتابتها إلى أحد أعضاء الفرقة أو إلى الفريق كاملًا، مع إعداد الأغاني والأزياء والديكورات، وإدخال الرقصات والدبكات والمشاهد الفولكلوريّة. شيئًا فشيئًا، تحوّل المسرح إلى مساحة تربويّة، وبات يدخل أفكارًا وثيمات جديدة هادفة في قالب من المتعة.
المتعة قبل الموعظة
يختصر موصللي فلسفته في العمل بالقول لـ“مناطق نت”: “لا أقدّم موعظة للأطفال، بل أقدّم لهم المتعة التي تحتوي على أمثولة، لأنّ الطفل يتابع القصّة، فإذا كانت مشوّقة سيكمل، وإن كانت مملّة فلن يواصل، وتذهب الجهود سدى”. ويشير إلى أنّ الأطفال ينقلون ما يشاهدونه إلى منازلهم، حيث يعيدون تمثيل المشاهد أمام عائلاتهم، وهو ما يعتبره سرّ نجاح التجربة.
بفضل هذا المسار، بات موصللي معروفًا في المدارس اللبنانيّة بلقب “المربّي”، فيما تجاوز عدد طلّابه المشاهدين عروضه سنويًّا قرابة 30 ألف طالب. ويختم موصللي حكايته بالإشارة إلى أنّ مسرح الأطفال شهد تطوّرًا كبيرًا خلال العقدين الأخيرين، نتيجة اعتماد المدارس على أساليب تعليم حديثة، معتبرًا أنّ هذا النوع من المسرح يشكّل جزءًا أساسًا من العمليّة التربويّة داخل المدرسة، ولم يعد مجرّد نشاط فنّي، بل جزء من ذاكرة الطفولة التي تكبر مع الطلّاب ولا تغادرهم.




