الشاشات تصنعنا أدوات فرار من عتمة الانغلاق ومساحة عزلة

ترانا نتربّص أمام الشاشات ككائنات في طور التشكّل. شاشات التلفزيونات، شاشات الكمبيوترات وبشكل خاص شاشات الهواتف الجوّالة حيث تلك الخلوات الموحشة وحيث ذلك الاستبداد المضني.
تسوقنا القوّة الإغرائية للشاشات بالفعل إلى الوقوع في فخّ استبدادها بحيث يخمّن المرء أنّ هذه الشاشات قد تحولتْ كي تصير جزءًا من قشرتنا الدماغيّة. على الرغم من اعتبار الشاشات في متنها الأعمّ أقرب إلى صناديق الثرثرة (chatter boxes) فإنّ الكلمات وقد غدت أسيرة هذه الشاشات تراها محلّ انكماش وتذرّر وفقدان للمعنى، فالغلبة دائمًا للصورة.
تتآكل الكلمات عبر الشاشات بالآمال الزائفة والأكاذيب المقنعة فضلًا عن ضرورات التواصل الهشّة حيث فيض اللهاث وفيض المتابعة وفيض الغثيان والملل.
ليس للمرء أن ينكر صحّة بعض الأخبار التي تبثّنا إيّاها الشاشات، إنّما الحقيقة الأنصع في هذا السياق هي أنّ الغالبيّة العظمى من أخبار الشاشات هي أقرب إلى الكمائن الفولاذيّة. كمائن تراها تعيد تشكيل الأذهان وردّات الفعل ورسم الملامح حيث تلك المناوبة المهلكة بين الجري النشيط للكذب والدبدبة الخجولة للحقيقة. فليس من يُسر الأمور أن يكون الإيهام جزءًا لا يتجزّأ من بنيان الحقيقة، إذ نحن عندئذ مجرّد كائنات هلاميّة متشظّية غير محدّدة المعالم والصفات، ذلك أنّ ثمة شاشة تصوغ بمهارة تصوّراتنا وأفكارنا وصولًا إلى صراحة أقوالنا وأسرارنا.
غلاف فضفاض
لقد أفلحتْ الشاشات بعامّة، في أن تكون الغلاف الفضفاض الهائل، الذي يختزل العالم إلى مجموعة من الصور ومن المساحات البصريّة، وليس من باب الغرابة في هذا السياق، أن نعترف لأنفسنا أنّ كلّ ما لا يمرّ عبر هذه الشاشة أو تلك، لا وجود له في هذا العالم. ليس لتشظّي الخبر في هذا الصدد أهمّيّة، وهو ما ينطبق على المشهد المتفلّت، إذ إنّ متانة الشاشة وبنيانها البصريّ المترامي الأطراف يرمّم كلّ هذا التشظّي عبر الخبر التالي، وعبر ما سوف يلي من مشاهد كثيرة، بحيث يصير التضعضع بحقّ – يا للمفارقة – هو بوصلة الحقيقة.
ترى الحدود تضيق وتتّسع، ترى العيون تحدّق وتتراخى، وترى الآذان تنصت بجدّ إلى أن يشوبها الطنين. إنّه الإسراف المحموم حيث ذلك التداخل الفجّ بين الصوت والصورة، بين الشواش والدقّة، بين الضجيج والشرود، ولا أتوانى عن القول من باب المجاز طبعًا، بين العمى الذي يحدّق والصمت المدوّي في كلّ الأنحاء. إنّها الشاشات التي تصنعنا إذ من الجائز جدًّا أن نزاوج بين الصوت والمكيدة وبين الفخّ والصورة.
ترانا نستجدي الحماقات التي تبثّنا إيّاها الشاشات كي نشعر بأنّنا موجودون في هذا العالم.
ماذا تريد الشاشات؟
ليس للحماقات من أفق، تقول لنا الشاشات لحظة بلحظة، ومع هذا ترانا نستجدي هذه الحماقات التي تبثّنا إيّاها الشاشات كي نشعر بأنّنا – في أقلّه – موجودون في هذا العالم.
إنّ تلك المراوغة بين الاستبداد من جهة و”اللطف المؤذي” من جهة أخرى، وهي مراوغة تجيدها الشاشات إلى أقصى الحدود، تسوق المرء إلى استسلام من نمط آخر، استسلام مرحّب به إلى حدّ البلاهة، ذلك أنّ مضاعفة الحضور في العالم هي حاجة تشبعها الشاشة، إنّما على طريقتها الخاصّة ووفق مزاجها الخاصّ. فإذا كان الكتاب المطبوع وسيلة حضور الجماعات في العالم تاريخيًّا فإنّ للشاشات تلك السرعة التي تسبق الصفحات، وإنّ للشاشات ذلك الانقضاض الذي يمحق الحدّ الأدنى من مداورة الأفكار عبر الغوص بالكلمات المكتوبة.
قد تكون آداة انسجام اجتماعيّ أو وسيلة للانخراط في العلاقات مع الآخرين، ترى الشاشة في بعض مآربها آداة فرار من عتمة الانغلاق أو مساحة للعزلة، فضلًا عن كونها بالتأكيد حاجة ماسّة لأمور أخرى بحيث تنقلب الآية وترانا نسأل – بسبب هيمنتها اللامتناهية – ماذا تريد الشاشات منّا مقابل خدماتها الكثيرة؟ لا ماذا، نحن البشر، نريد منها؟
عالم لزق، دبق، مقزّز
لعلّ أقصى ما تطلبه الشاشات منّا هو التزلّف إلى عالم ليس من صنع خياراتنا. قد تكون للشاشات تلك المَوْنة القاتلة التي تدفعنا إلى الربت فوق كتف عالم لزج، عالم دبق، عالم – بالنسبة إليّ – مقزّز وعليّ التخلّص منه، إذ إنّ الانسياق الاختياريّ تحت وصاية مستبّدة مثل وصاية الشاشة، لهو من ضنك العيش، ولا سيّما في عالم “السوشيل ميديا”.
إنّ الانتماء إلى الشاشة، وإن بدا أنّه من اختيارنا، فهو بالحقيقة انتماء إجباريّ سواء اعترفنا بهذا الأمر أو تغاضينا عن الاعتراف به. أنا أعلم أنّ الكلام حول ضرورة تجنّب الشاشات يقع في باب المستحيل، لكنّني أعلم أيضًا أنّ تجنّب شاشات العالم ينطوي على هدوء شبه مفقود في عالم اليوم، هدوء ألحظه وأنا أكتب هذه المادّة في عيون قطّي العجوز “بلبل”، فهو يرمقني بملء شاشته الخاصّة، ووسع عينيه الرائعتين.
إنّها السكينة المنقرضة التي يبثّها ذلك القطّ عبر النظر إلى محيطه بمحض شاشة عينيه، والتي نحن ككائنات بشريّة فقدناها إلى غير رجعة.
ملاحظة: إنّ عبارة “اللطف المؤذي” الواردة في هذه المادّة ليست من عنديّاتي، إنّما تعود إلى الفيلسوف باروخ اسبينوزا وقد وردتْ في أحد كتبه بالصيغة التالية La Sympathia malevolen، فاقتضى التوضيح.



