الفنّ وإثم الوجود: قراءة في أعمال ريمون أبو حيدر

لا تلبّي الأعمال الفنّيّة المعروضة في “زيكو هاوس” في منطقة الصنائع ببيروت للفنّان اللبنانيّ ريمون أبو حيدر، شروط شكل العالم كما نشتهيه أو كما نتمنّى أن يكون، ذلك أنّ تلك السوداويّة التي تصبغ تلك النصوص البصريّة إلى حدّ الإرهاق تراها تجهر بملء الصوت، بأنّها العالم مثلما هو بلا كذب أو أوهام أو تزييف.

ليس إنسان كلّ من هذه الأعمال إلّا عبارة عن صخب عنيف، صخب حادّ ومباشر يسوق متلقّي هذا العمل أو ذاك إلى الاعتراف بحقيقة العالم، حقيقة تجافي كلّ أوهام الطمأنينة والسكون، أقلّه كما يرى أبو حيدر العالم حيث التذرّر وتيهان الشكل وتداخل المعدن بالجسد وصولًا إلى تلك الملامح التي تراوح بين الموت وبقيّة حياة ثمّ “قباحة” الوجوه.

وراء الجميل والقبيح

في مقاربتها للأعمال الفنّيّة التي ترصد حقيقة العالم تخبرنا المؤرّخة الثقافيّة غريتشن إي هندرسن في كتابها “التاريخ الثقافيّ للقباحة” (منشورات المدى- ترجمة رشا صادق)، أنّ الأعمال الفنّيّة التي تقع في هذا الباب يمكن وصفها بأنّها أعمال تقع في ما وراء الجميل والقبيح. ليس العمل الفنّيّ في هذا الصدد وسيلة ساذجة لاستجلاب المتعة مثلًا كذلك فإنّه بطبيعة الحال ليس بذلك الأفق الذي يبشّر بتفاؤل هو في نهاية الأمر مجرّد أمل لا طائل في انتظاره من قريب أو من بعيد.

يعنوِن ريمون أبو حيدر كلّ أعمال معرضه تحت عبارة Errorism، ومن المعروف أنّه فضلًا عن إمكان ترجمة كلمة Error الإنكليزيّة بـ “غلط” أو “خطأ” فإنّ من معانيها أيضًا كلمة “إثم”. على الرغم من وجاهة القول بأنّ وجود الإنسان في هذا العالم يقع في باب الخطأ كما تشي به وجوه أشخاص أبو حيدر في معرضه، فإنّي وببُعد تأويليّ آخر، أرى أنّ وجودنا كبشر في هذا العالم هو أقرب إلى الإثم. إنّه إثم لا ينفكّ يتبلور في مسيرة الجنس البشريّ وليس الفنّ في هذا الصدد إلّا تلك الوسيلة التي نشير من خلالها إلى هذا الإثم، كحال الأعمال المعروضة في “زيكو هاوس” لريمون أبو حيدر والتي يستمرّ عرضها حتّى الثلاثين من هذا الشهر.

على الرغم من تلك العبارة ذات النفس المستمد من فلسفة “شوبنهاور” والتي تطالع زائر المعرض وترى أنّه من الأفضل للبشر لو لم يولدوا، فإنّ “سبينوزا” – كما أخال الأمر عليه أنا شخصيًّا– هو الطاغي على جملة أعمال هذا المعرض ولا سيّما عبر حكي الفيلسوف الهولنديّ عن الـ conatus، وهي كلمة يُقصد بها “سبينوزيًا” ذلك السعي المضني بغية الاستمرار في الوجود، وهو سعي واضح المعالم في كلّ تفصيل من تفاصيل أعمال أبو حيدر. فهذه الأعمال تبثّنا على طريقتها الخاصّة أخبار الكوارث الفيزيقيّة منها والميتافيزيقيّة والتي تحيق بنا كبشر منذ أن صرنا هنا، في هذا العالم المريب. إنّها كوارث علينا– وقد وُجدنا– معايشتها إبّان رحلة عيشنا المأزوم على كلّ المستويات.

من أعمال الفنان ريمون أبو حيدر
إثم الوجود في العالم

ليس محض الشكل في هذه الأعمال هو ما يحدّد المعنى ذلك أنّ ما وراء الشكل هو الطاغي إلى أبعد الحدود، وكأنّي بالناظر إلى هذه الأعمال الفجّة في حضرة نصّ متعدّد الطبقات حيث الإمكان التأويليّ لا يني يتوسّع، إنما دائمًا تحت عنوان واحد هو، إثم الوجود في العالم.

فليست عظام ناس ريمون في معرضه هي مجرّد صور أراد هذا الفنّان تجسيدها عبر جملة من الأسلاك وغيرها من المواد المعدنيّة والطينيّة بشكل خاصّ، إنّما هي صور تعكس بعمق ذلك الترادف الذي تمدّنا به اللغة اللاتينيّة بين كلمتيّ Imago (صورة) و ossa (عظام)، وللتوسّع في هذه النقطة بالذات، كتاب “حياة الصورة وموتها” لريجيس دوبري وترجمة فريد الزاهي، منشورات أفريقيا الشرق…كتاب رائع!!! وعذرًا لهذا الإستطراد.

نعم، إنّ الصورة الأكثر وضوحًا لإنسان هذا العالم ليست بالواقع إلّا محاولة يوميّة من قبل هذا الإنسان للفرار من عظامه التي قد نخرها السوس؛ سوس الريبة والتشاؤم والخوف والحسد والسعي إلى المكانة وعلى رأس كلّ هؤلاء سوس عدم اليقين.

مسودّة غير متقنة الصنع

يخبرنا الرسّام الهولنديّ “فنسنت فان غوغ” من القرن التاسع عشر بأنّه يأبى بنفسه الحكم على الله من خلال هذا العالم، ذلك أنّه يرى أنّ هذا العالم هو أحد مسودّات الله، وهي مسودّة فاشلة لا سبيل لإصلاحها.

إنّ تلك الوجوه الطينيّة كما تجسّدتْ في أعمال ريمون أبو حيدر والتي تسعى لتأكيد مقولة “فان غوغ” بأنّنا كبشر مسودّة غير متقنة الصنع تعبّر– تلك الوجوه- عن عمق الحقيقة. وما يزيد من فداحة الكارثة هو أنّ البشر– أهل الطين هؤلاء– يلحّون كلّما تقدّم بهم الزمن على تبنّي حقيقة كونهم مسودّة فاشلة (من مسودّات الله أو الطبيعة) وكأنّني بهذه المسودّة هي بمثابة الأصل الذي لا يكفّ عن استئناف فشله جيلًا بعد جيل.

تداخل بين الكلمة والشكل الفنّيّ

لا أخفي أنّ فكرة أن أكون ناقدًا تشكيليًّا لا تستهويني على الإطلاق، إنما تلك الأعمال التشكيليّة التي تستحثّ الكلمات لأن تقفز من داخل ذهني عبر مشاهدات العيون– إنّ تلك الأعمال– تسوقني للكتابة ومداورة النصوص التي كنت قد مررت عليها يومًا. أراني أكتب لمتعة الكتابة أو لتزجية الوقت وقد استبدّت بي الكلمات عبر تلك الأعمال حيث التداخل بين الكلمة والشكل الفنّيّ يروقني، وهو تداخل رأيتني وقد وقعت بمغبّته في معرض أبو حيدر، حيث الوجوه الطينيّة المشدودة بمعدّات معدنيّة وحيث ذلك الجسد الطينيّ المعلّق في سماء “زيكو هاوس” فضلًا عن غيرها من الأعمال التي تستدعي التصالح مع تشاؤم لا بدّ من معايشته على الدوم.

وعلى الرغم من هذه التشاؤميّة الفظّة فإنّ تلك الأعمال تراها في بعض متونها تسعد أمثالي من الذين لا يكفّون عن التساؤل عن العلاقة بين الكلمات والأشكال، الكلمات والأشياء… عن العلاقة بين الكلمات والعالم بالإجمال.

سواء أكنّا مسودّة فاشلة أو ناجحة، كما يرى إلى الأمر أهل التفاؤل السذّج البسطاء، فإنّنا في كلّ من الحالتين لسنا إلّا كلمات نقولها بعضنا لبعض وروعة العمل التشكيليّ في هذا السياق تكمن في استفزاز الكلمات، وهو ما رصدته في أعمال الفنّان موضوع هذه المادّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى