دارة الميرزا ومدرسة أبو صالح.. النبطية تخسر ذاكرتها المعمارية

لم يمرّ وقت طويل على تدمير إسرائيل جراء عدوانها الأخير منذ الثاني من آذار (مارس) الماضي، السوق العتيقة في حي السراي (خلال الـ19 من أيّار/ مايو الماضي)، أقدم أحياء النبطيّة ومن ثم مبنى “الجزيرة” المبني مطلع القرن الماضي وكان يملكه منيف جابر، أحد تجار المدينة وملاكيها (خلال الـ30 من أيّار الماضي)، حتّى جرّدت الطائرات المدمّرة النبطيّة من دارتين هما من صفوة دورها التراثيّة وتتجاوزان في العمر الـ100 عام: دارة الطبيب بهجت الميرزا ودارة محمود ضاهر “أبو صالح”.

ففي فجر الـ19 من حزيران (يونيو) الجاري استهدفت غارة إسرائيليّة معادية دارة الميرزا في النبطيّة وحوّلتها إلى كومة أحجار “مشلّخة”، لتسدل الستار على أحد أجمل بيوت عاصمة المحافظة السادسة في لبنان، وقد بلغت هذا العام الـ100 من تاريخ بنيانها وربّما أكثر. ثمّ لم يمضِ يوم كامل، حتّى أغارت طائرات أخرى على دارة “أبو صالح” محمود ضاهر وحوّلتها إلى نتف منثورة، تلك الدارة التي كانت مدرسة في حقبة من عمر المدينة، ثم سكنتها عائلات متعاقبة من النبطيّة، وكانت حتّى لحظة تدميرها تحتضن في جنباتها عصفًا من ذكريات أجيال وأجيال وأنموذجًا مثاليًّا عن العمارة التقليديّة اللبنانيّة.

الميرزا وبيت الأحلام

بعد تنقّله في أكثر من بيت ودارة في عاصمة جبل عامل النبطيّة، قرّر الطبيب “المتعدّد” الخبرات الدكتور بهجت المِيرزا (ويعرف باسم الدكتور بهيج) الاستقرار في دارة له تتجانس وهواه وعشقه للبيوت الجميلة المنحوتة من الصخر المطواع، فاختار لنفسه قطعة أرض قريبة من ساحة المدينة ووسطها التجاريّ، تبعد عنها نحو 400 متر شمالًا، وتلامس الشارع الرئيس فيها، الذي صار لاحقًا “شارع حسن كامل الصبّاح”، تيمّنًا باسم المخترع الكبير ابن المدينة الذي رحل باكرًا (1895- 1935) وهو في عزّ إبداعه وعطائه وتكريمًا له.

كان الطبيب الميرزا المتخرّج من الجامعة الأميركيّة في بيروت العام 1919، ذائع الصيت معروفًا في النبطيّة والجوار على مدى أكثر من نصف قرن. وأضفت شهرته على دارته التي بناها في النبطيّة بدءًا من سنة 1926 شهرة وسمعة، ودليلًا على مكان يشار إليه في المدينة، إذ في طبقتها السفلى تربّعت عيادته التي كثيرًا ما تحوّلت إلى غرفة عمليّات، قبل أن تتوقّف بعد وفاته في الـ28 من كانون الثاني (يناير) العام 1977 عن نحو 82 عامًا (مواليد 1895).

دارة الميرزا في النبطيّة (الصورة كامل جابر)
عمارة كلاسيكيّة كولونياليّة

بنى الميرزا المتحدّر من جذور إيرانيّة وأصول “نبطانيّة” دارته على النمط الكلاسيكيّ “الكولونياليّ” الجامع بين العمارة الإيطاليّة والغربيّة والنكهة العثمانيّة الإسلاميّة، وزركش واجهاتها الغربيّة والجانبيّة المتدرّجة بزخرفة كثيفة نادرة ومميّزة، ربّما لن نجد مثيلًا لها على امتداد الجنوب اللبنانيّ برمّته، وزيّن غرفها بالنحوت والرسوم الجميلة، والنوافذ المقوّسة.

كانت تكثر في واجهة الدار الزخرفة المخروطيّة الحجريّة والصخريّة المتنوّعة، بين أشكال هندسيّة طوليّة وعرضيّة ومثلّثة ودائريّة أو وشبه دائريّة ونجميّة، وأشكال نباتات وفاكهة وثمار وزهور متنوّعة، وبشكل أساس زهرة التوليب Tulip (المقلوبة) أو الزنبق (قبل تفتّحه الكامل) وزهرة اللوتس Lotus وقشرة ثمرة القشطة Annona، والأرضي شوكي Artichoke (خرشوف)، ومخروط الصنوبر وقشرة ثمرة الكاكاوTheobroma cacao. نحوت الأزهار هذه كانت رائجة في النبطيّة، في تلك السنوات، وانتشرت على واجهات عديد من البيوت الجميلة والدُّور، التي راحت في حينه تزيّن أحياء النبطيّة، وسعى إليها جمع من أبناء المدينة الميسورين والمغتربين، وهي شائعة جدًّا في العمارة والنقوش الزخرفيّة التاريخيّة والكلاسيكيّة.

​ونقوش كورنثيّة يونانيّة

في دارة الميرزا كانت تفيض نماذج الستائر المثنيّة من أعلى والكؤوس، وتكاد تنتشر فوق كلّ زخرفة البناء، وبين الأعمدة والجسور المرتفعة ثمّ تلتفّ عليها. ناهيك بـ”الدرابزونات” التي توزّعت على السطح من جوانبه جميعها، تقطعها بمسافات متوازية برانق (برامق) حجريّة أو إسمنتيّة.

أمّا الأعمدة المنحوتة في واجهة الدار فقد بلغت 18 عمودًا مربّعة الزوايا، موزّعة مفردة أو كلّ ثلاث، قصّبها ونحتها مع حجارة الجدران والعتبات وفتحات التهوئة آنذاك، ثلّة من معماريّي بلدة مغدوشة (صيدا)، على رأسهم المعلم “أبو مارون”. وحفلت بعض تيجان الأعمدة والزوايا بنقوش ذات تنويع هندسي قريب من زخارف ورق أشواك “الأكانثوس”Acanthus  (المعروفة بشوك اليهوديّ أو رجل الدب) الشهيرة في التيجان الكورنثيّة اليونانيّة والرومانيّة، إذ تلتفّ الأوراق البارزة بطبقات فوق بعضها.

نحت في كلّ مكان

وعلى زوايا الدرج المتعرّج صعودًا نحو مدخل البيت، المتفرّع بعد سبع درجات ومصطبة إلى سلّمين متماثلين؛ ربّما واحد للصعود وآخر للنزول، وزّع صاحب الدار تيجانًا كبيرة كأنّها تماثيل، على شكل براعم ضخمة أو ورود أو أشكال هندسيّة، بلغت 12 تاجًا، تحطّمت أجزاء بعضها بما سبق من شظايا قصف تعرّضت له المدينة في السبعينيّات والثمانينيّات والتسعينيّات، وحتّى في حرب الـ66 يومًا 2024. أمّا المدخل الرئيس من جهة الغرب المفضي نحو الشارع العام، فزيّن زوايا البوابة الكبرى بأربعة أعمدة متوّجة (Capital) فيها نقوش تتضمّن عناصر من العمارة القوطيّة (Gothic architecture).

لن نفصّل في الشرفة الجنوبيّة النصف دائريّة وأعمدتها الأسطوانيّة العشرة المتوّجة بكلّ نحت جميل، أو المدخل الجانبيّ الذي يليها مباشرة ويحمل فوقه حيّزًا من فنون النحت الآنفة الذكر، المنتشرة حول الدار.

تقع دارة الميرزا في الشارع الرئيس للنبطيّة، شارع حسن كامل الصبّاح، شمال السرايا الحكوميّة الحاليّة وشرق مبنى البريد والهاتف. كانت تنتشر حولها بساتين الأشجار المثمرة والحمضيّات، لكنها تراجعت بتراجع الاهتمام، منذ وفاة صاحب الدار، بعد العام 1977 وبسبب ما تعرّضت له النبطيّة طوال ربع قرن من اعتداءات إسرائيليّة أصابت الدار أكثر من مرّة، قبل أن تقتلها أخيرًا.

قرن من عمر الدار

تقول السيدة مريم بهجت الميرزا: “نحن ولدنا هنا في بيت والدي. شوقي أخي ولد ببيت “البلاطي” (نسبة إلى قرية بلاط في قضاء مرجعيون) من آل علي أحمد، في بيت أهلها للسيّدة الراحلة سلمى علي أحمد (المربّية والرئيسة السابقة لجمعيّة تقدّم المرأة في النبطيّة)، إذ كان أبي مستأجرًا لديهم. جودت شقيقي ولد في بيت الصبّاح، بيت كامل الصبّاح، عند شقيقه حسين. في العام 1926 ولد شقيقي الثالث هنا في بيت أبي، وفي هذا الوقت تقريبًا كان بنيان دارتنا قد انطلق، يمكننا القول إنّ 100 عام مرّت في الأقلّ على بناء هذه الدار”.

تضيف “أم سعيد” في لقاء سبق هدم الدار “كان أبي يحبّ داره كثيرًا بل ويعشقها، إذ صمّمها وبناها على هواه، حلوة وجميلة كانت من أجمل بيوت النبطيّة، لأنّه هو بنفسه أشرف على تشييدها، وأنا لأجل ذلك أحبّ هذا البيت؛ لأنّ روح أبي لم تزل ساكنة فيه هناك، روح والدي ما دامت تجوب في بيته الرائع. ساعده في عمليّة البناء عبدالله كحيل وكان يستعير منه أموالًا لاستكمال العمران، كذلك من الراحل سعيد شاهين والد الوزيرين والنائبين الراحلين غالب وفهمي شاهين، إذ كان يقرضه ما يحتاج من أموال للانتهاء من بناء الدار، وكانت ثمة محبّة خالصة بين أبي وآل شاهين في النبطيّة، كلّهم، يضاف إليهم آل بيطار وآل سلوم ممّن شاركوا في صبّ السقوف، وكان أبي يردّ لهم الجميل بتطبيبهم وعائلاتهم من دون أدنى أجر”.

تأهّل الطبيب الميرزا من السيّدة شريفة بدرالدين وأنجبا: جودت وشوقي وحلمي (رحلوا ثلاثتهم) ومريم وڤيوليت وسلوى.

دارة “مدرسة أبو صالح”

لم تبقَ دارة محمود ظاهر التي بناها في أواسط العشرينيّات من القرن الماضي على سلف معماريّ قديم يعود إلى ما قبل العام 1880 وقتًا طويلًا مسكنًا لأبنائه حسين وحسن ومحمّد “أبو طلعت” ومصطفى، إذ أجّرها حسن وشقيقه حسين “أبو صالح” بعدما آلت إليهما لصالح “المدرسة الابتدائيّة الرسميّة” في النبطيّة وصارت تعرف لدى أبناء النبطيّة بمدرسة “أبو صالح” وتلامذتها من صفّ الحضانة إلى الثاني الابتدائيّ. كذلك لم تدم إقامة المدرسة كثيرًا فيها طوال فترة الخمسينيّات، إذ انتقلت إلى وسط المدينة قرب ساحتها وصارت تعرف باسم مديرها الأستاذ سامي صبّاح.

لاحقًا شيّد حسن وحسين مبنى سكنيًّا في ملعب المدرسة السابقة تطل واجهته على الشارع الرئيس في مدينة النبطيّة الذي يعرف باسم “شارع حسن كامل الصبّاح” المخترع الراحل.

مدرسة أبو صالح (الصورة كامل جابر)

أقامت في دارة “أبو صالح” عائلات شقيقه حسن إذ لم يرزق هو بأبناء، وكانت في السنوات الأخيرة، وحتّى الأمس القريب، قبل الغارة، غير مسكونة بسبب حاجتها إلى تأهيل وترميم، لكنّها احتفظت حتّى الرمق الأخير بألقها المعماريّ التراثيّ وقرميدها وسقوفها وأبوابها وحجارتها وأعمدتها الصخريّة وأقبيتها وشرفاتها، مع العلم أنّ المبنى كان قد بدأ يفقد تماسكه، بفعل ما مرّ على المدينة من حروب، وعوامل الطقس وامتناع يد التأهيل عنها سنوات طوالًا، وبخاصّة بعد أن تعرّضت المنطقة التي تجاورها إلى زنّار ناريّ مدمّر في الـ22 من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2024 وأدّى إلى انهيار وتقويض عشرات الأبنية والمكاتب والشقق السكنيّة التي تحوطه.

كانت في واجهتها الرئيسة الجنوبيّة، ثمّة خمسة أقواس نحتت حجارتها بإتقان متقن، تقوم على أعمدة ضعيفة أسطوانيّة تحمل الشرفة الواسعة وجسورها وما فوقها من أخشاب متراصّة تشكل ثكنة القرميد، فتبدو بتقسيمها وكأنّها غرفة بهو الدار. فوق كلّ عمود وسط الأقواس ثمّة فتحة دائريّة عريضة بحدود 50 سنتيمترًا، مقفلة إلّا من وسطها حيث يظهر في داخلها ثقب متواضع يتيح تسرّب الهواء نحو الداخل. يتكوّن المقفل منها، من سلسلة قطع متراصّة تمنحها فرادة التأليف والمشهد، على نمط معماريّ نادر يتميّز بتقسيماته التي تشبه فصوص الفاكهة على نحو البرتقال أو البطّيخ.

يقع خلف الأقواس بابان معقودان من أعلى على عتبتين عريضتين، يفضي كلّ واحد منهما إلى غرفة رئيسة، يحدّهما شبّاكان، من الشرق والغرب والبابان في وسطهما. وثمّة بابان آخران لغرفتين جانبيّتين، شرقًا وغربًا. أمّا في خلفيّة الدار، فثمّة درج متواضع جميل يفضي إلى غرفة المؤونة والطبخ، التي تعرف بالمطبخ. وتنتشر مجموعة من الأبواب والنوافذ الخشبيّة، لقاعات فوق أقبية كانت مسكونة وتستخدم صفوفًا للمدرسة القديمة.

يقول الطبيب الدكتور نظام محمود إبراهيم: “مدرسة أبو صالح، نسبة إلى صاحب المبنى المرحوم حسين أبو صالح ضاهر كانت تقع بالقرب من محطّة الصبّوري .فيها درس عديد من أبناء النبطيّة والجوار، ومن أساتذتها في أواخر الخمسينيّات: سامي صبّاح، محمود إبراهيم (والدي)، علي صبّاح، نجيب حشّوش وحسين صباح. لم تعمّر المدرسة كثيرًا، إذ توزّع تلامذتها والأستاذة على مدارس أخرى نشأت وتوسّعت في ذاك الوقت، من بينها مدرسة ‘سميح شاهين التكميليّة‘، التي أطلق عليها الطلّاب اسم ‘المدرسة السميحيّة‘، تعبيرًا عن حبّهم ومودّتهم للراحل الأستاذ سميح شاهين.”

الصور: كامل جابر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى