في عيد الموسيقى كورال “ريشة ونغم” يغنّي بعلبك نفسها

تقارير صحافيّة عديدة تُنجز لأنّ العمل يقتضي ذلك، بينما تترك أُخرى أثرًا خاصًّا في صاحبها قبل نشرها، كان هذا التقرير واحدًا منها. فمنذ اللحظة التي وصلنا فيها إلى بعلبك لتصوير مادّة عن كورال جمعيّة “ريشة ونغم”، بدا أنّ المهمّة تتجاوز إعداد تقرير أو تصوير “ريل” قصير أو حتّى كتابة هذا المقال.

في مقرّ الجمعيّة القائم في الواحة البعلبكيّة “رأس العين”، كان الفرح يتنقّل بين عيون وقلوب أعضاء الكورال والحاضرين، وينعكس على وجوهنا نحن أيضًا، ما دفعني لأرتجل بعفويّة صرفة قائلًا لهم:

“شو قصّتا بعلبك
كل ما إجي تا قلّها بحبِّك
بتقول يا شاعر أنا بحبَّك”.

 وبين الأغنيات والضحكات والأحاديث الجانبّية، بدت بعلبك نفسها شريكةً في المشهد، مدينة تحمل في ذاكرتها تاريخًا طويلًا من الموسيقى والغناء، ولا تزال تجد في أصوات أبنائها وبناتها سببًا جديدًا للاحتفال بالحياة.

إرث موسيقي بالغ القدم

ولا تبدو تجربة “ريشة ونغم” منفصلة عن السياق التاريخيّ والثقافيّ لمدينة بعلبك، بل تندرج ضمن إرث موسيقيّ ضارب في القدم. ففي كتابه “في الموسيقى السوريّة” يشير الباحث الراحل حسني حدّاد إلى أنّ الموسيقى لم تكن نشاطًا فنّيًّا معزولًا، بل جزءًا من البنية الفكريّة والاجتماعيّة للمجتمعات القديمة، ووسيلة للتعبير عن الوجدان الجماعيّ والاحتفال بالحياة وبخاصّة في بلادنا.

كذلك فإنّ عبادة “الإله باخوس”، الذي يحمل أحد أشهر معابد بعلبك اسمه، ارتبطت بالموسيقى والرقص والاحتفالات الجماعيّة.

كورال ريشة ونغم

لم تكن هذه الممارسات مجرّد ترفيه، بل كانت شكلًا من أشكال التعبير الدينيّ والاجتماعيّ. فمذ كان اسمها المرفوض يومها من أبنائها “هليوبّوليس” في زمن الاحتلالات الإغريقيّة والرومانيّة، بل قبل ذلك بكثير، كانت بعلبك تستقبل الحجّاج على وقع الأبواق والتراتيل، وحتّى يومنا هذا، لم تغب الموسيقى عن حجارتها، تبدّلت الآلات واللغات، لكنّ المدينة ظلّت تنصت إلى إيقاعها العتيق.

كورال “ريشة ونغم”

وإذا كانت بعلبك قد رسّخت مكانتها الفنّيّة عالميًّا من خلال مهرجانات بعلبك الدوليّة، التي حوّلت منذ خمسينيّات القرن الماضي هياكلها التاريخيّة إلى مسرح استثنائيّ استضاف كبار الفنّانين والموسيقيّين والشعراء من لبنان والعالم، فإنّ مبادرات محلّيّة تؤكّد أنّ الحياة الموسيقيّة في المدينة لا تقتصر على المواسم الاحتفاليّة الكبرى، بل تنبع أيضًا من يوميّاتها ونسيجها الاجتماعيّ ومن إيمان أبنائها بأنّ الفنّ جزء أصيل من هويّتهم.

في هذا المناخ الثقافيّ ولدت تجربة كورال “ريشة ونغم” التي تقف خلفها نبيلة وهبي، رئيسة الجمعيّة وصاحبة فكرة الكورال ومؤسّسته وأمين سرّ الجمعيّة الدكتور حسين الجمال، فيما يتولى الموسيقيّ الزحلاويّ حليم كرم تدريبه، في امتداد جميل لجسر ثقافيّ يربط زحلة وبعلبك، تمامًا كما أحب ّالشاعر الزحلاوي الراحل ميشال طراد المدينة وعمل حارسًا لقلعتها.

بدأت الحكاية مع نبيلة وهبي التي وجدت في بعلبك “مدينة نابضة بالثقافة، لكنّها تفتقد إلى مساحة موسيقيّة وغنائيّة منظّمة تجمع أصحاب الشغف”. وكانت قد لمست تعطّش الناس لهذا النوع من النشاطات بعد استضافة كورال من دمشق حقّق حضورًا لافتًا في المدينة “وجدت الناس متشوّقة ومتعطّشة للموسيقى “ما دفعني إلى التفكير بتأسيس تجربة محلّيّة تنبع من بعلبك نفسها وتعكس صورتها الحقيقيّة”.

بدأت الحكاية مع نبيلة وهبي التي وجدت في بعلبك “مدينة نابضة بالثقافة، لكنّها تفتقد إلى مساحة موسيقيّة وغنائيّة منظّمة تجمع أصحاب الشغف”.

الغناء وبعلبك

تتابع وهبي حديثها لـ”مناطق نت” قائلة إنّ “الغناء جزء من الحياة اليوميّة في بعلبك، وإنّ أهل المدينة احتفظوا بعلاقة خاصّة مع الموسيقى في الأفراح والمناسبات والتجمّعات الشعبيّة”. ومن هذا الإيمان ولدت فكرة كورال “ريشة ونغم”، الذي انطلق بدايةً ككورال للسيّدات قبل أن يكبر تدريجًا ويستقطب شابّات وشبّانًا من مختلف الأعمار.

وسط هذه التجربة، وجدت فوزيّة حيدر، الأستاذة المتقاعدة من التعليم المهنيّ، “فرصة لإحياء شغف قديم بالموسيقى والفنون”، فعلى الرغم من مسؤوليّاتها المهنيّة والعائليّة، استطاعت أن تخصّص وقتًا للغناء، معتبرة أنّ “الموسيقى لا تتعارض مع واجبات المرأة، بل تمنحها طاقة إضافيّة تساعدها في مواصلة حياتها اليوميّة”.

ترى حيدر في حديثها لـ”مناطق نت” أنّ “الكورال لم يكن مجرّد نشاط فنّيّ، بل مساحة للتجدّد واكتشاف الذات، ورسالة لكلّ امرأة بأنّ العمر لا يشكّل عائقًا أمام تحقيق الأحلام”؛ داعية “كلّ السيّدات إلى الإنضمام وعيش التجربة”.

للسلام الداخليّ والفرح

أمّا رولا طالب خوري القادمة من تجربة الترتيل الكنسيّ، فقد ولجت عالم “ريشة ونغم” بالمصادفة خلال إحدى الأمسيات الثقافيّة، التقطت وهبي صوتها ودعتها إلى المشاركة في الكورال. ومنذ ذلك الوقت “أصبح الغناء جزءًا أساسيًّا من حياتي بل أولويّة”.

تصف خوري لـ”مناطق نت” الموسيقى بأنّها “مصدرٌ للسلام الداخليّ والفرح” وترى أنّها “تمنح الإنسان القدرة على تجاوز الضغوط اليوميّة والتوتّرات التي تثقل الحياة اللبنانيّة، وتعيد إليه شيئًا من التوازن والأمل” وختمت خوري حديثها “لن أترك الكورال ولو صار عمري سبعين عامًا”.

ومن زاوية مختلفة، تنظر سكينة عواضة، المعالجة النفسيّة، إلى الموسيقى على أنّها “وسيلة للتعبير عن الذات وفهمها بصورة أعمق”. وتشير في حديثها لـ”مناطق نت” إلى أنّ “وجود الكورال في بعلبك أتاح فرصًا كانت غائبة عن كثيرين ممّن يملكون الموهبة والرغبة في الغناء، لكنّهم لم يكونوا قادرين على التنقّل إلى مدن أخرى لممارسة هذا الشغف”. مؤكّدةً أنّ “الموسيقى تساعد الإنسان في التنفيس عن ضغوطه النفسيّة، وتمنحه مساحة للتواصل مع الآخرين والانفتاح على المجتمع”، منهية كلامها بدعوة “جميع الناس في عيد الموسيقى على الرغم من كلّ ما نمرّ به إلى أن ارقصوا، غنّوا، عيشوا وافرحوا”.

الهياكل شواهد التاريخ

يقرأ الفنّان ومدرّب الغناء حليم كرم التجربة من زاوية أوسع، فبالنسبة إليه، لا يختصر الكورال مجموعة من الأصوات المتناغمة، بل “يمثّل رسالة اجتماعيّة وثقافيّة سامية”. ويرى في السيّدات المشاركات دليلًا على أنّ “الموهبة لا تعرف عمرًا، وأنّ الأحلام المؤجّلة يمكن أن تجد طريقها إلى النور في أيّ مرحلة من الحياة”، كذلك يرى في الشباب “صورة عن حيويّة بعلبك وصلابتها، تلك الصلابة التي تشبه حجارة الهياكل التي عبرت العصور وبقيت شاهدة على التاريخ”.

يؤكّد كرم في حديثه لـ”مناطق نت” أنّ “الموسيقى نجحت في بناء مساحة مشتركة بين أفراد الكورال، وأنّ العلاقة التي نشأت بينهم تجاوزت إطار التدريب الفنّيّ لتصبح علاقة محبّة وانتماء”. وبرأيه، فإنّ “قيمة التجربة لا تكمن في الغناء وحده، بل في قدرتها على منح الناس فرصة لاكتشاف مواهبهم والتعبير عن أنفسهم مهما اختلفت أعمارهم وخلفيّاته”.

في عيد الموسيقى، تبدو تجربة “ريشة ونغم” أشبه بأغنية جماعيّة تخرج من قلب بعلبك. أغنية تحمل أصوات نساء استعدن أحلامهنّ، وشباب وجدوا مساحة للتعبير عن مواهبهم، ومدينة ما زالت تؤمن بأنّ الفنّ جزء من هويّتها. وبين أصداء الهياكل العتيقة وأصوات المشاركين في الكورال، تواصل بعلبك الغناء لنفسها وللآخرين، مؤكّدة أنّ الموسيقى ليست مجرّد احتفال عابر، بل فعل حياة دائم.

كورال ” ريشة ونغم”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى