جنوبيّون عائدون بلا خيارات لبيوتٍ متصدّعة وأسقفٍ متهالكة

لم تدمّر الحرب المندلعة منذ الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) العام 2023 آلاف المنازل في الجنوب وحسب، بل أدّت إلى تصدّع عشرات الآلاف منها أيضًا. وإذا كانت إسرائيل، بعد التوسّع الأخير للحرب منذ الثاني من آذار (مارس) الماضي، قد عمدت إلى تجريف معظم مباني القرى والبلدات الحدوديّة التي أُطلقت عليها تسمية «الخطّ الأصفر»، فإنّها، من خلال الغارات والقصف المتواصل الذي طال معظم قرى وبلدات الجنوب، دمّرت وصدّعت مجمل منازل هذه القرى.

من عاد إلى دياره، لم يجد خيارات كثيرة متاحة، فرتّب حياته في غرفة وجد أنّها متضرّرة بشكل أقلّ من بقيّة المنزل المدمّر في أجزاء كبيرة منه، ولم يسأل عن مدى صلاحيّة السقف الذي يعلوه. فقد ملّ الجنوبيّون النزوح مرّات عدّة، وكذلك السكن في مجموعات عائليّة أو لدى أقارب، والأهمّ أنّهم اشتاقوا إلى هذه المساحة الخاصّة جدًّا، والتي تعني لهم كثيرًا من الحياة، حتّى لو كانت فوق الركام والدّمار.

سكن بين الركام

تتباين الأضرار التي لحقت بالأبنية في الجنوب جرّاء الحرب، لكنّ خطورة ما يحصل اليوم أنّ العائدين إلى قراهم، وتحديدًا أولئك الذين لا بديل لديهم من منازلهم، يعمدون مضطرّين إلى السكن بين ركام منازلهم، في غرف يستصلحونها على عجل، في ظلّ أخطار محدقة بهم ناتجة عن تصدّع المبنى ووضعه الآيل إلى السقوط في أيّ لحظة.

ويؤكد الباحث في الدوليّة للمعلومات، محمّد شمس الدين، لـ«مناطق نت»، أنّه بين الحربين 2024 و2026، بلغ عدد المباني التي دُمّرت بشكل كلّيّ 91 ألفًا، بينما بلغ عدد المباني المدمّرة جزئيًّا 134 ألفًا، و345 ألفًا هو عدد المباني المصابة بأضرار طفيفة؛ فيما لا تزال مبانٍ كثيرة مهدّدة بالانهيار، ولا أرقام نهائيّة طالما تنسف إسرائيل أحياء بكاملها في الجنوب، لا سيّما في المنطقة الواقعة ضمن الخطّ الأصفر وخارج شمال نهر الليطاني.

سقفٌ لم يصمد

لينا حجازي (أمّ علي) هي واحدة من هؤلاء الذين عادوا إلى منازلهم في بلدة كفرا الجنوبيّة (قضاء بنت جبيل). فور عودتها، يعد إعلان دخول لبنان هدنة في الـ20 من حزيران (يونيو) الماضي، أزالت الركام ونظّفت غرفة واحدة داخل منزلها، كي تعيش فيها هي وزوجها وأولادهما الأربعة، فخاضت معهم تجربة سقوط سقف الغرفة التي سكنوا بعد عودتهم إلى الجنوب. تقول لـ«مناطق نت»: «كان منتصف ليل اليوم الـ12 بعد العودة، أذكره جّيدًا؛ استفقنا أنا وأولادي على صوت وقوع حجارة كانت جزءًا من السقف».

وتضيف: «ربّما كانت أشبه بإنذار لنا كي نغادر الغرفة، وما إن سارعنا إلى الخروج منها نحو باحة المنزل، حتّى سقطت أجزاء أخرى، وتسبّبت في تحطيم بلاط الأرض. شعرت بالخوف، كما بقيّة أولادي، وأخبرت زوجي أنّني أخاف البقاء في البيت، إذ بات غير صالح للسكن».

منازل مصدّعة جرّاء الحرب في الجنوب بمثابة قنابل موقوتة
بيت بحروب متعاقبة

تروي حجازي قصّتها مع منزلها الذي تقطنه منذ عقود: «هو قديم، عمره تخطّى الـ40 سنة، وقد مرّ عليه حروب متعاقبة أتعبته وأصابته بأضرار كثيرة، من بينها حروب الـ1996 و2006 و2024 و2026، وفي كلّ جولة حرب، كان يبقى متماسكًا ظاهريًّا، لكنّه خائرٌ باطنيًا، علمًا أنّه في كلّ مرّة كان يُعاد ترميمه على رغم الصواريخ الإسرائيليّة الكثيفة التي هدمت منازل مجاورة له، وكان له نصيب من التصدّع والتشقّق”.

تمّ ترميم المنزل مرّات ومرّات، تقول حجازي: «أعتقد اليوم أنّه بات بحاجة إلى هدم وإعادة بناء، إذ لا يكفي ترميمه فقط، بل يجب جرفه بالكامل، كي نضمن أنّه لن يشكّل خطرًا علينا في المستقبل». لكنّ حجازي لا تملك أموالًا كافية لمثل هذه الخطوة، ومن يأتِ لتقييم المنزل من المعنيّين، دائمًا ما يضع في بيانات الكشف لديه أنّ المنزل قابل للترميم، ويتمّ تعويضها بالأموال التي تكفي لهذه الغاية فقط.

ومثل حجازي، ربّما هناك كثيرون لم نسمع عنهم أو نعرفهم، لكنّهم حتمًا مرّوا بحوادث مشابهة. فالجنوب لم يعد على حاله السابقة، بل بات يطغى عليه مشهد الخراب الذي أحدثه القصف الإسرائيليّ.

يكفيني فراشٌ ووسادة

«لا خيارات كثيرة»، تقول السيّدة الستينيّة ثريّا عبّود من بلدة دير عامص (قضاء صور)، وتضيف لـ«مناطق نت»: «سأفترش ولو زاوية في المنزل وأعود إليه؛ لا أريد أن أعيش حياة التشرّد من جديد». إذ منذ إعلان وقف إطلاق النار، تتنقّل عبّود بين منازل ابنتيها، وتريد أن تعود وتستقرّ حيث اعتادت على حياة خاصّة بها.

أمّا منزلها فهو في حال يُرثى لها: كوم حجارة، جدران منهارة أو مثقوبة، مقتنيات مبعثرة، نوافذ وأبواب متطايرة. علمًا أنّ حال منزلها يشبه حال غالبيّة منازل الجنوبيّين، هو ليس استثناءً؛ بل نكبة متشابة بكلّ ما للكلمة من معنى.

خسرت الفلّاحة الجنوبيّة مصدر رزقها الوحيد خلال الحرب. تقول عبّود: «كنت أُربّي الماشية، وكان لديّ سبعة رؤوس بقر وبعض الماعز، أرعاها وأبيع حليبًا ولبنًا وأصنع الجُبن، خسرتها جميعها خلال الحرب الأخيرة، ومثلها في الحرب السابقة (2024)، ولم يبقَ لي شيء». بالتالي، لا قدرة لعبّود على استئجار منزل يؤويها. تُعلّق: «أحلم بفراش ووسادة وأن أسكن في بيتي، لا أريد أكثر من ذلك».

بالضاحية.. لا أبواب ولا نوافذ

لا يختلف الأمر في ضاحية بيروت الجنوبيّة، فالناس تسكن راهنًا في مبانٍ متضرّرة أيضًا. ومنذ أيّامٍ قليلة، وبشكل فجائيّ، انهار جزء من مبنى سكنيّ في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبيّة، كان قد سبق وتعرّض للقصف الإسرائيليّ خلال الحرب، دون تسجيل أيّ إصابات بشريّة.

فيروز عيسى، تعيش راهنًا داخل منزلها في برج البراجنة، تقول لـ«مناطق نت»: «عُدنا إلى منزلنا في الضاحية، رتّبنا ما يمكن ترتيبه. المبنى متضرّر، لا أبواب ولا نوافذ، ولكن على رغم التعب وعدم الراحة، وجدنا أنّ السكن في بيتنا أفضل بكثير من استئجار منزل آخر».

وتُضيف عيسى «في النهاية، لا يرتاح أحدنا إلّا في منزله. نسعى حاليًّا إلى إجراء كشف على المنزل، والمهمّ ألّا ينهار المبنى، وألّا تعود الحرب فنضطّر إلى النزوح من جديد». وتختم: «أجرى اتّحاد بلديّات الضاحية مسحًا للأضرار، وتمّت معاينة المباني المتضرّرة ونسبة الضرر فيها، وقالوا إنّ المبنى الذي نسكن فيه لا يزال صالحًا للسكن، على أمل البدء بالترميم في وقت قريب».

لا يختلف الأمر في ضاحية بيروت الجنوبيّة، فالناس تسكن راهنًا في مبانٍ متضرّرة أيضًا. ومنذ أيّامٍ قليلة، وبشكل فجائيّ، انهار جزء من مبنى سكنيّ في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبيّة

تدابير موقّتة للسكن الآمن

«هي ليست بحربين»، يقول أستاذ الهندسة المدنيّة والإنشائيّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت، منير مبسوط، «بل حرب ممتدّة منذ الثامن من تشرين الأوّل 2023، ولا تزال مستمرّة حتّى اليوم، وقد خلّفت إسرائيل كثيرًا من الدمار والخراب في قرى وبلدات الجنوب، وكذلك في بيروت وضاحيتها الجنوبيّة والبقاع».

ويضيف لـ«مناطق نت»: «شهد الجنوب وما زال يشهد الدمار الأكبر، لذا فإنّ أمر سلامة المباني في القرى والبلدات هناك مهمّ للغاية، وهو متعلّق بالوضعيّة القائمة راهنًا، وما تعرّضت له هذه المباني من ضربات مباشرة أو محيطة، ولمرّات عديدة منذ أكثر من ثلاث سنوات».

ويؤكّد مبسوط: «عادةً ما تتكوّن المنازل هناك من طابق أو اثنين، وقد تكون صالحة للسكن حاليًّا أو خلاف ذلك، لكن هناك أمور أساسيّة لا بدّ من أخذها في عين الاعتبار عند العودة والسكن: حال الأعمدة الأساسيّة والجدران الحاملة والضرر والشقوق الظاهرة فيها». هي أمور يمكن ملاحظتها إمّا عبر صاحب المنزل المعنيّ أو من خلال الاستعانة بمهندس أو «معلّم العمار». علمًا بأنّ غالبيّة الأبنية الجنوبيّة فيها أعمدة باطون مسلّح.

أخذ الحيطة والحذر

وبحسب مبسوط، «عادةً ما تكون المنازل في القرى أقلّ حملًا مقارنةً مع الأبنية المتعدّدة الطوابق في المدن والضاحية الجنوبيّة لبيروت على سبيل المثال، وإذا لم تتعرّض سابقًا أو راهنًا لضربات إسرائيليّة مباشرة ومحدّدة، فهذا يعني أنّها بكليّتها أو بجزء كبير منها قد تكون صالحة للسكن، وعلى رغم ذلك: لا بدّ من أخذ الحيطة والحذر».

وعن مخاوف الناس، أكّد مبسوط أن «لا نستسهل الأمور، ولكن لا نبالغ في الخوف أيضًا». وعن الحلول الموقّتة، يُخبرنا عن خطوات بسيطة يمكن اتّخاذها، مثل: «تدعيم جزئيّات متضرّرة للمنزل، بوضع ‘مورينات‘ خشبيّة أو حديديّة حول الأعمدة المتضرّرة أو تحت السقوف المشقّقة موضعيًّا لتجنّب سقوط أجزاء من السقف على قاطنيه. والفكرة أنّه يمكن استعمال هذه الغرف المدعّمة مع وجود هذه الدعائم. أمّا في حال كان الضرر كبيرًا في الأعمدة والسقوف، فيجب تدعيمها أيضًا، ولكنّ الأفضل تجنّب استعمال هذه الجزئيّات من المنزل».

ويشير مبسوط إلى أنّ: «مثل هذه الخطوات البسيطة، لا تعيد المنازل إلى ما كانت عليه، لكن تجعلها صالحة للسكن الموقّت ليس أكثر، مع التأكيد على ضرورة تقييم كلّ منزل على حدة».

عودة على رغم الخطر

في الجنوب، لا تنتهي معاناة الناس بمجرّد أن يسكنوا تحت سقوف منازلهم، بخاصّة في ظلّ الوضع الأمنيّ المتزعزع، لكن على رغم ذلك، وعلى رغم خطورة تصدّع منازلهم، تبقى العودة، بالنسبة إليهم، كفيلة بعودة الروح إلى أجسادهم، فتلك منازل ليست حجارة، بل هي المسكن والذكريات والتفاصيل والناس والجلسة الحلوة التي اعتادوها وعشقوها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى