صور تستعيد نبضها بظلال هدنة هشّة

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في الـ 20 من حزيران (يونيو) الماضي، والذي لا يزال هشًّا، عادت الحياة إلى مدينة صور لتدبّ من جديد، فعادت تعجّ بأهلها وأهالي القرى الحدوديّة، لا سيّما القطاع الغربيّ، ممّن استقرّوا في المدينة بعد نزوحهم من قراهم وبلداتهم عقب حرب الإسناد في 8 أكتوبر/ تشرين أوّل 2023. هذا الاستقرار النسبيّ، دفع بلدية صور إلى إعادة افتتاح الخيم البحريّة إيذانًا بانطلاق الموسم الصيفيّ الذي تشتهر به المدينة.

ويعوّل أبناء صور وأصحاب المؤسّسات السياحيّة على هذا الموسم لإعادة تنشيط الحركة الاقتصاديّة والتجاريّة وإعادة الانتعاش إلى الكورنيش والمطاعم والمقاهي والأسواق، وسط أجواء من التفاؤل بعودة اللبنانيّين المغتربين للاستمتاع بأحد أجمل الشواطئ على الساحل اللبنانيّ.

حركة اقتصاديّة خجولة

يشرح نائب رئيس جمعيّة تجّار صور، حسن ضاهر، في حديث لـ”مناطق نت”، أنّ “الحركة التجاريّة في صور ومنطقتها ما زالت خجولة مقارنةً بالأعوام الماضية، ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّها تأتي بعد انتهاء الحرب فيمكن القول إنّها جيدة”، مضيفًا “هناك مؤشّرات على أن هذه الحركة بدأت تنمو قليلًا، ونأمل أن تتصاعد تباعًا ابتداءً من منتصف الشهر الحاليّ، إذ إنّ المغتربين بدأوا يتوافدون، وهذا ما يمكن ملاحظته في متاجر الملابس والمقاهي والمطاعم”.

ويلفت ضاهر إلى أنّ “هناك ازدحامًا في المدينة سببه أنّ معظم أهالي القرى الحدودية المحتّلة يقطنون فيها وفي محيطها”. ويُشير إلى أنّ “هناك تريّثًا من قبل المواطنين للبدء بعمليّة إصلاح منازلهم، أو في إعادة شراء أثاث منزليّ، وذلك بسبب المخاوف من تجدّد الحرب”، مؤكّدًا أنّ “الأعمال ما زالت تقتصر على بعض التصليحات الصغيرة”.

 إحصاءات أضرار الحرب

يأتي ذلك في ظلّ محاولة أبناء المدينة معالجة آثار الحرب الإسرائيليّة التي أدّت إلى دمار كبير في شوارعها وأزقّتها ومبانيها ومؤسّساتها. من ناحيته يُقدّم نائب رئيس بلديّة صور، علوان شرف الدين، في حديث لـ”مناطق نت”، خريطة الخسائر والأضرار التي أصابت المدينة خلال الحرب، مشيرًا إلى أنّ “عدد المباني السكنيّة المدمّرة كلّيًّا بلغ 27 مبنى، تختلف عدد الوحدات السكنّية فيها بين مبنى وآخر، فمنها ما هو مؤلّف من وحدتين ومنها ما هو مؤلّف من 10 وحدات أو أكثر”.

ويلفت شرف الدين إلى أنّ “الحصيلة الأوّليّة تُظهر أن هناك نحو 270 وحدة سكنيّة مدمّرة كلّيًّا، بالإضافة إلى المؤسّسات التجاريّة التي لم يتمّ إحصاؤها بشكل تفصيليّ، ولكن هناك ما بين خمسة إلى ستّة محال في كلّ مبنى سكنيّ مُدمّر”.

أمّا على مستوى الأضرار الجزئيّة فهي كبيرة جدًّا، إذ إنّ “كلّ مبنى تمّ استهدافه أدّى إلى تدمير كبير في محيطه، ووفق الإحصاء الأوّلي فهناك من 800 إلى 1000 وحدة سكنيّة تعرّضت لتدمير كلّي وجزئيّ”.

والجدير بالذكر أنّ فرق الأشغال التابعة لمجلس الجنوب باشرت، الأسبوع الماضي، أعمال رفع ركام أربعة مبانٍ مهدّمة في مدينة صور، جرّاء العدوان الإسرائيليّ الأخير، وذلك بالتنسيق مع بلديّة صور، على أن تقوم تباعًا باستكمال إزالة الركام.

جانب من الدمار في مدينة صور
محاولة ضبط الإيجارات

هذا على مستوى الأضرار، أمّا على مستوى النازحين، فيلفت شرف الدين إلى أنّه “خلال الحرب لجأ إلى المدينة ومحيطها من 20 إلى 25 ألف نازح، وتمّ افتتاح 16 مركز إيواء ضمّت نحو خمسة آلاف نازح”، موضحًا أنّ “عدد هؤلاء انخفض إلى نحو 2500 نازح ما زالوا يقطنون في هذه المراكز بسبب استحالة العودة إلى قراهم التي ما زالت محتلّة ومدمّرة بالكامل”.

وحول ما إذا كانت المدينة تشهد زيادات كبيرة في أسعار الإيجارات نتيجة الطلب المتزايد على الوحدات السكنية. يلفت شرف الدين إلى أنّ البلديّة أصدرت بيانًا بعنوان “لا للاستغلال والزيادات غير المنطقيّة في بدلات الإيجار”، بهدف “حثّ المالكين على الرحمة بالمستأجرين خصوصًا وأنّنا خرجنا من حرب، والمواطنين يعانون من تدمير منازلهم وخسارة مصادر رزقهم وأعمالهم”.

ويوضح شرف الدين أنّ “هذا البيان يبقى ضمن إطار الطلب والتمنّي إذ إنّه وفقًا للقانون لا يمكننا فرض سعر إيجار مُعيّن على المالك، إذ إنّه يقع ضمن إطار العرض والطلب”. ويلفت إلى أنّ البلدّية طلبت كذلك “تسجيل عقود الإيجارات لديها لضمان الحصول على الضريبة المُستحقّة وكنوع من الرقابة على الإيجارات”.

تعويل على موسم الصيف

ولا شك في أنّ أهالي المدينة يعوّلون بشكل كبير على الموسم الصيفيّ لتحريك العجلة الاقتصاديّة. ومع الدخول في منتصف شهر تموز/ يوليو الجاري، يبدو أنّ شاطئ المدينة بدأ يستعيد نبضه تدريجًا، إذ عادت الحركة إلى رماله بعد فترة من الهدوء. ثمّة أطفال يلهون على الشاطئ، وعائلات تقصد البحر، فيما تستقبل المقاهي والخيم البحريّة زوّارها من جديد، في مشهد يعكس رغبة الأهالي في استعادة مظاهر الحياة الطبيعيّة على رغم الظروف المحيطة.

وتتميّز مدينة صور بموقعها السياحيّ الفريد، إذ تجمع بين شاطئها الرمليّ الممتدّ وإرثها التاريخيّ الغنيّ. وفي العام 2019، أدرج موقع «ناشيونال جيوغرافيك» شاطئ مدينة صور ضمن مقال عن «أفضل الشواطئ في الشرق الأوسط»، مشيدًا بنقاء مياهه وطبيعته الساحرة، واصفًا إيّاه كوجهة مفضّلة لهواة الغوص الذين يقصدونه لاستكشاف بقايا الآثار الرومانيّة الغارقة في مياهه.

الخيم البحريّة

يوضح شرف الدين أنّ “شاطئ محميّة صور الطبيعيّة يضمّ 50 خيمة سياحية هي عبارة عن مقاهي ومطاعم يمكن للمواطنين ارتيادها”، كذلك يمكنهم ارتياد الشاطئ من دون المكوث في أيٍّ من هذه الخيم، وهذا ما يجعله من أكبر الشواطئ المجّانيّة في لبنان. وتُقدّر البلديّة عدد الزائرين بما يفوق الـ 10 آلاف زائر في كلّ يوم عطلة خلال الموسم الصيفيّ الماضي”.

هكذا، يمكن القول إنّ شاطىء صور يُشكّل ركيزة أساسيّة لاقتصاد المدينة، إذ لا يقتصر الانتعاش الاقتصادي على الشاطئ فقط، بل يتعداه إلى قطاعات عديدة في قلب المدينة، تشمل المطاعم والمقاهي والفنادق والأسواق الشعبيّة والصيّادين وقطاع النقل، وهو ما يجعل أيّ تحسّن في النشاط السياحيّ ينعكس مباشرة على الحركة الاقتصاديّة في صور، فـ” زوّار الشاطئ لا يكتفون بالسباحة وإنّما يعمدون إلى التنقّل في المدينة خصوصًا الزوّار من المناطق البعيدة”، وفقًا لشرف الدين.

أمّا في ما يتعلّق بالموسم الحاليّ، يؤكّد شرف الدين أنّ “البلدية رصدت إقبال المواطنين على الشاطىء من مناطق لبنانيّة مختلفة، إلّا أنّه من المتوقّع أن ينخفض عدد هؤلاء مقارنةً بالسنوات الماضية، إذ إنّ عديدًا من المواطنين ما زالوا يخشون زيارة الجنوب، بخاصّة لأنّ إسرائيل ما زالت تحتلّ قسمًا من قرى قضاء صور وتستهدف المواطنين في المناطق القريبة من مدينة النبطيّة”.

شاطئ صور يستعيد حركته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى