على خطوط القلق: عودة حذرة لأهالي شقرا وبرعشيت

هذه أرضنا، ولا يمكن أن نبقى بعيدين منها”. في برعشيت وشقرا – دوبيه، لم ينتظر كثير من الأهالي اكتمال ورش الترميم ولا تبدّل المشهد الأمنيّ نحو استقرار. فتحوا أبواب منازلهم ومتاجرهم، وأعادوا ترتيب ما خلّفه العدوان الإسرائيليّ، تمهيدًا لعودة الحياة إلى البلدتين الواقعتين في قضاء بنت جبيل جنوبيّ لبنان.
بعد أشهر من الحرب، عاد قسم من أبناء البلدتين إلى منازلهم، فيما حالت كلفة ترميم المنازل دون عودة آخرين، في ظلّ غياب التعويضات من أيّ طرف كان، وعدم انطلاق ورش إعادة التعمير، إلى جانب استمرار التوتّر الأمنيّ.
وعلى الرغم من عودة الخدمات الأساسيّة تدريجًا، وإعادة افتتاح عدد من المؤسّسات التجاريّة، فإنّ الحركة السكّانيّة لم تستعد وتيرتها السابقة بعد. أمّا القرى المجاورة، مثل كونين وبيت ياحون، لا تزال خالية من سكّانها بسبب حجم الدمار، فيما لا يزال الجيش الإسرائيليّ يتمركز في أجزاء منهما. كذلك فإنّ ميس الجبل وغيرها من القرى، لم تزل خالية من سكّانها مع استمرار الوجود الإسرائيليّ فيها.
وتواصل إسرائيل اعتداءاتها على جنوب لبنان عبر غارات جّويّة وتحليق المسيّرات، في ظلّ رفضها الانسحاب من الأراضي التي لا تزال تحتلها. وإذا كان الجيش الإسرائيليّ لم يدخل إلى بلدتيّ برعشيت أو شقرا، فإنّه وصل إلى أطراف برعشيت ومنطقة “دوبيه” (نسبة إلى قلعة دوبيه الصليبيّة) التابعة عقاريًا لبلدة شقرا، كي تبقى حال اللّايقين حاضرة في يوميّات السكّان ممّن عادوا.

عودة متأرجحة إلى برعشيت
في برعشيت، يصف رئيس البلديّة عباس فرحات واقع البلدة بكلمات تختصر حجم التحّديات. فيقول: “لا يمكن اعتبار برعشيت بلدة منكوبة بالكامل، ولا يمكن القول أيضًا إنّها بخير، يمكن اعتبرها واقعة بين الأمرين. فآثار الحرب موزّعة في معظم أحياء البلدة، فيما تعدّ الساحة العامّة أكثر المناطق تضرّرًا، بعدما دمّرت الغارات عددًا من المباني المحيطة بها، بينها المسجد ومنازل سكنيّة”.
يتابع فرحات لـ”مناطق نت”: “كانت البلدة تضمّ قبل الحرب نحو 3200 نسمة، أيّ ما يقارب 800 عائلة، بينما عاد إليها اليوم نحو 1700 فرد، أيّ قرابة 430 عائلة فقط”. ويضيف: “حجم الدمار يفسّر هذا التراجع، إذ دمّرت اعتداءات إسرائيل 120 منزلًا بالكامل، وتضرّر نحو 1240 منزلًا بدرجات متفاوتة، بينها أكثر من خمسين منزلًا تعرّضت لأضرار جسيمة تستدعي الهدم، ما يرفع عدد المنازل التي تضرّرت بالكامل أو أصبحت غير صالحة للسكن إلى نحو 170 منزلًا”.
ولا تزال مناطق عدّة في البلدة خارج إرادة أصحابها، منها حارة بيت عبد النبي، وتلّة “بلعويل”، و”بئر السهلة”، التي تشكل نقاطًا خطرة بسبب الاعتداءات الإسرائيليّة. ويشير فرحات إلى أنّ “أحد أبناء البلدة أُصيب خلال محاولته نقل أغراضه من منزله بعد استهداف المنطقة من مسيّرة، ما دفع البلديّة إلى إغلاق بعض الطرق حفاظًا على سلامة السكّان”.
إزالة آثار الحرب
منذ الأيّام الأولى لوقف إطلاق النار، بدأت البلديّة في إزالة آثار الحرب. وكانت الأولويّة، وفق فرحات، لانتشال جثامين الشهداء، ثمّ فتح الطرقات وإزالة الردميّات، قبل إعادة تشغيل الخدمات الأساسيّة تدريجًا. فعادت خدمة “مولّدات الكهرباء” إلى قسم كبير من الأحياء، واستؤنفت خدمات الإنترنت، وأُجريت أعمال صيانة لشبكات المياه والصرف الصحّيّ، “فيما يواصل موظّفو البلدية عملهم يوميًّا من دون انقطاع”.
لكنّ فرحات يرى أنّ استقرار البلدة يرتبط بتأمين مقوّمات العيش للعائلات التي فقدت منازلها. ويشير إلى أنّ “البلديّة حصلت على موافقة لتحويل المدرسة الرسميّة إلى مركز إيواء موقّت، وبدأت تجهيزها بالمرافق والخدمات الأساسيّة، بالتوازي مع مساعٍ لتأمين بيوت جاهزة”. ويختم حديثه بأسف: “حتّى اليوم لم نتلقَّ أيّ تعويضات أو مساعدات رسميّة من أيّ جهة.. نحن وحدنا في كلّ شيء”.

بين جهود البلديات والأهالي
في موازاة جهود البلديّتين، بادر أصحاب المؤسّسات التجاريّة إلى إصلاح الأضرار التي لحقت بمحالهم وإعادة فتح أبوابها، انطلاقًا من قناعة بأنّ عودة الخدمات تشجّع الأهالي على الرجوع إلى بلداتهم.
يقول صاحب “سوبّرماركت” في برعشيت، حسين بعلبكي لـ”مناطق نت” إنّه عاد إلى البلدة مباشرة بعد وقف إطلاق النار، واحتاج إلى نحو أسبوع لإزالة آثار الأضرار التي لحقت بالمنزل والمحل، وإصلاح شبكتيّ الكهرباء والمياه، قبل أن يعيد افتتاح “السوبّرماركت”.
ويتحدّث بعلبكي بنبرة يملؤها الإصرار وهو يشرح سبب عودته، معتبرًا أنّ استمرار المؤسّسات التجاريّة في العمل يمنح الناس دافعًا إضافيًّا نحو الرجوع. ويقول: “إذا بقيت المحال مغلقة، فسيتردّد الناس في العودة. هذه أرضنا، ولا يمكن أن نبقى بعيدين منها”.
وعلى رغم توافر البضائع، فإنّ الحركة التجاريّة لم تستعد زخمها بعد. معظم الزبائن اليوم هم من أبناء البلدة الذين عادوا إلى منازلهم، ويقصدون الـ”سوبّرماركت” لشراء مواد التنظيف والاحتياجات الأساسيّة، لأنّ كثيرين ما زالوا منشغلين بإزالة آثار الحرب من بيوتهم. ويشير بعلبكي إلى أنّ أيّ تصعيد أمنيّ يدفع بعض العائلات إلى مغادرة البلدة مجدّدًا، قبل أن تعود مع هدوء الأوضاع.
عودة على وقع الخطر
أمّا في بلدة شقرا، فتبدو الصورة مشابهة، وإن اختلف حجم الأضرار. يقول رئيس البلديّة إسماعيل زين إنّ “العدوان طال الطرقات، وشبكات المياه والكهرباء، والمنازل، والمدرسة، والبلديّة، والحسينيّة، والمرافق العامّة”. يتابع لـ”مناطق نت”: “قبل الحرب، كانت البلدة تضمّ نحو 1500 عائلة، أيّ ما يقارب ستة آلاف نسمة، إضافة إلى عائلات من القرى المجاورة وأخرى من التابعيّة السوريّة. أمّا اليوم، فقد عادت نحو 900 عائلة، ومن المتوقّع أن يرتفع العدد تدريجًا مع تحسّن الخدمات.”
وبحسب الإحصاءات الأوّليّة للبلديّة، دُمّر نحو 70 مبنىً كلّيًّا، تضمّ قرابة 270 وحدة سكنيّة، فيما تعرض نحو 70 مبنىً أخرى لأضرار جسيمة، إلى جانب أضرار متفاوتة أصابت نحو ألفي وحدة سكنيّة في مختلف أحياء البلدة. ويشير زين إلى أنّ “الشارع العام، الذي يضمّ معظم المحال التجاريّة، ووسط البلدة، كان أكثر تضرّرًا”.
ولا يزال الهاجس الأمنيّ يرافق أبناء شقرا. فخلال الحرب، وصل الجيش الإسرائيليّ إلى منطقة دوبيه التابعة عقاريًا للبلدة، وهي المنطقة التي تؤدي إلى حولا وميس الجبل ووادي السلوقي والحجير. وبحسب بلديّة شقرا – دوبيه، أُقفلت الطريق المؤدّيّة إلى منطقة “دوبيه”، التابعة عقاريًّا للبلدة، بالتنسيق مع الجيش اللبنانيّ، بعدما وصل إليها الجيش الإسرائيليّ خلال الحرب. وتؤكّد البلديّة أنّ الأهالي لا يستطيعون الوصول إلى هذه المنطقة، كما هي الحال في منطقة “بئر السهلة” من جهة برعشيت، نظرًا إلى المخاطر الأمنيّة.
مبادرات محلّيّة
ويلتقي رئيسا بلديتيّ شقرا – دوبيه وبرعشيت عند نقطة واحدة، فكلاهما يؤكّد أنّ الأولويّة بعد وقف إطلاق النار كانت لانتشال جثامين الشهداء، وفتح الطرقات، وإزالة الركام، وإعادة الخدمات الأساسيّة. كذلك شدّدا على أنّ التعويضات لم تصل بعد، وأن البلديّتين تعتمدان إلى حدّ كبير على المبادرات المحلّيّة ودعم أبناء البلدتين لمواصلة العمل.
وعلى رغم عودة قسم من السكّان، إلّا أن القلق لا يغيب عن يوميّاتهم. فمع حلول الليل، تتردّد في البلدتين أصوات التفجيرات وعمليّات التمشيط، إلى جانب حركة الجرّافات والدبّابات الإسرائيليّة في القرى المجاورة التي لا يزال الجيش الإسرائيليّ موجودًا فيها، وهو ما يبقي شعور الاستقرار بعيد المنال، حتّى بالنسبة إلى العائلات التي قرّرت العودة.

مشاهد لا تغادر الأذهان
في شقرا، عاد الشاب حسن ويزاني إلى بلدته فور وقف إطلاق النار. يقول لـ”مناطق نت” إنّ كثيرًا من أبناء البلدة تواصلوا معه منذ الأيّام الأولى، يسألونه إن كان أعاد فتح استوديو التصوير. يتابع “هذه الاتّصالات كانت كافية لحسم قراري بالعودة، بعدما لمست حاجة الناس إلى أيّ مؤشّر يعيد إليهم شيئًا من الحياة الطبيعيّة”.
إلى جانب عمله مصورًا، تطوّع ويزاني في “جمعيّة الرسالة للإسعاف الصحّيّ – جهاز الدفاع المدنيّ”، وشارك في عمليّات الإسعاف والإنقاذ خلال الحرب. وحينما يروي ما عاشه خلال الحرب، يهدأ صوته بينما يتحدّث كيف أمضى ساعات مع زملائه تحت القصف وتحليق المسيّرات في محاولة لإنقاذ شاب عالق تحت الأنقاض، إلى أن تمكّنوا من سماع صوته وإخراجه حيًّا. ويقول: “هذا المشهد سيبقى حاضرًا في ذاكرتي”، قبل أن يضيف أنّ أوّل ما فعله بعد عودته كان توثيق الشوارع والمنازل المتضرّرة، حتّى تبقى الصور شاهدة على ما عاشته البلدة.
وتبدّلت طبيعة العمل داخل الاستوديو بعد الحرب. فبدل تصوير المناسبات، انشغل في الأيّام الأولى بطباعة صور الشهداء الخاصّة بمراسم التشييع والتأبين، وتصوير المستندات المطلوبة لاستكمال ملفّات الأضرار والتعويض، إلى جانب مساعدة البلديّة في تجهيز الملفّات التي يحتاجها الأهالي.
أحلام كثيرة وأمل بالعودة
أما الشابة فاطمة عبيد، فتختصر حكايتها ما عاشه كُثر من أبناء برعشيت. أمضت عائلتها أشهرًا في ترميم منزلها الذي تضرّر خلال الحرب السابقة، حتّى أصبح جاهزًا للسكن في الأوّل من آذار (مارس)، قبل يوم واحد فقط من توسّع الحرب، وكانت تستعدّ لقضاء عيد الفطر فيه. لكنّ المنزل تعرّض لأضرار جديدة قبل أن يدخله أصحابه.
تتحدّث عبيد لـ”مناطق نت” عن حنين إلى بلدتها أكثر ممّا تتحدث عن الخسائر. وتقول: “سنعيد أنا وعائلتي ترميم المنزل مهما طال الوقت”. وتردف: “أحلم بترك عملي في بيروت وافتتاح مكتب هندسيّ في برعشيت”، فيما يخطّط والداها للعودة والاستقرار فيها. ثمّ تضيف: “لو أستطيع أن أقبّل تراب البلدة وأعيش فيها، فلن أتردّد”. وتتوقّف لحلظة قبل أن تكمل “كلّ شيء يُعوَّض إلّا أرواح الشباب”.
في برعشيت وشقرا، يحاول الأهالي استعادة حيويّتهم يومًا بعد يوم. يرمّمون منازلهم، ويعيدون فتح مؤسّساتهم، ويتمسّكون بقراهم، فيما تذكّرهم أصوات الانفجارات الآتية من القرى المجاورة، كلّ ليلة تقريبًا، بأنّ الطريق إلى الاستقرار ما زال طويلًا.





