كان أكبر انتصاراتي اليوم أنني صنعتُ فنجان قهوة

صار فكّ رموشي عن بعضها في الصباح ثقلاً جديداً. أمسك طرف الستارة وأزيحها جانبًا لأرى أن النهار قد بدأ من جديد، فأعاود إغلاقها.
كيف للأيام أن تتوالى، وللحياة أن تستمر بشكلها الطبيعي، ونحن نعاني؟ أشعر بأن لي حقًّا على الشمس بألّا تشرق مجددًا إلا وأنا في الجنوب.
أقوم من سريري بخطوات متثاقلة، وأفتح هاتفي لأتصفح الأخبار. اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقِّع ليلاً، قد انمحى حبره مع الغارات صباحًا، واختلطت التواقيع فيه بدماء من سقطوا شهداء الغدر للمرة الألف. أحاول الصلاة. ما زلت أنتظر غيثًا من السماء. تنهار ركبتاي في أول ركوع، ثم ينقسم ظهري عند أول سجود، ألم يرضَ الله بعد؟ أعدّل جلستي وأقول لنفسي ما قاله الماغوط: “سأمحو ركبتي بالممحاة، سأكلهما حتى لا أجثو لعصر أو لتيار أو لمرحلة”.
أنهي صلاتي ونداءات استغاثتي، وأتجه إلى المطبخ الصغير الذي لا يتسع لشخصين. أشعل النار تحت الركوة. أتصفح منصتيّ فيسبوك وإنستغرام، فأرى قوافل العائدين وقد أنهكهم التعب. يحاولون انتزاع النصر، أو فرحةً ما تصبّرهم على خسائرهم، وتمنح معنى لصمودهم وتضحياتهم وسط الفوضى العارمة.
ومنشورات أخرى لأبناء القرى التي ما زالت محتلة، وهم يختنقون بحسرتهم ويتمنون عودةً لا رجوع منها.
خيمة فوق ركام بيتي
أحاول منذ أسبوع إيجاد بيت في الجنوب، وأبحث في الوقت نفسه عن بيت آخر في منطقة آمنة. كنت سأرضى بأن يعيدني أي اتفاق إلى مشارف ضيعتي؛ ألقي نظرة على العمر الذي ضاع، ونظرة أخرى على العمر الذي يضيع. ألجأ إلى مدونتي كي أزيح صفائح الحديد عن صدري. قالوا لي: لم تعد هناك بيوت متاحة للإيجار في الجنوب.
ورغم هشاشة الاتفاق والخروقات المستمرة، كانت كل الشقق التي اتصلت من أجلها محجوزة سلفًا. أفهم هذا الشوق جيدًا، وهذه اللهفة. أعرف ماذا يعني أن يخاطر المرء بروحه من أجل العودة إلى الديار. لا ألوم أحدًا، وسيكفيني انسحابٌ كامل وخيمةٌ فوق ركام بيتي.
غلت الركوة
أقف قرب الركوة، أنتظر الماء ليغلي. إنها دقيقة، وربما دقيقتان، لكنني في رأسي وصلت إلى وادي العيون، إلى الساحة، ثم إلى العلالات، وأخيرًا إلى درب القوزح. نزلت من السيارة ومشيت حافية القدمين. غلت الركوة، وأصدرت ضجيجها، فانتشلتني من الغرق في الخيال.
لا أجرؤ على تصوّر منزلي ركامًا، ولا أن أصرخ بأسماء رفاقي فلا يردّوا جوابًا، ولا حتى قططي الثلاث. اقترحت أن أقرأ كتابًا ما، لكن في داخلي قصصًا غير مروية، وأصواتًا تطالب بالعدالة، وبالعودة، وبالثأر. ربما هي أصواتي التي كتمتها مرارًا، وأجلتها على مدار ثلاث سنوات.
مرّت أربعة أشهر على نزوحي، وثلاثة على تحوّل منزلي وعملي إلى ركام، وشهران على انقطاع الأمل بالعودة، وشهر على الاكتئاب.
لماذا نصف شهر؟
أصبّ القهوة في الفنجان. أبدأ باحتسائها. أول رشفة ساخنة جدًا ومرّة، الرشفة الثانية أفضل، والثالثة ألذ. هكذا يعتاد الإنسان على بشاعة العالم. ترتجف يداي وأنا أحمل الفنجان عن الطاولة نحو فمي، فتذكّرانني بأن أعود إلى رفع الأثقال مرة أخرى، وأذكّرهما بأنني تعبت من البدء من جديد كل نصف سنة، لكن لا بأس، سنعود إلى النادي الرياضي.
من يريد أن يخسر لياقة جسده، بالإضافة إلى قريته ورفاقه؟ بالطبع لا أحد.
في اليوم الثاني وجدت ناديًا قريبًا وسجلت نصف شهر. لماذا نصف شهر؟ لأنني أرفض الإقرار بأنني سأبقى هنا شهرًا كاملًا. وجوه جديدة، وإطلالة جديدة، بينما أريد في داخلي كل شيء قديمًا.
سألعب تمارين الجزء العلوي لأرضي يديّ. ليس جميلًا أن أكون في العشرين من عمري، وما عدت أقوى على حمل عبوة المياه إلى الطابق الأول.
أعرف أن المشكلة في رأسي وليست في يدي، وأن شيئًا ما يحاول الاستسلام في هذه المرحلة، لكنني سأحاول، بغض النظر عما أعرفه وعما لا أعرفه. لكن هل هناك أحد يسمعنا؟ أو يقرأ ما نكتب بجدية؟ أم أن معاناتنا مجرد تسلية في أوقات فراغ الآخرين؟
انقطاع الأمل بالعودة
أحتسي نصف الفنجان. صار نصفه الآخر فاترًا، وأكثر مرارة، لكنني تخطيت النصف، ومن يشرب البحر لن يغصّ بالساقية.
مرّت أربعة أشهر على نزوحي، وثلاثة على تحوّل منزلي وعملي إلى ركام، وشهران على انقطاع الأمل بالعودة، وشهر على الاكتئاب.
لن أغصّ بهدنة ستين يومًا، خاصة أنني عشتها من قبل.
في حاريص، وعلى الشرفة المقابلة لبيت ليف ورشاف وحداثا، جلست شهرًا وخمسة عشر يومًا أراقب القصف المدفعي وهو يطال أطراف القرى، أنتظر القذيفة كي تنفجر وأتأكد أنها بعيدة عن منزلي. لكنهم قالوا لنا إنها هدنة!
سند ملكيّة لونه أخضر
يهبط الضباب في مدينة عاليه، وتقف يمامة على عمود الإنارة، تنتظر لساعات، وأنا مثلها أنتظر. تصريحات نتنياهو، وتصريحات رئيس الجمهورية، وبيانات الإعلام الحربي. أنتظر خبر انسحابهم من بيت ليف. يا لجرأة هذا العالم على الوقاحة!
أرض لديّ سند ملكيتها الأخضر، فكيف أنتظر بيان عدوي كي أعود إليها؟ تمر أيام نحاول فيها قمع المناحات، وتأجيل الانهيارات، والاحتفال حزنًا بمن فقدناهم لأننا نحزن بقدر ما نحب.
ذلك الحزن الفردي، بعدما تحوّل إلى جماعي، أصبح أقوى من أن يروّضه فنجان قهوة أو أغنية.
لكنني أنهيت الفنجان، في قعره وجوه وأرقام. ضعف بصر أمي يمنعني من أن أطلب منها تفسيره. حملته ورفعته لأرى قعره جيدًا، وغصت بذاكرتي إلى قعرها. وجدت وجوهَ من أحببنا، أولئك الذين كانوا معنا في الصباح ورحلوا في المساء إلى الأبد. الذين فرحوا معنا بالهدنة، وشاركونا الخوف والقلق، وفي يوم العودة عدنا من دونهم، لكننا حملنا صورهم كي لا نشعرهم بالخذلان.
أفكّر: ما الذي بقي لنا في تلك القرى البعيدة؟ ما الذي لا يمكنني استبداله بمكان آخر في هذا العالم الواسع الدنيء؟
المقبرة
قبر جدّي في وسط الجبّانة أقوى من سند ملكية العقار. ربما لذلك حاولوا قصف المقابر، وتكسير شواهدها، لكن الرفات رفات، فمن سيضيّع رفاته؟ نحن الذين استخدمنا المنخل للتفتيش في ركام المنازل، لعلّنا نجد عظامًا صغيرة كي لا يظل الشهيد مفقود الأثر. ووضعنا الأشلاء في أكياس صغيرة، وحملنا كل عظم وجدناه في الحقول لعلّه يعود إلى صاحبه.
ونزعنا قطع اللحم عن حجارة البيت، وخصل الشعر، وحملنا الثياب المحروقة، والأطراف المقطوعة، وخوذة بلا رأس، وبطاقة هوية من أسفل الوادي.
فكيف لا نعود؟ فكّرت أن أضع كل ذلك جانبًا وأكتب قصيدة. يقول لي شاعر عزيز إنني شاعرة حقيقية. إذا كان هناك شيء حقيقي فهو حزني وحبي. أما بالنسبة إلى الآخرين، فأنا مجرد امرأة تجرّ خلفها الحقائب من الجنوب وإليه، وتملؤها ملابس وقصص.
عندما ننتهي من هذه الحرب، وتصمت المسيّرات والقنوات التلفزيونية، سأكتب ربما قصيدة عن فتاة تنقلت بين الحارات بفستان أبيض، وسارت خلفها قطة برتقالية تروي لها كيف اقتحم الهمجيون البيوت ونهبوها، ثم فجّروا ما تبقى من الجدران.
أما الآن، فسأنام، وفي الغدِ سأنجو.



