عن مواقف أنقذتها القهوة واعتذارات وُلِدت بين فنجانين

بالنسبة لنا، نحن معشر “المدمنين” بوعي، لم تكن القهوة يومًا مجرّد مسحوقٍ يذوب في الماء، بل أعظم من ذلك حقيقةً، هي رفيقٌ وفيٌّ يتسلّل إلى تفاصيلنا دون استئذان، والوقود الذي نحتاجه في الصباح حين لا نملك ترف الكلام، والجائزة التي نلوذ بها في المساء لنرمّم تعب يومٍ طويل. هي باختصار، المادة التي تشكّل ملامح يومنا وتضبط إيقاع أمزجتنا.
هي أقرب لأنيسٍ نجده في جميع اللحظات، من الفرح إلى الحزن. هي رفيقةُ الجلسات، والطقس الذي يرمي بنا في دهاليز الذاكرة عند الأحاديث الطويلة.
ليست مبالغة القول إنّ القهوة هي الشاهدة على تحوّلاتٍ كبرى في حياتنا: مقابلات عمل، بدايات علاقات، قرارات مصيريّة، وحتّى مواقف ربّما لا نحبّ تذكّرها، مثل أيّام الحرب الطويلة. في كلّ تلك التفاصيل، كانت هناك دائمًا، ربّما لتؤكّد أنّ الحياة، مهما اشتدّت، يمكن احتمالها بفنجان. وشخصيًّا، لطالما كانت القهوة هي الملاذ الوحيد الذي أتقبّله في اللحظات الثقيلة، أهربُ إليها، وكأنّها قادرة على إعادة ترتيب الشتات في داخلنا.
القهوة من منظور سوسيولوجي
لغويًّا، تُشتق كلمة “قهوة” من الفعل “قَهِيَ”. ويقال في المعاجم القديمة إن “أقْهى عن الطعام” تعني كرهه أو عَزِف عنه، لأنّ القهوة تُقهي صاحبها عن الأكل، أيّ تسدّ شهيّته. والمفارقة أنّ الكلمة نفسها كانت تُستخدم قديمًا للدلالة على الخمر، قبل أن تستقرّ على المشروب الذي نعرفه اليوم. كأنّ الاسم، منذ بداياته، يحمل شيئًا من النشوة والتمرّد معًا.
بمعزل عن الهويّة والتسميات، بقيت القهوة لغة عالميّة تتعدّد لهجاتها، بين الثقافات والدول والمناسبات، من السوداء الكثيفة إلى الشقراء، ومن السادة والمُرّة، إلى الحلوة والمطعّمة بالهيل. بدأت من مرتفعات إثيوبيا، مرّت باليمن في القرن الخامس عشر، ومنها انطلقت لتغزو العالم العربيّ ومختلف أنحاء العالم.
في سوسيولوجيا المجتمع، لا يُنظر إلى احتساء القهوة بوصفه عادة يوميّة وحسب، بل كفعل اجتماعيّ مُحمّل بالرموز والدلالات. ففي كثير من البيئات، ربّما تمثّل القهوة إعلان موافقة على زواج، أو إشارة ضمنيّة إلى طيّ صفحة خلاف، في حين ربّما يحمل توقيت تقديمها رسائل تتعلّق بالترحيب أو التحفّظ. تُقدّم أوّلًا للضيف الأهمّ أو الأكبر سنًّا، كذلك فإنّ طريقة احتسائها لا تخلو من المعنى أيضًا، فشرب الفنجان كاملًا قد يعكس قبولًا ورضى، بينما الاكتفاء برشفة أو تركه جانبًا يُحتمل أن يُقرأ كموقف متريّث أو رافض، وفق السياق.
هكذا، تُعدّ القهوة لغة اجتماعيّة صامتة، تكشف توازنات العلاقات وأعراف التفاوض غير المعلنة. حتّى درجة السُكّر ليست تفصيلًا عابرًا، فالقهوة السادة في بيوت العزاء تعبيرٌ عن تضامنٍ صامت. هي بروتوكول اجتماعيّ ناعم، لا يحتاج إلى كلمات كثيرة.
جلسات القهوة مع أحبّتنا تتحوّل إلى ذكرى، إلى لحظات تُختزن بين رشفةٍ ورشفة، وتبقى معنا.
طقوس لا استعراض
يُحاول البعض السخرية بعبارات من قبيل: «أنتم تحتسون القهوة ولا تشربونها»، وكأنّ الفارق اللغويّ تهمةُ ادّعاء ثقافة. لكنّ الحقيقة أبعد من ذلك، القهوة ليست «برستيجًا»، بل إنّ الدعوة إلى فنجان قهوة في عرفنا، تعادل تمامًا ميثاق “الخبز والملح”.
أمّا المفارقة التي أطلقها الراحل زياد الرحباني حين قال: «شعب بيشرب قهوة كتير، لازم يكون أوعى من هيك»، فتختزل شيئًا من تناقض الواقع. القهوة، من الناحية البيولوجيّة، منبّه يوقظ الحواس ويعزّز التركيز. لكنّها طبعًا لا تمنح وعيًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا تلقائيًّا. لم يمدح زياد الـ«كافيين»، ولم يقصد أنّ القهوة صكٌّ للنباهة، بل سخر من الفجوة بين اليقظة الجسديّة والغيبوبة في الوعي المجتمعيّ. ولو كان الوعي يُقاس اليوم بعدد الفناجين، لكان واقعنا مختلفًا تمامًا، ولما استمرّت الشعوب في احتساء واقعها بمرارة فنجانها ذاتها.
ولو شفّة
أمّا القهوة بالنسبة لي، فهي طقسٌ مقدّس أُوازن من خلاله مزاجي المتمرّد، كعلاقتي بالموسيقى والطبيعة، علاقة تتجاوز تصنيفات الوعي ومستويات الثقافة. هي ارتقاءٌ للمزاج، وإن كانت كثرتها لا تخلو أحيانًا من ألم المعدة، على نحو ما كانت تحذّرني جدّتي.
على ذكر جدّتي، كلّما خطر ببالِي طيفها، أوّل ما يتبادر إلى ذاكرتي هو جلساتنا الصباحيّة مع فنجان قهوة كان ممرًّا إلى أحاديثها التي أحببت دومًا الاستماع إليها. وحتّى لو كانت قد شربت قهوتها قبل استيقاظي، كنت دائمًا حريصة على أن تشاركني “ولو شفّة”.
جلسات القهوة مع أحبّتنا، كما أدركت لاحقًا، تتحوّل إلى ذكرى، إلى لحظات تُختزن بين رشفةٍ ورشفة، وتبقى معنا.
في الختام، أستحضر قول محمود درويش في كتابه «ذاكرة للنسيان»: «القهوة لا تُشرب على عجل، القهوة أخت الوقت، تُحتسى على مهل… القهوة تأمُّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات». لعلّ في قول درويش ما يُفسّر سرّها الحقيقيّ. فالقهوة لا تُشرب على عجل، هي مساحة نعيد فيها ترتيب أفكارنا، ونصالح بها الوقت، وقد ننقذ بها موقفًا. فكم من موقف أنقذته القهوة، كم من ذكرى حفظتها، وكم من اعتذارٍ وُلِد بين فنجانين؟ ربّما أكثر ممّا نعتقد.



