هل أصبحت التهمة فلسطيني؟

سمعتُ مسبّتي بأذني مباشرة. لم أتوقّع يومًا أن أواجه هذا القدر من العنصريّة في مكانٍ اعتبرته بلدي الثاني، بين عملي وزملائي وأصدقائي. لم أتوقّع أن تصبح سلسلة خارطة فلسطين التي أحملها دائمًا في عنقي شوكةً في حلق أحدهم، توقظ فيه عنصريّته وحقده على الفلسطينيّين.
بين بلدين بلا جنسيّة
أنا نسمة، من أبٍ فلسطينيّ وأمٍّ لبنانيّة، أحمل في دمي انتماءً لبلدين. لكنّني، على رغم ذلك، لا أملك جنسيّة أيٍّ منهما. لا يُسمح لي بالحصول على جنسيّة أمي لأنّني، في نظر القانون، «أجنبيّة»، وبحجّة الحفاظ على «حقّ العودة». في المقابل، لا أحمل جنسيّتي الفلسطينيّة، ولا أستطيع العودة إلى وطني بسبب الاحتلال الإسرائيليّ. كلّ ما أحمله هو وثيقة زرقاء لعينة تحمل صفة «لاجئة».
على رغم اللجوء، يسكن في قلبي حبٌّ لبلدين لا يختلفان في التضحية والوفاء والمعاناة والمقاومة. لكنّ البعض انقضّ على الفلسطينيّ كما ينقضّ الذباب على الجراح. منهم من طالب بقطع المياه والكهرباء والإنترنت عن الفلسطينيّين، وكأنّه يريد خنقنا داخل علبة سردين في المخيّمات. وهم يعلمون جيّدًا أنّ المخيمات الفلسطينيّة خرّجت الطبيب والمهندس والصحافيّ والمصمّم والمزارع والمحامي، وغيرهم من أصحاب الكفاءات، على رغم أنّ الفلسطينيّ في لبنان يُحرم من مزاولة كثير من هذه المهن.
أمّا آخرون، فنظروا إلى الفلسطينيّ باستعلاء، وكأنّهم ملوك وهو عبد لديهم، وقالوا: حاصروهم، اقصفوهم، وارموهم بالبراميل المتفجّرة حتّى لا يبقى منهم أحد.
الفلسطينيّ في بازار السياسة
لماذا كلّ هذا الإجرام بحقّ الفلسطينيّ؟ ولماذا كلّ هذه العنصريّة تجاه إنسان ساهم في بناء اقتصاد بلد يعاني أصلًا من الانهيار؟ هل غدت تهمتك اليوم أنّك فلسطينيّ؟ تحوّل التحريض على الفلسطينيّ إلى ملف سياسيّ يُستحضر في كلّ مناسبة، وكأنّ وجود الفلسطينيّ هو المشكلة الأساس في لبنان، لا سياسات الدولة ولا أزماتها المتراكمة.
يتعامل البعض مع قضيّة اللاجئ الفلسطينيّ كأنّها سلعة تُنقل من يد إلى أخرى، ومن مسؤول إلى آخر، تُستخدم كورقة في الصراعات السياسيّة. وكأنّ الفلسطينيّ كائن بلا اسم ولا كرامة، كحيوان نكرة لديهم، يُحمَّل مسؤوليّة كلّ الأزمات والمشكلات، بينما هو في الحقيقة ضحيّة وصاحب حقّ.
لو فُتحت الحدود، لكان أوّل العائدين إلى وطنه، من دون تردّد. فلا أحد يتمسّك باللجوء إذا فُتح له باب العودة. عشرات الشهداء من أبناء المخيّمات الفلسطينيّة ارتقوا على الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة المحتلّة، لأنّهم اعتبروا الدفاع عن لبنان دفاعًا عن فلسطين، ولأنّ العدو واحد، والمصير واحد.
كيف لبلد عشت فيه، وترعرعت بين أهله، أن يكون قاسيًا عليّ وعلى أبناء شعبي؟
حياةٌ محاصرة بالقيود
يعاني اللاجئون الفلسطينيّون في لبنان من قيود قانونيّة واجتماعيّة واقتصاديّة مشدّدة تُفرض عليهم تحت ذريعة رفض التوطين، ما يضعهم في ظروف معيشيّة قاسية ومهمّشة. فمنع التملّك، والحرمان من مزاولة عديد من المهن، وارتفاع معدّلات البطالة والفقر، وضعف الرعاية الصحّيّة، كلّها تشكّل جزءًا من واقعهم اليوميّ. إضافة إلى القيود الأمنيّة والإداريّة التي ترافق الدخول إلى المخيّمات والخروج منها، والصعوبات التي تواجه الأجيال المتعاقبة في استخراج الوثائق وتجديدها، وغيرها من الإجراءات التي تزيد من معاناتهم.
إلى جانب ذلك، جاء القانون الجديد الصادر عن وزارة الإعلام، والذي يمنع الفلسطينيّ من إدارة المواقع الإلكترونيّة ويفرض قيودًا تُقوّض العمل الصحافيّ، ليضيّق الخناق أكثر على الإعلاميّين الفلسطينيّين، ويزيد من عزلتهم المهنيّة.
فلسطينيّة ببلدٍ أحببته كوطني
لم أتوقّع أن تصل بلاد الشام إلى هذا المستوى من العنصريّة وهذا الفكر الضيّق. لطالما كنّا روحًا واحدة تسكن أجسادًا متعدّدة. فكيف لبلد عشت فيه، وترعرعت بين أهله، أن يكون قاسيًا عليّ وعلى أبناء شعبي؟ كيف لبلد أُمّي، الذي رعى طفولتي، ولعبت في شوارعه مع أصدقائي اللبنانيّين، وتقاسمت فيه مهنتي الصحافيّة مع زملاء الصوت والصورة والقلم، أن يتحوّل عند البعض إلى مساحة للكراهيّة والتحريض؟
هل ستغدو التهمة أنّك فلسطينيّ؟ أم إنّ العنصريّة بدأت تطغى على ما جمع أبناء الشام يومًا من أُخوّة وتاريخ ومصير؟



