المنصوري… بلدة تُمحى أمام عيون أهلها

“اثنان، ثلاثة، أربعة…”، لا أحد سيطفئ شمعة فوق قالب حلوى هنا يا عزيزي. إنّه تعداد عكسي لعمليّات التفجير الإسرائيليّة التي تهزّ أركان بلدة المنصوري، يتجاوز تعدادها 40 تفجيراً ويزيد خلال ساعات قليلة. انفجار يتبعه آخر، فيما يقف أهل البلدة بعيداً منها ويعدّونها، يذهبون مع كلّ دويّ إلى التخمين: من سيكون التالي؟ وأي منزل سقط هذه المرّة؟ وأيّ شارع أو حيّ بدّل العدوان الإسرائيليّ المتمادي ملامحه؟

المنصوري، بلدة ساحليّة في قضاء صور، حلّت عليها لعنة موقعها الجغرافيّ القريب نوعاً ما من الحدود مع فلسطين المحتلّة. ومنذ نحو شهرين، لم يعد اسمها غريباً عن نشرات الأخبار، بعدما تلقّى أهلها إنذاراً بإخلائها والابتعاد منها مسافة 1000 متر.

خرج أصحاب الديار على عجل، لكن قلوبهم بقيت هناك، معلّقة بين البيوت وبساتين الموز والحمضيّات، وبين طرقات يعرفون حجارتها وتفاصيلها. حملوا ما استطاعوا حمله، وتركوا خلفهم ما لا يمكن اختزاله في حقيبة: البيوت والذكريات والأرض.

ومنذ ذلك الحين، يعود بعضهم خلال كلّ يوم، ليس إلى المنصوري، بل إلى أقرب نقطة تسمح لهم بمعاينتها.

الحنّيّة… شرفة المنصوري

من بين أشجار الصنوبر في بلدة الحنّيّة المجاورة، يسترق أبناء المنصوري النظر إلى بلدتهم. وهناك، ربّما انكشف لهم في هذه المحنة سرّ اسم “الحنّيّة”؛ فهي تحتضنهم كلّ يوم، تجمعهم في الحزن، وتسمع أدعيتهم المكتومة وهم يراقبون الدخان يرتفع من بيوتهم.

يجتمعون بدءاً من ساعات الصباح، يحدّقون نحو البلدة، ثم يتفرّقون في نهاية النهار، كلّ إلى المكان الذي نزح إليه.

تجاور المنصوري، القليلة والبيّاضة والحنّيّة ومجدل زون في قضاء صور. قرى وبلدات غيّرت الحرب وجهها، وبعضها باتت أجزاء منها تحت السيطرة الإسرائيليّة. قد يكون وقع كلمة “محتلّة” ثقيلاً على أهل هذه الأرض، لكنّها بالنسبة إليهم لم تعد توصيفاً بعيداً ممّا يرونه.

على الخرائط والصور الجوّيّة، تتبدّل الملامح. وعلى الأرض، يبدو التغيير في أعقاب كل تفجير أكثر قسوة.

فكيف لبلدة لا تتجاوز مساحتها نحو 838 هكتاراً أن تتحمّل عشرات التفجيرات في خلال يوم واحد؟ وكيف يمكن تخيّل المشهد في الداخل بعد كلّ هذا النسف التدميريّ؟ ماذا بقي من شوارعها وحاراتها؟ وماذا حلّ ببيوت يعود عمر بعضها إلى أكثر من 100 عام؟

من بين أشجار الصنوبر في بلدة الحنّيّة المجاورة، يسترق أبناء المنصوري النظر إلى بلدتهم. وهناك، ربّما انكشف لهم في هذه المحنة سرّ اسم “الحنّيّة”؛ فهي تحتضنهم كلّ يوم، تجمعهم في الحزن، وتسمع أدعيتهم المكتومة وهم يراقبون الدخان يرتفع من بيوتهم.

من “شيخ أدهم” للبحر

للمنصوري حكاية أقدم بكثير من الحرب، في وسط البلدة ثمّة مقام دينيّ تراثيّ، تنسبه الروايات المحلّيّة إلى الشيخ أدهم بن منصور، الذي عاش في المنطقة وتوفي العام 809 ميلاديّة، وتربط إحدى الروايات اسم البلدة به، إذ يتردّد أنّها سُمّيت “المنصوري” تيمّناً به.

على شاطئها، تمتدّ واحدة من أبرز المناطق المعروفة بتعشيش السلاحف البحريّة على الساحل اللبنانيّ، حيث شكّل البحر، مثل الأرض، جزءاً من هويّة البلدة وحياة أهلها.

لكن أهل المنصوري عاشوا، بمعظمهم، من الأرض. من زراعة الموز والحمضيّات وما يرتبط بهما من أعمال. بعض أبناء البلدة غادروا خلال عقود سابقة إلى ألمانيا والولايات المتّحدة الأميريّة ودول أفريقيّة، فيما بقي آخرون متمسّكين بأرضهم ومواسمهم.

اليوم، حتّى الذين بقوا طوال تلك السنوات بعيداً من الهجرة، وجدوا أنفسهم خارج البلدة. يقفون على التلال المقابلة ويراقبونها وهي تُنسف. يتطاير حطام البيوت في الهواء مع كلّ تفجير، فيما ترتفع سحب الغبار من مكان كان، حتّى إلى وقت قريب، منزلاً أو حديقة أو طريقاً يسلكونه كلّ يوم. مع ساعات الصباح الأولى، يقفون تحت الأشجار. ومع كلّ انفجار، يطير منزل، أو شارع، أو ذكرى.

“أعود ومنزلي لم يعد موجوداً”

حسين مديحلي، أحد أبناء المنصوري وسكّانها، واحد من هؤلاء الذين جعلوا من الوقوف في الحنّيّة طقساً يوميّاً.

يقول: “أعود من عملي كلّ يوم وأقف قبالة البلدة في الحنّيّة. أشعر وكأنّني أعود إلى المنزل الذي لم يعد موجوداً، ولو من بُعد”. لا يمرّ يوم، كما يقول، من دون أن يأتي إلى هنا.

يتابع لـ”مناطق نت”: “آتي إلى الحنّيّة كي أراقب ما يحلّ في بلدتنا، وبعدها أذهب إلى البيت الذي استأجرته في محيط مدينة صور”.

لم تعد الحنّيّة بالنسبة إليه محطّة على الطريق، بل أصبحت أقرب نقطة إلى البيت، مكاناً يستطيع منه أن يرى ما تبقّى من القرية، حتّى وإن لم يكن قادراً على الوصول إليها.

يضيف: “أضحينا عبرة لسكّان القرى والبلدات المجاورة، من القليلة وزبقين وغيرها. يواسوننا بكلامهم، يشاركوننا الحسرة، ثمّ يمضون إلى بيوتهم وهم يتمنّون ألّا يعيشوا ما نعيشه نحن”.

ربّما تختصر هذه العبارة خوف قرى بأكملها. فحين ينظر أبناء البلدات المجاورة إلى المنصوري، لا يرون دمار بلدة أخرى وحسب، بل ما هو متوقّع لو وصل الاحتلال والعدوان إليهم.

أماكن لا تظهر في الخرائط

لكنّ المنصوري بالنسبة إلى أهلها ليست رقماً في حصيلة التفجيرات، ولا مساحة من هكتارات، ولا نقطة على خريطة العمليّات العسكريّة. في البلدة الصغيرة ذكريات وحكايات يصعب حصرها وكتابتها.

من مسبح العامريّة، إلى أقنية الريّ التي سبح فيها أطفال البلدة جيلاً تلو جيل، إلى بساتين الموز والليمون، وصولاً إلى كلّ شوكة من “جبّ البلان” (نبات البلّان الشوكيّ) علقت يوماً بثيابنا ونحن نعبر الأرض، تفاصيل صغيرة لا تعرفها نشرات الأخبار.

لا تظهر أقنية الريّ في صور الأقمار الاصطناعّية، ولا تعبق منها رائحة الليمون، ولا يعرف من يشاهد سحابة الغبار فوق منزل أن داخله ربما كان باباً حُفرت عليه أسماء أطفال، أو شجرة زرعها الجدّ والجدّة، أو غرفة بقي ترتيبها كما تركها أصحابها حينما خرجوا على عجل.

من يحصي الذكريات؟

الحروب تحصي الأبنية المدمّرة، لكنّها لا تستطيع إحصاء الذكريات التي كانت تعيش في داخلها. ولهذا، حين يقف أبناء المنصوري في الحنّيّة ويعدّون التفجيرات، هم لا يعدّون أصواتاً فقط. واحد… منزل. اثنان… شارع. ثلاثة… بستان. أربعة… ذكرى. ثمّ يتوه العدّ.

وحتّى لحظة كتابة هذه السطور، لا تزال المنصوري تتعرّض للتفجير والهدم، بينما يقف أهلها عند مسافة منها، عاجزين عن الوصول إليها، يشاهدون بلدتهم التي عرفوها طوال حياتهم تتبدّل جغرافيّتها أمام أعينهم.

ربما ستتوّقف التفجيرات يوماً، وسيعود الناس كي يبحثوا بين الركام عن بيوتهم ونتف من أشيائهم وصورهم. لكن السؤال الذي يسبق العودة اليوم لن يكون فقط: ماذا بقي من المنزل؟ بل كم بقي من المنصوري التي يعرفونها؟

لم يبقَ شيء في المنصوري لم تدمره اسرائيل بما في ذلك المسجد الذي كانت لا تزال أجزاء واقفة منه ودُمّر بالأمس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى