رحلتي والعندليب الأسمر إلى إهدن… ما زالت “الصورة تحكي”

في الليلة التي سبقت مشواري إلى إهدن لحضور معرض “لَمّا الصورة بتحكي” كنت أسهر في البيت مع عدد من الأصدقاء. موسيقى، أحاديث تتشعّب من موضوع إلى آخر، حتّى وصلنا إلى نقاش حول ألحان الراحل كمال الطويل (1922- 2003)، فاقترح أحد الموجودين أن نسمتع إلى أغنية “صورة”، التي جمعت الطويل بالراحلين الشاعر صلاح جاهين (1930- 1986) والفنان عبد الحليم حافظ (1929- 1977).

سمعناها، وتناقشنا حولها. توقّفنا عند كلماتها، عند اللحن، وعند الصورة التي أراد جاهين أن يلتقطها بالكلمات والطويل بالموسيقى وحليم بالصوت. لم تطل السهرة كثيرًا، فيومي التالي طويل ويبدأ باكرًا.

 انطلقتُ إلى إهدن، من دون أن يخطر في بالي أنّ ثمّة علاقة بين الأغنية التي سمعناها في الليلة التي سلفت وبين المعرض الذي كنت ذاهبًا إليه.

كيف تصير الصورة صورة؟

“ماذا يبقى من الصورة حين يصبح اختراعها ممكن؟”.

في المعرض الذي افتُتحت دورته الثالثة في مبنى “الكبرى الأثري”، والذي ينظّمه “تجمّع المصورين في إهدن” برعاية “جمعيّة أزل للتراث” وبمشاركة 26 مصوّرًا ومصوّرة، لم يكن هذا السؤال معلنًا على جدرانه، لكنّه كان حاضرًا خلف معظم النقاشات التي دارت على هامشه.

في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعيّ أن يصنع صورة لحدث لم يقع، ومكان لم يُلتقط، وشخص لم يقف أمام عدسة، يصبح الاحتفاء بصورة التقطها إنسان في لحظة حقيقيّة أكثر من مجرّد احتفاءٍ بفنّ التصوير، بل تصبح الصورة نفسها سؤالًا عن الإنسان: ما الذي يجعل الصورة صورة؟ هل هي دقّة التفاصيل؟ أم صدق اللحظة؟ أم عين المصوّر؟ أم الإحساس الذي دفعه إلى الضغط على زرّ الكاميرا؟

بدا لي أنّ معرض “لَمّا الصورة بتحكي” يحتفي بما هو أبعد من الصورة؛ بالذاكرة، والتاريخ، والإنسان، وبذلك الجزء الذي لا تستطيع التكنولوجيا أن تلتقطه مهما بلغت قدرتها.

اللقطة الحقيقيّة وثيقة وذاكرة

في حديثٍ لـ”مناطق نت”، يؤكّد رئيس التجمّع وصاحب فكرة المعرض، عبدو الدويهي، أنّ “قيمة الصورة تكمن في حقيقتها، خصوصًا في زمن الذكاء الاصطناعيّ الذي بات قادرًا على تغيير تفاصيلها والتلاعب بها”، معتبرًا أنّ “الصورة الحقيقيّة تبقى وثيقة وذاكرة، بينما الصورة المعدّلة ربّما تفقد جزءًا من بهجتها الإنسانيّة”.

العودة إلى جذور الصورة

 “إذا كانت الصورة شهادة على لحظة، فإنّ دخول الذكاء الاصطناعيّ إلى عالم التصوير يضع مفهوم الشهادة نفسه أمام امتحان جديد”. هذا ما يقوله وزير الإعلام الأسبق زياد المكاري لـ”مناطق نت”، مشيرًا إلى أنّ أهمّيّة المعرض اليوم ترتبط تحديدًا بهذا التحوّل. يضيف المكاري أنّ الصوَر الموجودة في المعرض غير معدّلة بالذكاء الاصطناعيّ ما يعني أنّها “عودة إلى جذور الصورة أيّ إلى اللحظة التي تقف فيها عين المصور أمام الواقع، وتلتقطه كما عاينته”.

لكنّ العودة إلى الجذور ليست مجرّد حنين، فالمكاري يرى فيها “فرصة لاكتشاف غنى لبنان في مجال التصوير، واستعادة أسماء وتجارب لمصوّرين لبنانيّين استطاعوا الوصول إلى العالميّة” متوقّعًا أن تصبح العودة إلى الصورة الأصيلة “طريقة لنعرف من أين بدأنا في زمن يتغيّر فيه كلّ شيء بسرعة فائقة”.

من معرض “لما الصورة بتحكي” في إهدن (تصوير خالد عيّاد)
الحياة تبحث عمّا يحفظها

تقول الناشطة السياسيّة والإعلاميّة فيرا يمّين لـ”مناطق نت”: “نحن نحتفل بالصورة في الوقت الذي يتّجه فيه العالم نحو الذكاء الاصطناعيّ”. معربةً عن خشيتها من أن يفقد الإنسان ميله إلى الأشياء الفنّيّة نفسها كـ”القصيدة، والنصّ، والصورة، وتلك العلاقة التي تقوم على المحبّة والانجذاب إلى العمل الفنّيّ”.

ومع ذلك، لا تتحدّث يمّين بلغة الاستسلام. فهي تؤمن بأنّ “الصورة الإبداعيّة ستبقى معلّقة في القلب مثلما ستبقى معلّقة على الجدران. فالحياة، في النهاية، تبحث عن شكل تحفظ فيه نفسها”.

الصورة ذاكرة التاريخ

أمّا بالنسبة إلى السفير الفنزويلّي خوسّيه غريغوريو بيومورغي موزاتيز، فهو يضع الصورة في مساحة أوسع: “التاريخ”. هو يرى أنّ مثل هذه المناسبة مهّمة لأنّها “تسمح للناس بأن يعودوا إلى تاريخهم من خلال الصورة، وأن يسألوا من أين أتينا؟ وإلى أين نذهب؟”.

ويتابع حديثه لـ”مناطق نت”: “في عالم أصبح فيه الفيديو القصير يهيمن على المشهد، تبدو الصورة الثابتة كأنّها تنتمي إلى زمن آخر”، مشيرًا إلى أنّ “الفيديو يتحرّك أمام العين، بينما الصورة تجبر العين على التوقّف”، ولهذا تستطيع الصورة “أن تتحوّل إلى وثيقة تاريخيّة، وأن تحفظ لحظة قد لا يستطيع الكلام وحده أن يستعيدها”، مشدّدًا على أنّها “صورة لما رآه الإنسان مهمًّا بما يكفي لكي يحتفظ به، وليست مجرّد صورة لحدث أو للحظة ما”.

ماذا يبقى منها إذا فقدت طبيعتها؟

ينظر المصوّر زياد خليل رحمة، المشارك في المعرض، إلى الصورة من موقع مختلف عمّا سبق، لكنّه يصل إلى النتيجة نفسها.

هو معنيّ بالطبيعة والبيئة، وينظّم رحلات للمشي (الهايكينغ) في منطقته ولذلك، عندما يُطرح أمامه سؤال عن الذكاء الاصطناعيّ، تأتي إجابته حاسمة “لا، اسمها صورة طبيعيّة، إذا لم تكن طبيعيّة لا تكون صورة”. بالنسبة إليه “المسألة هي تمسّك بتعريف الصورة، وليس رفضًا للتكنولوجيا، فالصورة قد تتطوّر تقنيًّا، لكن إذا فقدت علاقتها بالواقع، ماذا يبقى منها؟”.

 يستعيد رحمة كلام أحد المصوّرين الكبار في السنّ، الذي قال له إنّ “موجة الذكاء الاصطناعيّ ربّما تجعل الصورة الطبيعيّة، بعد سنوات، شيئًا نادرًا”، متابعًا لـ”مناطق نت”: “في القادم من الأيّام، سأكون فخورًا بأنّ صورتي حقيقيّة، غير مصطنعة”. وهنا المفارقة التي ما تلبث أن تتكرّر عبر التاريخ: “ما نعتبره اليوم أمرًا بديهيًّا ربّما يصبح غدًا نادرًا”.

جانب من الحضور في معرض “لما الصورة بتحكي” في إهدن (تصوير خالد عيّاد)
ما الذي تراه العين ولا تراه الآلة؟

يعيد المصوّر السينمائيّ والأكّاديميّ ميلاد طوق المسألة كلّها إلى الإنسان، ولا يدخل نهائيًّا في منافسة تقنيّة مع الذكاء الاصطناعيّ، مؤكّدًا لـ”مناطق نت”: أنّ “العين لا تشبه العدسة، العدسة هي التي تشبه العين”، مشيرًا إلى أنّ “الكاميرا تستطيع أن تلتقط، والتكنولوجيا أن تعالج، والذكاء الاصطناعيّ أن يولّد صورة كاملة… لكنّ العين ليست مجرّد أداة تسجيل فهي ترى وتشعر وتختار”.

لكنّ مستقبل الصورة لا يرتبط فقط بالذكاء الاصطناعيّ، فهناك سؤال آخر: أين ستعيش الصورة؟ في الهاتف؟ في جهاز إلكترونيّ؟ في السحابة الرقميّة؟ أم على الورق؟

ما لا يُطبع لا يبقى

ينتمي الإعلامي جمال فيّاض إلى جيل يرى أنّ “الصورة لا تكتمل إلّا عندما تصبح شيئًا يمكن الإمساك به، فنحن جيل الصحافة الورقيّة والصورة المطبوعة”، يقول لـ“مناطق نت” مضيفًا: “لا أستطيع أن أتخيّل الاحتفاظ بذكرياتي داخل هاتف أو جهاز إلكترونيّ فقط، الصورة يجب أن تُحمل، وتُرى، ويُتأمل فيها، وأن تكون معلّقة على الحائط”.

الفكرة واضحة بالنسبة إليه: “ما لا يُطبع لا يبقى. مع كلّ الاحترام لعالم التكنولوجيا والمعلومات، حتّى الكتب يمكن أن تضيع أو تصبح غير قابلة للوصول إن كانت إلكترونيّة، أمّا الورق المطبوع فيمنح الصورة كما الكتاب فرصة أكبر للحياة والاستمرار”.

فيّاض الذي بدأ حياته مصوّرًا، وكان عضوًا مؤسّسًا في نقابة المصوّرين الصحافيّين، قبل أن ينتقل إلى دراسة الصحافة والكتابة، يؤكّد أنّ “الصورة أحيانًا تقول أكثر ممّا يستطيع النصّ قوله، هذا بالضبط ما يفعله المصوّر: يترك عدسته تخبرك كلّ شيء من دون شرح”.

ما وراء الصورة

المعركة الحقيقيّة للصورة هي على معناها الإنسانيّ البحت، وليست مجرّد صراع بين الصورة القديمة والصورة الرقميّة، ولا بين الورق والهاتف، ولا حتّى بين الكاميرا والذكاء الاصطناعيّ.

في إهدن، كانت 26 عينًا تحاول أن تقول أشياء مختلفة بالفكرة وبالمعنى، لكنّها اتّفقت على أنّ الصورة هي لحظة لقاء بين العين والواقع، وأنّ قيمتها هي في حدوثها الفعليّ ولا يجوز التعاطي معها على أنّها مجرّد نتيجة تقنيّة مبنيّة على قدرة الذكاء الاصطناعيّ على توليدها.

في طريقي إلى إهدن، كان في ذهني معرض فوتوغرافيّ، وصور معلّقة على الجدران، ومصوّرون لكلّ منهم حكايته، لكنّني عندما بدأت بالكتابة عادت إليّ تلك السهرة التي سبقت المشوار، عادت “صورة” حليم الجاهينيّة الطويليّة.

أدركتُ مفارقةَ أنّ محطّة مشوارنا الأخيرة كانت في ساحة الميدان الإهدنيّة الشهيرة حيث التقطنا ما تيسّر من الصور، وأنّ أغنية “صورة” تنتهي بالقول “واللي حيبعد من الميدان عمرو ما حيبان في الصورة”.

فجأةً، بدا لي أنّ السؤال الذي طرحته الأغنية قبل ليلة واحدة لم يكن بعيدًا كثيرًا من السؤال الذي تطرحه الصور أمامنا اليوم:

“لماذا نريد أن نكون داخل الصورة؟ ولماذا نريد للصورة أن تبقى؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى