وجوهنا ليست لنا إنما انعكاس إتصالنا بالعالم

من المكابرة بمكان ادّعاء المرء أنّه يملك بالمطلق كلّ ملامح وجهه، أنّه سيّد هذه الملامح وموجّهها. ولعلّه من الأجدى في هذا السياق مصارحة الذات بالآتي: إنّ جلّ الملامح التي تعتلي وجوهنا هي انعكاسات لخارج قد نرتضيه وربّما لا نرتضيه، لكنّه في جميع الأوقات هو من يفرض نفسه علينا. نعم، هو ضرب من السذاجة أن يقنع الإنسان نفسه أنّه يملك وجهه في كلّ الأوقات.

ربّما يجد الواحد منّا نفسه في موقف يستدعي بشدّة التنصّل من الملامح المألوفة لوجهه، وموقف آخر تراه يجرجر هذه الملامح لأن تكون محلّ إسراف واندفاع، بل أيضًا محلّ تدفّق لا يستكين، لأسباب تتعلّق بالتزلّف مثلًا، أو بالشفقة على الذات، أو لأسباب أخرى كالوقوع في حبّ طائش ملهلب، وما شاكل من صفات.

لا يمكن إنكار أنّ الوجه هو في متنه الأعمّ وثيقة اتّصالنا مع العالم، إنّما من غير المجدي أبدًا إنكار أنّ للعالم أيضًا وجوهًا شتّى تراها تعتلي وجوهنا على غير إرادة منّا في غالب الأحيان.

علاقة ملتبسة

على الرغم من شيوعه، فإنّ وجه كلّ منّا ينطوي على تلك العلاقة الملتبسة بين العام والحميم، بين الشخصيّ والجماعيّ، وبين الإفصاح وتلك الرغبة السرّيّة بالغموض. فعلى الرغم من أنّه يمتلك خاصّيّة إثبات وجودنا في العالم، وبين كلّ جموع الله، فإنّ العالم وهؤلاء الجموع لا يتوانون على الإطلاق عن سحبنا إلى قسمات ترى وجهنا إزائها غريبًا حتّى عن ذاته. ثمّة ما لا يُحصى من الملامح التي تعتري وجوهنا وثمّة ما لا يحصى من الإلتزامات التي تُلزم هذه الوجوه بما يفوق توقّعاتها الهشّة.

لا يمكن فصل الوجه عن الحبكة الاجتماعيّة التي يعيش بين ظهرانيها، بل ترى أنّ الوجه في بعض تحيّزات ملامحه أقرب إلى تجذير متين لهذه الحبكة أو تلك. فمن مجتمعات الخوف إلى مجتمعات المتعة والفرح، ومن مجتمعات الحروب إلى مجتمعات الإنكباب على العيش بسلام، ومن مجتمعات الهزائم إلى مجتمعات الانتصارات الحقيقيّة منها أو “التريلالي”، ترى الوجه في كلّ من هذه الحبكات الاجتماعيّة محلّ هيكلة وترتيب وانقباض وانبساط بما يتلاءم مع أجواء هذه المجتمعات وتفشّياتها العقائديّة والأيديولوجيّة، الواقعيّة والأسطوريّة، الحقيقيّة والزائفة.

ربّما يعمد المرء في لحظة ما إلى التنصّل من وجهه لسبب أو لآخر، إلّا أنّ للوجه بشكل خاصّ تلك القدرة على الانتقام من حامله بحيث يتحوّل هذا التنصّل إلى آداة حفر في الذات المضطربة أو الخائفة أو الكاذبة أو الانتهازيّة أو تلك التي تدّعي الانقلاب على كلّ الآداب العامّة.

الوجه هو نصّ غير مكتمل حيال الهويّة الشخصيّة لكلّ منّا ولن يكتمل هذا النصّ في يوم من الأيّام

وجوه وأقنعة

يمكن أن يتحرّى المرء وجهه عبر تمرير أصابعه فوق تضاريس هذا الوجه، ورّبما يتحرّاه عبر التحديق في المرايا، إنّما الحقيقة الأنصع حيال هذا التملّي المضني للوجه، هي تلك التي ترى أنّ تملّي المرء لوجهه عبر وجوه الآخرين هي أكثر راديكاليّة في علاقة كلّ منّا مع وجهه، شئنا ذلك أم أبينا، وكأنّي بنا في هذا الصدد بشكل خاصّ شتات وجوه موزّعة فوق وجوه الآخرين.

قد يكون الوجه قناعًا وقد يكون القناع وجهًا، وثمة كثير من الوجوه التي نقابلها هنا وهناك تشي ملامحها أنّها تقع في تلك المساحة المضطربة والغامضة وغير المستقيمة والتي تمتدّ بين الوجه والقناع.

ترانا في بعض الأحيان محلّ رغبة جارفة بالإنسلاخ عن هذا الملمح أو ذاك أو محلّ شغف – قد يكون هشًّا – للاستحواذ على هذا الملمح أو ذاك، إنّما في كلّ الأحوال إنّ الوجه يبقى تلك العاصمة الشاسعة التي تعجّ بزحمة الملامح والتقاطعات وإشارات السير الصالحة أو المعطّلة فالأمر سواء.

ويمكن الزيادة على ذلك بالقول إنّ الوجه هو نصّ غير مكتمل حيال الهويّة الشخصيّة لكلّ منّا ولن يكتمل هذا النصّ في يوم من الأيّام. فأنا من ثمّ لا أرى بالمرّة أنّ ريلكه، الشاعر الشهير، كان مخطئًا عندما قال في إحدى المناسبات التي تضمّ كثيرًا جدًا من الناس: إن ثمّة عددًا هائلًا من الناس، لكن ثمّة عددًا أكبر من الوجوه… تحيّة إلى ريلكه الذي– من باب الإستطراد الذي لا داعي له في هذا المقال– تكلّم عن الموت الذي يركض في الشوارع محيّيًا المارّة.

الوجه عصارة الروح

ربّما يتحرّق المرء شوقًا من أجل الاستحواذ الكلّيّ على ذكريات يخفيها الوجه، تعود إلى مرحلة سابقة من مراحل العمر، كمرحلة الطفولة على سبيل المثال، لكنّه قد يتحرّق أيضًا بغية التخلّص من ذكريات أخرى تراها تحفر عميقًا في مسام جلد الوجه، والوجه في هذا السياق هو على الدوم رهن تذبذب هائل بين الانصياع إلى إلفة قديمة أو التمرّد على وحشة مؤلمة ترسم الخطوط والقسمات وصولًا إلى تجاعيد الشيخوخة.

ترى بعض أهل التقوى والإيمان يقولون إنّ الوجه بالإجمال هو عصارة الروح، إلّا أنّ انغراس الوجه في عالم يعمّه الاضطراب من كلّ الجهات ويومًا بيوم يسوقني شخصيًّا إلى قلب معادلة أهل التقوى والإيمان بالأرواح وبالتالي القول، إنّ الروح هي عصارة هذا العالم مثلما ينعكس فوق الوجوه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى