الرعاية النفسيّة خارج بيروت… الحاجة أكبر من الوصول

في نهاية يوم عمل طويل، يعود كرم (22 عاماً) إلى منزله في عين زحلتا (الشوف)، يذهب إلى النادي الرياضيّ، ثمّ ينام ويبدأ اليوم عينه من جديد. لا يصف حياته بأنّها صعبة، لكنّ هذا الروتين يصبح مصدر ضغط عندما يترافق مع راتب محدود وفرص قليلة وخدمات لا يجدها قريبة منه.
يقول كرم لـ”مناطق نت”: “مررت بفترات شعرت فيها أنّني بحاجة إلى شخص يساعدني أو يدعمني نفسيّاً. لكنّني في تلك الأوقات لم ألجأ إلى أحد، وحاولت مساعدة نفسي، إذ لا تتوافر في منطقتنا خدمات من هذا النوع”.
لا تبدو تجربة كرم استثنائيّة بين الشباب ممّن يعيشون خارج المدن الكبرى. في الجنوب، يرتبط القلق بالوضع الأمنيّ والحرب، وفي البقاع يرتبط جزء منه بالعمل والمستقبل، وفي طرابلس تتداخل الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة مع محدوديّة الفرص. وبين هذه التجارب المختلفة، يظهر سؤال واحد: ماذا يفعل الشاب أو الشابّة عندما يحتاجان إلى مساعدة ولا يجدانها بسهولة؟
لا يعني ذلك أنّ خدمات الصحّة النفسيّة غائبة عن لبنان. فبحسب “أطلس الصحّة النفسيّة 2024″، الصادر عن منظمة الصحّة العالميّة، يوجد 27.7 عاملاً في الصحّة النفسيّة لكلّ 100 ألف نسمة، بينهم 17.3 متخصّصاً نفسيّاً و1.3 طبيباً نفسيّاً. كذلك يسجل الأطلس 117 مرفقاً مجتمعيّاً للرعاية النفسيّة الخارجيّة، لكنّ البيانات المنشورة لا تقدّم توزيعاً تفصيليّاً لهذه الخدمات بين القرى والمناطق.
يعيشون ضغط المستقبل
في البقاع، مرّت ألين (21 عاماً) بمرحلة صعبة بعد تخرّجها الجامعي. كانت تبحث عن عمل في مجال تصميم الأزياء، لكنّها لم تجد الفرصة التي تبحث عنها. تقول لـ”مناطق نت”: “وصلت إلى مرحلة لم يعد يهمّني فيها نوع العمل، بقدر ما كان يهمّني أن أجد عملاً يؤمّن لي دخلاً”.
كانت تعرف أنّها بحاجة إلى دعم نفسيّ، لكنّها لم تتمكّن من جعله أولويّة. “هناك عدد قليل من المعالجين النفسيّين، وحتّى عندما يكونون متاحين، تكون الكلفة مرتفعة”، تقول ألين. واليوم، على الرغم من إقامتها في بيروت بسبب عملها، لا تزال الكلفة عائقاً أمامها.
وفي طرابلس، الأمر لا يختلف بتاتاً. يربط عبد الرحمن (30 عاماً) جزءاً من الضغط النفسيّ بالأزمة الاقتصاديّة. يستعيد فترة انخفض فيها دخله من نحو 600 دولار أمريكي إلى ما بين 33 و50 دولاراً في الشهر. يقول لـ”مناطق نت” إنّ الضغط انعكس على علاقاته وحياته اليوميّة، وإنّه فكّر في التحدّث إلى متخصّص، لكنّه لم يجد شخصاً قريباً يستطيع اللجوء إليه.
ويرى عبد الرحمن أنّ الأصدقاء والعائلة يمكن أن يقدّموا دعماً، لكنّهم لا يستطيعون دائماً التعامل مع المشكلات المعقّدة، يقول: “إذا جاء شخص وتحدّث معي عن مشكلاته، يمكنني أن أساعده في مشكلة أو اثنتين، لكن لا يمكنني أن أساعده في كلّ شيء. هناك أمور تحتاج إلى شخص متخصّص يعرف كيف يتعامل معها”.الحرب تركت أثراً مباشراً في حياتي. كنت أعيش في أجواء من الخوف والقلق والتوتّر المستمرّ، الأمر الذي أتعبني نفسيّاً بشكل كبير.
ريم (20 عاماً) من بلدة حاصبيا: “الحرب تركت أثراً مباشراً في حياتي. كنت أعيش في أجواء من الخوف والقلق والتوتّر المستمرّ، الأمر الذي أتعبني نفسيّاً بشكل كبير”.
في الجنوب خوف إضافيّ
في النبطيّة، لا ينفصل الضغط النفسيّ الذي يعيشه مهدي (26 عاماً) عن الخوف من عدم الاستقرار. يقول إنّ “الشاب في الجنوب يحاول في الوقت نفسه أن يعمل، ويساعد عائلته، ويبني مستقبله، وسط ظروف أمنيّة واقتصاديّة متغيّرة”.
يضيف لـ”مناطق نت”: “عندما يحتاج الشاب إلى متخصّص، تظهر عوائق أخرى. أوّلها الكلفة، لأنّ الجلسات ربّما تكون مرتفعة بالنسبة إلى دخل الناس، إضافة إلى كلفة المواصلات والبنزين والمسافة. بعض الخدمات المجّانيّة أو منخفضة الكلفة قد تكون عليها ضغوط كبيرة، فتتأخّر المواعيد”.
ومن حاصبيا، تصف ريم (20 عاماً) واقعاً مشابهاً. تعرف بوجود متخصّصين في منطقتها، لكنّها ترى أنّ العدد والاختصاصات لا يشبهان ما هو متاح في المدن الكبرى. وإذا احتاج شخص إلى نوع محدّد من العلاج، “يضطرّ إلى التوجّه نحو بيروت أو يقصد مدناً أخرى، وهذا يعني بالتأكيد كلفات إضافيّة ووقتاً ومسافة طويلة”.
تقرّ ريم بإنّ “الحرب تركت أثراً مباشراً في حياتي. خلال التصعيد، توقّفتِ الجامعة عن التعليم الحضوريّ، وبقيتُ في المنزل فترة طويلة، ولم أستطع الانتقال إلى بيروت أو لقاء أصدقائي. كنت أعيش في أجواء من الخوف والقلق والتوتّر المستمرّ، الأمر الذي أتعبني نفسيّاً بشكل كبير”.
قلّة من المتخصّصين
تشير المتخصّصة النفسيّة العياديّة ميرا خليفة إلى أنّ “الفجوة بين المدن والمناطق لا ترتبط بالحاجة النفسيّة بقدر ما ترتبط بتوزيع الخدمات”. وتقول لـ”مناطق نت”: “إن عدد المتخصّصين في القرى قليل مقارنة بعدد السكّان، وهناك فجوة كبيرة في توافر العيادات والخدمات، كذلك فإنّ المواصلات والكلفة ونقص بعض الاختصاصات تجعل الوصول أكثر صعوبة، بخاصّة عندما يحتاج الشخص إلى متابعة منتظمة”.
تشير خليفة إلى أنّ “الحرب، والبطالة، وعدم القدرة على تأمين المستقبل أو بدء حياة مستقرّة، يمكن أن تدفع الشباب إلى أزمات نفسيّة، لا سيّما في ظلّ تكرار الأزمات وعدم الاستقرار”، وتؤكّد أنّ “تأثير هذه الظروف لا يظهر بالطريقة نفسها لدى الجميع. فبالنسبة إلى شاب يبحث عن عمل ولا يجده، قد يصبح المستقبل نفسه مصدر قلق. وبالنسبة إلى شابة عاشت مدّة في الحرب، ربّما يتحوّل الخوف وعدم القدرة على الحركة أو متابعة حياتها الطبيعيّة إلى ضغط مستمرّ”.
وتضيف: “تأخير طلب المساعدة ربّما يؤدي إلى تفاقم المشكلة وانعكاسها على الدراسة والعمل والعلاقات والحياة اليوميّة. لذلك، لا تقتصر الحاجة على توعية الشباب بأهمّيّة الصحّة النفسيّة، تشمل أيضاً توفير خدمات قريبة وميسّرة يمكن الوصول إليها قبل أن تتحوّل الضغوط المتراكمة إلى أزمة أكبر”.
المتخصّصة النفسيّة ميرا خليفة: الحرب، والبطالة، وعدم القدرة على تأمين المستقبل أو بدء حياة مستقرّة، يمكن أن تدفع الشباب إلى أزمات نفسيّة.
هل تصل الخدمة؟
تظهر بيانات خطّ الحياة الوطنيّ 1564 جانباً آخر من الصورة. فقد استقبل الخطّ 3,625 اتّصالاً خلال الربع الأوّل من العام 2026، وكان 63 في المئة من المتّصلين ممّن توافرت بيانات أعمارهم بين 18 و34 عاماً. وتوزعت اتّصالات اللبنانيّين بحسب مكان الإقامة بين بيروت وجبل لبنان والشمال والجنوب والبقاع وبعلبك – الهرمل وعكّار والنبطيّة.
لكنّ هذه الأرقام لا تعني أنّ سكان منطقة ما يعانون أكثر من غيرهم، ولا تقيس حجم الحاجة النفسيّة في كلّ محافظة. إنّها تعكس فقط الأشخاص الذين استخدموا الخطّ. يعمل الخطّ على مدار الساعة، ويوفر الدعم النفسيّ والتدخّل في الأزمات والإحالة إلى خدمات قريبة.
هنا، تشير خليفة إلى أنّ “خدمات الدعم من بُعد يمكن أن تساعد الأشخاص الذين يصعب عليهم الوصول إلى العلاج، لكنّها لا تستطيع أن تحلّ مكان الخدمات المتخصّصة دائماً، فهناك حالات تحتاج إلى تقييم نفسيّ كامل، أو علاج منتظم، أو متابعة مع متخصّص”.
مع ذلك، فإنّ وجود هذه الخدمات لا يضمن معرفة الشباب بتوافرها، وقد تكون الخدمة موجودة نظريّاً، لكنّها بعيدة أو لا تتوافر لها مواعيد سريعة.
ليست كلّ المسافات جغرافيّة
تتحدّث الأرقام عن الكلفة، وتتحدّث الشهادات عن المسافة، لكنّ هناك مسافة أخرى يصعب قياسها، تلك التي تخلقها الوصمة الاجتماعيّة.
في القرى، تقول خليفة: “قد يخشى الشخص أن يعرف آخرون أنّه يطلب مساعدة نفسيّة، فهذه الوصمة لا تزال موجودة، وقد تؤثّر في طلب المساعدة”. تضيف “تفرض الأدوار الاجتماعيّة ضغطاً إضافيّاً على الشباب الذكور، إذ يُتوقّع من الشاب ألّا يعبّر عن مشاعره، وألّا يبكي، وأن يكون قويّاً وقاسياً”.
في المناطق البعيدة من بيروت، تختلف تجارب الشباب، لكنّ ما يجمعها أنّ الحاجة والرغبة وحدهما لا تكفيان للوصول إلى الرعاية النفسيّة. فقد تكون الخدمة موجودة، لكن كلفتها مرتفعة، أو بعيدة، أو لا يتوافر لها الاختصاص المطلوب، أو تحيط بها وصمة تجعل طلبها أكثر صعوبة.
وبين من يحتاج إلى من يستمع إليه، ومن يستطيع الوصول إلى من يساعده، لا تُقاس المسافة بالكيلومترات وحدها.



