الخوف… حينما يصبح عدسة الإنسان الوحيدة

من الطبيعيّ أن يشعر الإنسان بالخوف إزاء خطر يحدق به من هنا أو من هناك، إنّما ماذا لو تحوّل الخوف ليصبح تلك العدسة المكبّرة التي نحدّق من خلالها في العالم؟ ماذا لو ارتضى الإنسان لنفسه أن يكون بمثابة المشاع الشاسع الذي يحتلّه الخوف من كلّ الجهات؟ إنّ الإنسان عندئذ هو أقرب إلى كائن تشدّه الأطواق من كلّ جانب وترمي به في براثن عدم الألفة، في براثن تلك الغربة الشريرة التي ترى في العالم محض انقضاض يتهيّأ في أيّ حين.

إن فَوْرة الخوف التي لا حدود لها تسوق إنسانها لأن يبدّد بالفعل كلّ ألفة مع العالم، بل ترى فَوْرة الخوف هذه تجرّ إنسانها إلى نمط من العبوديّة المختارة تحت عناوين عدة، منها مثلاً “بعود عن الشرّ وغنّيلو” أو “أريَح راس” أو ما شاكل من عبارات تستجدي الأمان الزائف والمقيت.

الخوف في لغة الجسد

إنّ عيون الكائن الخائف على الدوام تقتات على الترقّب الشقيّ وعلى مهادنة العالم عبر نظرات يملؤها الغموض، فضلاً عن تلك اللغة التي يتبنّاها كلّ الجسد في علاقته مع الآخرين.

لم يقصّر الفيلسوف الفرنسيّ ميرلو بونتي حيال تلك العلاقة الفريدة بين العاطفة بشكل عام والتعبير الجسديّ، وللخوف في هذا الصدد اليد الطولى في رسم الجسد على هواه الخاص. وحبّذا، من باب الاستطراد، لو كان بالإمكان ملاحقة بونتي إلى آخر الشوط في هذا السياق، سياق العواطف والتعبير الجسديّ.

فأن يكون الخوف هو بوصلة الجسد والنظرات واللسان واللفتات، فإنّ الإنسان عندئذ يُعنون أكثر ما يُعنون تحت لافتة “إنسان الخوف”. إنّ تكلّف الابتسامات ساعتئذ هو سلوك مذلّ، أمّا تلك العبارات اللطيفة فهي أقرب إلى فعل استجداء، أيضاً مذلّ. فأن يُصار إلى اعتبار أيّ شيء في العالم مدعاة للخوف، سيغدو ضبط كلّ سلوك مهما كان عاديّاً هو شيفرة هذا الخائف المسكين.

الخوف من الجمال والطمأنينة

من النافل القول إنّ العالم بشكل عام ليس بالواحة التي تزقزق في سمائها العصافير كلّ الوقت، وهو أيضاً ليس ذلك الحقل الفسيح الذي تزهر فيه الورود وترفرف الفراشات من أيّ جهة وصوب. إنّما أن يسوق الخوف البعض لأن يرتابوا حتّى من مشاهد الجمال أو الطمأنينة أو راحة البال، فإنّ كبح تنهيدة هذا الخوف هو عندها المهمّة الدائمة لدى هؤلاء الخائفين.

يُقال إنّ للعواطف والانفعالات تاريخاً تطوريّاً واجتماعيّاً وشخصيّاً على حدّ سواء، إنّما أن يكون الخوف محلّ تجذّر وتشبّث بما يفوق التوقّعات، فكلّ تاريخ العواطف يُعلّق في حضرة هذا الخوف الهائل الجهنّميّ.

أن يكون الإنسان مجبولاً على ذعر دائم وعلى خوف مستمرّ وعلى تردّد وصمت ذليل، فالحياة في هذه الحال رهن همس مدوٍّ يقول بكلّ جبن: “من حيط لحيط يا ربّي توصّلني عالبيت”، علماً أنّه حتّى البيت في هذا المسلك هو بمثابة متراس أو جدار يختبئ الخائف خلفه أو حفرة يُصار عبرها إلى النظر نحو الخارج عبر تخاطف النظرات.

إنّه الخوف الذي يدجّن الشخصيّة البشريّة مع محض الامتثال إلى ما يتوقّعه منك الآخرون.

الخوف كوسيلة للإدراك

قد يكون الخوف في بعض جوانبه غضباً مكتوماً أو آليّة يقظة وترقّب أو استراتيجيّة لرصد ما هو مجهول، ولا بأس بهذا النمط من الخوف المُهندم المضبوط، إلّا أنّ جميع هذه التمظهرات الموقّتة للخوف تصير محلّ انزياح عندما يصبح الخوف لدى البعض هو الوسيلة الوحيدة للوقاية، أو السبيل الوحيد لمقاربة العالم القريب أو البعيد. إنّ الخوف في هذه الحال اللعينة هو سيّد مختلف العواطف، إنّه العاطفة الوحيدة التي، وقد استشرستْ إلى حدّ التوحّش، تراها الأداة الصلبة للإدراك.

إنّ الخوف، وقد اكتسب تلك المكانة القَبْليّة في ذهن البعض، يودي في هذا البعض إلى متاهات الطرق المسدودة، ذلك أنّه ليس من يُسر الأمور أن يجد المرء طريقه في متاهات الخوف، وأراني في هذا الصدد أسأل نفسي، من غير أن ألقى ٍجواب، عن تلك الأسباب الغامضة التي تجرجر البعض إلى الافتتان المضني بالخوف.

العبوديّة المختارة

ترى مناهضة الحياة في الحدّ الأدنى من الشجاعة بمثابة تهوّر بالنسبة إلى من شكّل الخوف كيانهم، وترى الإقدام على ما هو غير متوقّع بمثابة عدم اليقظة بالنسبة إلى هؤلاء، وترى مجابهة الآخرين ضرباً من الجنون مهما كنت محقّاً في فعل المجابهة هذا!!

هو الخوف الذي يدجّن الشخصيّة البشريّة مع محض الامتثال إلى ما يتوقّعه منك الآخرون. هو الخوف الذي يجذّر في مَن قد تلبّسه محض الرتابة وغضّ النظر وصرف الانتباه، حتى عن أكثر الأمور مدعاة لفورة الأعصاب والغضب الذي في محلّه الصحيح. تراني أتساءل: هل حقاً لا يقع الشخص الخوّيف في فورة فقدان الأعصاب مهما تكن السبل إلى هذا الفقدان مهيّأة وواضحة وظاهرة للعيان؟!

يُعنون عالم الاجتماع البولّندي زيجمونت باومان الفصل الخامس من كتابه “الخوف السائل” (الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر) بـ”إطلاق عنان الخوف”. بصرف النظر عن السياق الذي وظّف فيه باومان هذا العنوان الجميل، فإنّ الخوف المطلق العنان هو آليّة شديدة الشراسة ضدّ تحفيز الحدّ الأدنى من إمكانيّات البشر، وهو في بعض ضروبه دعوة صارمة للامتثال إلى كلّ ما يداري ذائقة الآخرين، وذلك بصرف النظر عن وجاهة هؤلاء الآخرين أو قعر “شرشحتهم”.

لا أنكر أنّ الخوف في بعض الأحيان قد يكون مبرّراً ومفهوماً، إنّما الطامّة الكبرى هي أن يجهد المرء في تبنّي الخوف على الدوام، كما تخبرنا فرقة Magazine في تلك الأغنية الشهيرة التي ترى في الإنسان الخائف على الدوام بمثابة عدم يتلصّص على الحياة بذعر… ولله في خلقه شؤون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى