بين المكسيك ولبنان جداريات باولا دلفين طريقها للانتماء

في طريق عودتي من ورشة عمل قرب منطقة بيروت الرقميّة (Beirut Digital District)، لفتت انتباهي فنّانة تعمل على جداريّة في المنطقة، وقد اعتلت منصّة رفع هوائيّة. لوّحتُ لها من أسفل، وإن كنت نادراً ما أفعل ذلك. ردّت عليّ بالمثل، لكنّني شعرت بأنّ ما يجري يجب ألّا يكون لحظة عابرة، وأنّ هناك قصّة تحاول هذه الفنانة سردها، وعليّ أن أعرفها.

أعدت التواصل مع باولا دلفين، وهي فنّانة مكسيكيّة جاءت إلى لبنان بسبب قصّة شخصيّة، إلّا أنّها اختارت ألّا تغادره، على رغم ظروف الحرب وصعوبة البدء من الصفر في لبنان، بعدما أمضت عقداً من الزمن في العمل والتنقّل بين أماكن مختلفة. تخبر دلفين “مناطق نت” أنّ لبنان لطالما أثار انتباهها، حتّى قبل أن تأتي إليه في المرّة الأولى، وأنّها حتّى خلال الحرب شعرت بأن ليس عليها أن تغادر هذا البلد الذي وقف بدوره إلى جانبها.

تقول: “بدأت اكتشف البلد، فانبهرت بجمال لبنان. أردت أن أصنع شيئاً هنا، ومع مرور الوقت، شعرت بأنّني لست مستعدّة للرحيل. شعرت بوجود رابط بين بلدي ولبنان، رابط جعلني أشعر بأنّني أستطيع أن أجد هنا شيئاً على المستويين الشخصيّ والمهنيّ، شيئاً يشبه الشخص الذي أصبحت عليه اليوم”.

وعن قرارها في البقاء هنا، تقول: “كانت قفزة إيمان. أحسست بأنّني أستطيع صنع شيئاً هنا. وبالطبع، ساعدني أشخاص التقيت بهم، وكانوا جزءاً من هذه الرحلة. على المستوى الشخصيّ، كنت أحاول منذ فترة أن أفهم فكرة الانتماء. فبعد سنوات طويلة أمضيتها في التنقّل من مكان إلى آخر، وبعد أن عرفت معنى الانتماء إلى بلدي، اخترت أن أحاول بناء مفهوم جديد للانتماء، خاص بي هنا في لبنان”.

شعب لبنان “طيّب وكريم”

تصف دلفين الشعب اللبنانيّ بأنّه طيّب وعاطفيّ وشديد الحماس، وهو أمر لم يفاجئها، إذ كانت قد سمعت مسبقاً عن صفات اللبنانيّين.

تقول: “كنت محظوظة في أن أعيش خلال عملي لحظات جميلة مع أشخاص طيّبين، من الأطفال إلى الكبار. من أشخاص شاركوني في تصوير أشياء جميلة، إلى آخرين ساعدوني عندما احتجت إلى شيء، أو أحضروا لي الطعام والقهوة، أو فاجأوني بهديّة أو بلفتة لطيفة”.

من طرابلس، في مخيم الفلسطينيّين، حيث حصلت على ملابس مصنوعة يدويّاً، إلى الميناء، حيث كانوا يحضّرون لها الطعام كلّ يوم، وصولاً إلى جونيه، إذ كوّنت صداقات وثيقة، وأصبح الجيران أشبه بعائلة لها. وكذلك في بيروت، إذ الناس يحيّونها من نوافذ المباني. تؤكّد دلفين أنّ الاختلافات موجودة بين المناطق، إلّا أنّ “شعور الطيبة والكرم واحد”.

عملت دلفين على جداريّات في جونيه وطرابلس، أمّا في بيروت فلا يزال العمل جارياً. وتحدّثت مع عن القصص التي أرادت أن ترويها في كلّ عمل من أعمالها.

جدارية للفنانة باولا دلفين في جونية
جدارّيات للذاكرة والأمكنة

تأتي الجداريّة التي اشتغلتها في جونيه ثمرة تعاون مع السفارة المكسيكيّة وبلديّة المدينة. تروي دلفين ما جرى في العام الماضي، في مناسبة الذكرى الثمانين لإقامة العلاقات بين لبنان والمكسيك، إذ لمعت فكرة تكريم المهاجرين بصورة عامّة، واللبنانيّين ممّن سافروا إلى المكسيك للمرّة الأولى قبل أكثر من مئة عام، بصورة خاصّة.

تضيف: “أردنا الاحتفاء بالصلة بين بلدينا وبالإرث الذي حمله اللبنانيّون معهم إليها. أردت أن أحتفي بالتقاليد من خلال الملابس والرموز التي تمثّل بلدينا، وأرشيف العائلات التي هاجرت، وكذلك بالإرث الثقافيّ الذي تشتهر به المكسيك، أيّ بفنّ الجداريّات والرسم”.

استلهمت دلفين العمل من لوحة فريدا كاهلو الشهيرة “فريدتا الاثنتان”Las dos Fridas) ) وفي الجداريّة، تجمع إمرأتان بينهما جسور ثقافيّة، امرأة من جنوب المكسيك وأخرى من شمال لبنان. وتحيط بالعمل عناصر صغيرة تحتفي بإرث كاهلو الفنّيّ، وتمثّل الفنّ المكسيكيّ الذي ألهم مسيرة دلفين الفنّيّة.

أمّا إحدى الجداريّات التي نفّذتها في طرابلس، فكانت بمثابة تكريم لطفلتين قُتلتا مع عائلتهما في استهداف طال مخيّم نهر البارد خلال حرب 2024. تقول دلفين: “أردت تسليط الضوء على الأطفال ممّن قُتلوا خلال الحرب. كانت بمثابة تحيّة صغيرة لهما، ولجميع الأطفال الذين فقدوا حياتهم”.

الجدارية التي نفّذتها باولا دلفين في طرابلس
“نبض”… جدارية بيروت

بالنسبة إلى جداريّة بيروت، فهي تحمل اسم “نبض”. وعن فكرتها، تقول دلفين: “ما يبقينا على قيد الحياة، أيّ الأمل والأحلام على رغم الصعوبات. كذلك تتناول البحث عن الانتماء والحاجة إليه، وهو أمر يرتبط أيضاً برحلتي الشخصيّة في البحث عن الإنتماء، وبحث أراه إنسانيّاً وعالميّاً، ولا سيّما في الوقت الراهن. فنحن جميعاً بحاجة إلى أن نشعر في أنّنا جزء من شيء أكبر منّا”.

ولا تنكر دلفين واقع الحرب في بلد “فيه كثير من الجروح التي تحتاج إلى الالتئام، في بلد يتمتّع بهذا القدر من الجمال”، موضحة أنّ العمل يتحدّث عن الحاضر والمستقبل.

وتقول: “النماذج في الجداريّة لأشخاص حقيقيّين. أليس، الشخصيّة الرئيسة، فنّانة لبنانيّة تعمل مع منظّمة “أحلى فوضى”، وهي منظّمة غير حكوميّة تساعد النازحين عبر الفنّ. أردت تكريمهم من خلال العمل. الأطفال اضطرّوا إلى ترك منازلهم مرّة أخرى، وأردت أن يكون لهم حضور في هذه الجداريّة. أطفال من الجنوب والبقاع وبيروت، من شمال لبنان إلى جنوبه، صورة للبنان كوحدة متكاملة تجعل هذا البلد مميّزاً على رغم اختلافاته”.

تضمّ الجدارية رموزاً من الأدب والتكنولوجيا القديمة، وعناصر تعبّر عن التواصل من خلال الفنّ، في رسالة عن الشفاء والتجدّد. وقد أُنجزت الجداريّة بالتعاون مع معهد “ثربانتس” و(BDD).

مكان أحبّ إلى قلبها؟

ولدى سؤال دلفين عمّا إذا كانت سوف تصطحب شخصاً يزور لبنان للمرّة الأولى، فأيّ منطقة ستختار؟ جاء جوابها: “سؤال صعب. لبنان بلد كبير على رغم صغر مساحته، لكن إذا كان عليّ الإجابة، فسآخذهم إلى الأماكن التي اكتشفت فيها بلدكم للمرّة الأولى: إلى طرابلس، حيث عشت، كي نتجوّل معاً في شوارعها القديمة ونزور الشواطئ المحيطة بها، وإلى الجنوب إذا كان ذلك ممكناً، ثمّ أكتشف بيروت معهم”.

الفنّانة المكسيكية باولا دلفين تنفّذ جدارية بيروت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى