بين المنبر والشاشة الرقميّة هكذا تطوّرت دعاية شيعة لبنان

شهدت الساحة الشيعيّة في لبنان تحوّلاً جذريّاً في أساليب التعبئة والدعاية السياسيّة على مدى ما يقارب قرناً من الزمن. لم يكن هذا التطوّر مجّرد تغيير في الأدوات والتقنيّات، بل كان مرآة لتبدّل الهويّة السياسيّة لدى الطائفة؛ من الانكفاء ومعارضة الكيان الناشئ، إلى الانخراط في الدولة، وصولاً إلى الاستئثار بصياغة فضاءاتها العامّة بصبغة عقائديّة وعسكريّة فريدة.
تاريخيّاً، كيف تطوّرت آليّات الاستقطاب الشيعيّ في الفضاء العام اللبنانيّ؟ وكيف أثّرت هذه الآليات في المشهد البصريّ للشارع اللبنانيّ؟ هل تحوّلت رموز الاستقطاب السياسيّ والطائفيّ إلى جزء من الذاكرة البصريّة للمدينة؟ وهل يمكن بناء رؤية حضاريّة بديلة توازن بين حفظ الذاكرة وإنتاج فضاء مدنيّ أكثر جمالاً وتنوّعاً؟
من النخبويّة التقليديّة إلى الحزبيّة
خلال مرحلة النضال السياسيّ التي رافقت إعلان دولة لبنان الكبير العام 1920، واجهت النخب الشيعيّة، المتمثّلة في الوجهاء الإقطاعيّين ورجال الدين، الانتداب الفرنسيّ بمشروع وحدويّ عروبيّ معارض للكيان الجديد. في تلك الحقبة، غابت وسائل الدعاية الحديثة بمفهومها المعاصر كاللافتات المطبوعة والملصقات والصور، إذ فرضت نسبة الأمّيّة المرتفعة، وضيق الإمكانيّات التقنيّة، والقبضة الأمنيّة الفرنسيّة، الاعتماد على وسائل تقليديّة نخبويّة وشفهيّة.
تمثّلت هذه الوسائل في المؤتمرات الشعبيّة الحاشدة “مثل مؤتمر وادي الحجير العام 1920″، والخطابة الدينيّة فوق المنابر الحسينيّة، وكتابة العرائض والرسائل السياسيّة الموجّهة إلى الملك فيصل في دمشق أو إلى مؤتمر الصلح في باريس، بالإضافة إلى بثّ القصائد والمقالات في الصحف العربيّة المحدودة الانتشار.
ومع حلول مرحلة الاستقلال العام 1943، تبدّل المشهد السياسيّ والتقنيّ في لبنان. برز تنظيمان شيعيّان أحدثا قطيعة مع الأسلوب النخبويّ العفويّ، هما منظّمة “الطلائع” أسّسها رشيد بيضون العام 1944 ومنظّمة “النهضة” أسّسها أحمد الأسعد العام 1946.
استغلّت المنظّمتان المناخ السياسيّ المنفتح والانخراط في نظام الاستقلال، فاعتمدتا وسائل تنظيميّة ودعائيّة حديثة ومحترفة تشبه الأحزاب المعاصرة؛ وأنشأتا مقرّات ثابتة في بيروت والجنوب، والتزمتا بنظام الاستمارات الحزبيّة والرتب والأقدميّة. بل إنّ “الطلائع” ذهبت نحو تبنّي الأجنحة شبه العسكريّة، وتنظيم الاستعراضات الميدانيّة الكبرى بالزيّ الموحّد وإبراز الشعارات الحزبيّة، متأثرة في الأحزاب العقائديّة الصاعدة في تلك الحقبة كالكتائب والنجّادة، مستبدلة الوجاهة التقليديّة بدعاية قائمة على الخدمات التنمويّة، والصحّيّة، ومحاربة الأمّيّة في صفوف النازحين والمحرومين.

المدّ اليساري والقوميّ والفلسطينيّ
في الستينيّات والسبعينيّات، شهدت الساحة الشيعيّة طفرة دعائيّة غير مسبوقة مع انخراط قطاعات واسعة من الشباب في الأحزاب اليساريّة (كالحزب الشيوعيّ اللبنانيّ ومنظّمة العمل الشيوعيّ)، والأحزاب القوميّة الناصريّة، والفصائل الفلسطينيّة. اعتمدت هذه القوى على منظومة بروبّاغندا جماهيريّة متكاملة كسرت الأدبيّات التقليديّة.
على الصعيد الثقافيّ والأيديولوجيّ مثلاً، شكّلت المجلّات الحزبيّة والكتيّبات الماركسيّة المترجمة، جنباً إلى جنب مع الشعر الثوريّ والأناشيد الحماسيّة المذاعة عبر المسجّلات، مادّة دسمة لصناعة الوعي الفلّاحيّ والطبقيّ ضدّ الإقطاع.
أمّا ميدانيّاً، فغزا “الملصق السياسيّ” الفنّيّ المطبوع واليافطات الملوّنة جدران الأحياء الفقيرة وقرى الجنوب حاملة شعارات طبقيّة حادّة مثل “الأرض لمن يفلحها”. ورُفعت صور الأيقونات الأمميّة والقوميّة لتشي غيفارا و(فلاديمير) لينين وجمال عبد الناصر وياسر عرفات لخلق شعور بالانتماء إلى حركة تحرّر عالميّة.
تكامل هذا الجهد مع تأسيس أندية رياضيّة وثقافيّة نظّمت مسرحيّات ثوريّة، ومخيّمات تدريبيّة صيفيّة على السلاح، مستخدمة “دعاية الفعل والكفاح المسلّح” بعد هزيمة العام 1967، حيث تحولّت بندقيّة الفدائيّ وكوفيّته إلى عامل جذب ساحر لشباب الأرياف ممّن افتقدوا حماية الدولة اللبنانيّة في وجه الاعتداءات الإسرائيليّة.
الإمام الصدر وولادة “حركة أمل”
في منتصف السبعينيّات، أحدث الإمام موسى الصدر انعطافة كبرى بتأسيس “حركة المحرومين” العام 1974 ثمّ جناحها العسكريّ “أفواج المقاومة اللبنانيّة – أمل” العام 1975. تميّز الأسلوب الدعائيّ للحركة بالارتكاز على الكاريزما الفائقة للإمام الصدر، مدمجاً المظلوميّة الاجتماعيّة بالخطاب الوطنيّ اللبنانيّ الجامع.
تمثلت ذروة الاستقطاب في تنظيم المهرجانات المليونيّة الحاشدة (كمهرجانيّ بعلبك وصور 1974) والاعتماد على “القسَم الجماعيّ” كأداة تعبئة عاطفيّة تهزّ الوجدان، إلى جانب إصدار بيانات مباشرة لعلّ أبرزها “تقرير إلى المحرومين” للتشهير بفساد السلطة والإقطاع.
وعقب الإعلان عن “أمل” رسميّاً إثر انفجار معسكر “عين البنية” التدريبيّ العام 1975 واختفاء الإمام الصدر العام 1978، تحوّلت الحركة بشكل مكثّف نحو الدعاية البصريّة الميدانيّة. غطّى العلم الأخضر وشعار الحركة الخطّيّ (خريطة لبنان وفوقها الشعلة) الشوارع وأعمدة الكهرباء. ونزلت آلاف الملصقات الجداريّة الملوّنة التي تحمل صور الإمام الصدر بعباءته وعمامته مقترنة بشعارات مثل “أين الإمام؟”، وملصقات “الشهداء” بزيّهم العسكريّ مع عبارات “أمل إرادة شعب وغضبة محروم” و”إسرائيل شرّ مطلق والتعامل معها حرام”.
شكّل هذا الزخم البصريّ بداية حرب شوارع دعائيّة لكسر احتكار اليسار للفضاء العام وتحويل الأحياء من اللون الأحمر وصور غيفارا إلى اللون الأخضر الحركيّ.

“الثورة الإسلاميّة” و”حزب الله”
مع انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران العام 1979 ونشوء حزب الله في الثمانينيّات، انتقلت البروّباغندا الحزبيّة في الساحة الشيعيّة من مستوى الهواة والمحلّيّين إلى مصاف “المأسسة والاحتراف المؤسّساتي المتكامل”. فرض الحزب هويّة بصريّة موحّدة غطّت ضاحية بيروت الجنوبيّة والجنوب والبقاع باللون الأصفر وعلم الحزب الأيقونيّ (القبضة والبندقيّة الممتدّة من لفظ الجلالة). وتصدّرت جداريّات القادة الإيرانيّين والمحلّيّين العملاقة (الإمام الخمينيّ، الخامنئيّ، السيّد عباس الموسويّ، والشيخ راغب حرب) واجهات المباني الشاهقة، ترافقها يافطات الآيات القرآنيّة الجهاديّة وأقوال مواجهة “الاستكبار”.
لم تعد الدعاية مجرّد شعار جداريّ، بل تحوّلت مع تصاعد المواجهة العسكريّة المباشرة مع الاحتلال الإسرائيليّ وسقوط “الشهداء” إلى “دعاية الفعل والدم”. استحدث الحزب مؤسّسات دعائيّة موازية، وطوّر إعلامه الحربيّ الميدانيّ الذي وثّق تفجير واقتحام المواقع الإسرائيليّة بالصوت والصورة وبثّها عبر تلفزيون المنار (تأسّس 1991) وإذاعة النور (تأسّست 1988) لتشكّل أقوى وسيلة جذب حيّة للشباب.
كذلك أُدخلت ظاهرة “الوصيّة المصوّرة” للاستشهاديّين قبل انطلاقهم، والجنازات العسكريّة المنضبطة لفرق الكشّافة، وخضعت ملصقات الشهداء الممتدّة على أعمدة الكهرباء لتصاميم غرافيكيّة مدروسة تدمج وجوههم بخلفيّات القدس أو كربلاء لإضفاء هالة مقدّسة عليها.
وفي أواخر الثمانينيّات، شهدت الساحة الشيعيّة سباقاً إعلاميّاً كبيراً وتنافساً بصريّاً واسعاً لإثبات الحضور الجماهيريّ بين “حركة أمل” و”حزب الله”. تحوّلت الجدران والساحات العامّة إلى ميدان مفتوح لتظهير التمايز الحركيّ والعقائديّ عبر الألوان والشعارات (الأخضر مقابل الأصفر)، قبل أن تفضي التفاهمات السياسيّة اللاحقة إلى تنظيم هذا الحضور وتكريس الشراكة البصريّة المتبادلة.
التوظيف الدعائي في عاشوراء
مثّلت واقعة كربلاء ومظلوميّة الإمام الحسين الرافعة الأيديولوجيّة والتعبويّة الأكبر لكلا التنظيمين، اللذين نجحا في صهر الوجدان الشيعيّ وتحويل طقس البكاء التقليديّ إلى أداة تسييس حاشدة، وإن اختلفا في زاوية التوظيف.
وظّفت حركة أمل عاشوراء من منظور اجتماعيّ ووطنيّ داخليّ، رابطة الحرمان الجنوبيّ والبقاعيّ بالمظلوميّة الكربلائيّة؛ فصوّرت ثورة الحسين امتداداً للنضال ضدّ الطغيان المحتكر للسلطة والإقطاع، محوّلة المجالس إلى منابر للخطاب الوطنيّ والدعوة إلى العيش المشترك عبر مسيرات “كشّافة الرسالة الإسلاميّة” التي رفعت العلم اللبنانيّ إلى جانب راياتها الخضراء.
في المقابل، ذهب حزب الله بالذكرى نحو راديكاليّة تعبويّة عسكريّة مستلهمة من الثورة الإيرانيّة. صاغ شعار “كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء”، وأسقط الواقع التاريخيّ على الواقع المعاصر؛ فغدت إسرائيل وأمريكا هما “يزيد العصر”، ومجاهدو المقاومة هم “أنصار الحسين”، وبات طلب الشهادة والالتحاق بالجبهات واجباً دينيّاً مقدّساً.
حوّل الحزب المناسبة إلى ذروة عرضه البصريّ والسياسيّ السنويّ من خلال المسيرات المليونيّة المنضبطة المنتهية بخطاب الأمين العام، وبث الأناشيد واللطميّات الحماسيّة الاحترافيّة لفرق “الولاء”، جاعلاً من المناسبة منصّة شحن روحيّ وسياسيّ دوريّة لا تملكها أيّ من الأحزاب اللبنانيّة الأخرى (كالكتائب، أو القوّات اللبنانيّة، أوالتقدّميّ الاشتراكيّ)، وهو ما جعل أسلوب الثنائيّ الشيعيّ الدعائيّ حالة فريدة بنيويّاً ومؤسّساتيّاً تتجاوز المحلّيّة.

نمط عشوائيّ أم تحيّة وفاء؟
إنّ هذا الاندفاع البصريّ المكثّف والتمدّد غير المنضبط للأعلام، واليافطات القماشيّة، وملصقات الشهداء المتروكة لعوامل الطقس فوق أعمدة الكهرباء، وجدران المباني، وإشارات المرور، تحوّل بمرور العقود إلى حال جدليّة واسعة في لبنان. إذ يرى فيه معارضوه ومهندسو المدن نمطاً عشوائيّاً يتسبّب في تشوّه بصريّ خانق، يحجب جماليّة العمارة التراثيّة والحديثة، ويضفي طابعاً عسكريّاً مذهبيّاً يستفزّ الفضاء العام المشترك. في المقابل، يراه جمهوره ثقافة وفاء مشروعة تخلّد ذاكرة المقاومة والشهادة.
نحو خطّة بديلة
حل هذه الإشكاليّة لا يكمن في إلغاء الرموز أو طمس الهويّة الثقافيّة، بل في الانتقال من التعبئة العشوائيّة الحزبيّة إلى أسلوب “إدارة الهويّة البصريّة للمدن” المعمول به عالميّاً، من خلال تطبيق خطّة حضاريّة بديلة تعتمد محاور عدّة.
منها منع لصق الصور والملصقات على أعمدة الكهرباء والمباني بشكل كامل، والاستعاضة عنها بتحويل الحوائط الخرسانيّة الصمّاء الضخمة والجسور إلى لوحات غرافيتّي وجداريّات فنّيّة مرسومة باحترافيّة عالية تخلّد القادة والشهداء بلمسات جماليّة تندمج مع الطبيعة والعمارة. أو حظر تعليق الصور الشخصيّة على أعمدة الإنارة والشوارع السكنيّة، والاستعاضة عنها بإنشاء “حدائق الشهداء” أو “ساحات الذاكرة” المنسّقة بيئيّاً عند مداخل البلدات، يرتفع في وسطها نصب تذكاريّ معماريّ حديث تُحفر عليه أسماء شهداء البلدة وسيرهم بأسلوب أنيق يحفظ كرامة الشهيد وجمال المدينة.
مجلس تنسيقيّ مشترك
كذلك يمكن إلزام البلديّات بتركيب حوامل إعلانيّة موحّدة ومدروسة هندسيّاً تُؤجّر أو تُخصّص للأحزاب كي تعرض شعاراتها السياسيّة والدينيّة خلال المناسبات المحدّدة (كعاشوراء)، مع فرض تعهّدات صارمة بإزالتها فور انتهاء المدّة الزمنيّة المحدّدة لمنع تآكلها وتحوّلها إلى ركام مشوّه. ويمكن أيضاً تحديد “مسارات بصريّة ذكيّة وموقّتة” خلال مواسم الحشد كعاشوراء، بحيث تُركّز الأعلام والرايات السوداء في الشوارع المركزيّة للمسيرات والساحات المحيطة بالحسينيّات فقط، وتبقى بعيدة من الأحياء السكنيّة الداخليّة والواجهات المعماريّة المتميّزة.
بالإضافة إلى كلّ ذلك، وفي عصرنا الحاليّ، يمكن الاعتماد بشكل قويّ على الدعاية الرقميّة بمختلف أساليبها.
إنّ تشكيل “مجلس تنسيقيّ مشترك” يضمّ البلديات، ولجان تنظيم المدن، والماكينات الإعلاميّة للثنائيّ الشيعيّ، كفيل بوضع هذه الخطّة موضع التنفيذ، ليتحقّق بذلك التوازن الحضاريّ المطلوب: حفظ الذاكرة والوفاء نضاليّاً، وحفظ النظام والجمال مُدنيّاً.



