يافطات بمواجهة الاندثار من يحرس حروف طرابلس؟

في طرابلس، لا تختفي الأشياء دفعةً واحدة. يشحب لونها، وتتآكل حروفها، وتُستبدل الخطوط الأصيلة بأخرى هجينة، لا تشبه البلاد، ليس في قوامها ولا في ألوانها الباردة. ثمّ يأتي يومٌ ننظر فيه إلى شوارع المدينة، فنجدها تجرّدت من أصالتها وتاريخها. هكذا تختفي لافتات المتاجر القديمة، واحدةً تلو الأخرى، ويختفي معها شيءٌ من وجه المدينة، حتّى لا يبقى أمامنا سوى فراغٍ بلا ملامح.

ما الذي بقي من الحبر اليوم؟ وكيف يمكن لقطعةٍ من التاريخ أن تتحول إلى خردة، من دون أن يُدرك أحد قيمتها؟

يافطات ترسم وجه المدينة

مدينةٌ بأبوابٍ تسعة، تفتحها كأذرعٍ تستقبل المارّين إليها. كلّ من فيها يمثّلها في أبهى صورها، من بائع الكعك الطازج، مرورًا بالأسواق والحارات العتيقة، وصولًا إلى سائق سيّارة الأُجرة. في هذه الأمكنة جميعها، تحمل كلّ واجهة لوحةً أو يافطةً نصّبت نفسها دليلًا بصريًّا يتولّى التعريف بالمدينة.

خطوطٌ عربية متنوّعة، من الفارسيّ إلى الرقعة والثلث، وغيرها من الخطوط التي زيّنت الواجهات عقودًا طويلة. هذا التنوّع هو خير ما يمثّل طرابلس، المدينة التي عبرتها الثقافات والأعراق والهويّات، فترك كلّ من مرّ بها أثرًا في ذاكرتها.

“هذه المخطوطات أقرب إلى أعمال فنّيّة منها إلى وسائل إعلان، فالخطّاطون استوحوا أعمالهم من روحهم ومن المدينة التي عاشوا فيها”، يقول وليد الداية وهو ناشط ومهتمّ بالخطّ العربيّ، يتولّى مهمّة حراسة هذا التاريخ عبر أرشيف موثّق يضمّ أكثر من 300 يافطة. يعمل الداية على جمع هذا الأرشيف وحراسته منذ العام 2003، حين كان يتجوّل في شوارع المدينة ويلتقط صورًا ليافطاتها.

يرى الداية في حديثه لـ”مناطق نت”، أنّ “الخسارة الحقيقيّة بدأت حين استُبدل الخطّ اليدويّ باليافطات الحديثة، فمن يعلّق يافطة اليوم ربّما لا يهمّه منها سوى حجمها الكبير وألوانها الصارخة، بينما كانت اليافطة القديمة تحمل قيمة أعمق بكثير من مجّرد إعلان”. وبالنسبة إليه، “لم تتوقّف الخسارة عند هذا الحدّ، بل امتدّت لتنتقل من العربيّة إلى لغات أجنبيّة، الأمر الذي طمس جزءًا من الهويّة البصريّة المدينيّة”.

المدينة لا تفقد هويّتها فقط حين يسقط مبنى، يكفي أن تختفي حروف كانت معلّقة على جدار، حتّى يفقد المكان شيئًا من ملامحه.

لوحات رخاميّة طُبعت بالذاكرة

كانت أولى اليافطات التي استوقفت الداية هي يافطة مستوصف المستشفى الإسلاميّ، مكتوبة بخطّ الثلث، وما زالت موجودة حتّى اليوم، تحمل توقيع الخطّاط محمّد العبد، وتعود إلى العام 1965.

لكن بعد أكثر من عشرين عامًا من التوثيق، بقيت يافطة واحدة أكثر حضورًا في ذاكرة الداية “يافطة رخاميّة خطّها أديب نشّابة، تعلو مدخل كلّيّة دار التربية والتعليم ودار الأيتام، المعروفة اليوم بالكلّيّة الإسلامية”. تأثّر بها لأنّها تعود إلى مدرسة خرّجت أطباء ومهندسين وعلماء من طرابلس، ولأنّ خطاطها أديب نشّابة كان، بحسب رأيه، من أبرز خطّاطي بلاد الشام في زمانه.

ذاب الثلج وبقيت الحروف

ومن الحكايات التي بقيت في ذاكرة الداية أيضًا، حكاية الخطّاط عبد الرحمن عناني حين كان صغيرًا: طلب أخوه منه أن يذهب إلى منطقة الميناء ليحضر قالبًا من الثلج. أخذ درّاجته وذهب، وفي طريق عودته رأى الخطّاط محمّد العبد واقفًا عند بوابة الميناء، على منصّة، يخطّ لافتة تجاريّة طولها ستّة أمتار.

لم يكن يعرفه يومها، لكنّه توقّف أمام الحروف. وقف مأخوذًا بما يراه، وبقي هناك حتّى أنهى الخطّاط عمله. وحين عاد إلى البيت، اكتشف أنّ قالب الثلج الذي خرج ليحضره لم يعد قالبًا، بعد أن ذاب تمامًا.

ربّما كان الثلج هو الشيء الوحيد الذي لم يصمد في تلك الحكاية. أمّا الحروف، فبقيت في ذاكرة من عاينها.

اليافطة عنوان المكان

بدأ مشروع الأرشفة من حبّ بسيط: حبّ الخطّ العربيّ، وحبّ خطّاطي المدينة. كان الداية يهوى التجوال في طرابلس، يلتقط صور اليافطات، ويبحث عن قصصها، ثمّ يظهّر الصور ويجمعها في أرشيف مطبوع، ليكون للمدينة سجلّها الملموس.

لكنّه لم يعد يكتفي بتصوير اليافطة وحدها، بل يحاول أن يؤرشف المكان الذي تقف خلفه. يقول الداية: “عندما أصوّر الآرمة أكون قد حفظت قصّة المكان من الاندثار”، ويشير إلى أنه يريد للخطّ أن يبقى ذكرى خالدة، حتّى تتمكّن الأجيال القادمة من رؤية شيء من تلك الأصالة.

من أكثر الشوارع التي فقدت هويّتها البصرية والخطوطيّة، بحسب الداية، هو شارع سوريا، نتيجة الأحداث التي شهدتها منطقتا جبل محسن والتبّانة العام 2012.

فالمدينة لا تفقد هويّتها فقط حين يسقط مبنى، أو حين يتغيّر اسم شارع. أحيانًا يكفي أن تختفي حروف كانت معلّقة على جدار، حتّى يفقد المكان شيئًا من ملامحه.

إرثٌ ينتظر من يحمله

يتمنّى الداية اليوم أن تبادر بلديّة طرابلس والمؤسّسات الثقافيّة إلى جمع ما تبقّى من هذا الإبداع والتاريخ، وإنشاء متحف يحفظ هذه الآرمات.

“حرامٌ أن تندثر هذه اللوحات”، يقول الداية. طرابلس، بالنسبة إليه، مدينة الأصالة والعلم والعلماء، ومدينة الصحبة مع الزمن والتاريخ. لا يريد أن يتوقّف هذا العمل عنده وحده، بل يتمنّى أن يرى من جيل الشباب من يحمل عنه هذا الإرث، ويكمل مهمّة البحث والتوثيق والحفظ.

في طرابلس تحفظ اليافطات القديمة أسماء المتاجر والشوارع، لكنّها تحفظ أيضًا جزءًا من ذاكرة المدينة وملامحها التي تتبدّل بصمت. وبينما تتساقط هذه الحروف واحدةً تلو الأخرى، يبقى توثيقها محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن تتحوّل ذاكرة طرابلس المكتوبة إلى صور في أرشيف، لا أثر لها في شوارع المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى