بين الألبوم العائلي وذاكرة الهاتف ماذا خسرنا بالصورة الرقميّة؟

كثيراً ما كنت أمدّ يدي إلى أعلى طبقة في الخزانة لأُخرج ألبوم الصور. كان الغلاف يحمل غبار السنوات، لكن ما إن أفتحه حتّى تعود الحياة إلى وجوه وأماكن غابت أو تبدّلت. كانت الصور محفوظة بين صفحاته أشبه بذكريات مركونة في ثلّاجة الزمن، ما إن ألمسها حتّى تذوب في يديّ، ويذوب معها شيء منّي حنيناً إلى وقت مضى ولن يعود. لم يبقَ من تلك اللحظات سوى صور، لكنّها كافية لاستعادة زمن كان، لكلّ شيء فيه قيمة ومعنى.

في ذلك الزمن، لم تكن الصورة مجرّد ملفّ يُحفظ في ذاكرة هاتف، بل شيء يُعتنى به. كان ألبوم الصور من أوّل الأشياء التي تُحمل عند الانتقال من منزل إلى آخر، وقد يختار أحدهم صورة واحدة يضعها في محفظته لترافقه أينما ذهب.

لقطات تستحقّ الانتظار

أذكر في طفولتي، قبل أن تسحبنا موجة التكنولوجيا والسرعة، أنّنا كنّا نعيش نوعاً من البطء الجميل. كنّا نرتدي أجمل ما لدينا لالتقاط صورة، وكان قرار الضغط على زرّ الكاميرا محسوباً، فعدد اللقطات محدود بعدد الصور التي يسمح بها شريط الفيلم السلبيّ. ثمّ تبدأ رحلة الانتظار. نذهب إلى متجر التصوير لتحميض الفيلم، ونتركه هناك أيّاماً قبل أن نعود لاستلامه. كان يوم استلام الصور يحمل شيئاً من الترقّب، يخفق القلب ونحن نفتح الظرف لنرى النتيجة: هل خرجت الصور كما تمنّينا؟ هل كانت اللقطات ناجحة؟

وفي أسوأ الاحتمالات، قد يكون الفيلم قد تلف أو احترق لسبب ما، فتضيع معه لحظات لن تتكرّر. كانت خسارة حقيقيّة، لأنّ الصورة في ذلك الوقت لم تكن مجرّد نسخة أخرى يمكن التقاطها، بل كانت ذكرى وحيدة لا بديل عنها. ولفهم ما كانت تعنيه الصورة في ذلك الزمن، ربّما تكفي العودة إلى رحلة الفيلم نفسها، من لحظة التقاط الصورة إلى انتظار ظهورها على الورق.

رحلة الصورة قبل التكنولوجيا

يأخذ زياد حسني، صاحب معمل “زيّ فيلم” في السعوديّة، الجيل الجديد في جولة قصيرة إلى عالم التصوير الفيلميّ، أو التصوير التناظريّ، الذي لم يعاصره كثيرون. “تبدأ الصورة باختيار الفيلم المناسب، ويعود هذا الاختيار إلى ذوق المصوّر وظروف التصوير. ولأنّ التصوير الفيلمي محدود بعدد معيّن من الصور، فإنّ لكل لقطة قيمة مادّيّة، لذلك يصبح التأنّي قبل التقاط الصورة مطلباً مهمّاً جدّاً للحصول على أفضل النتائج بعدد صور محدود”، يقول حسني لـ”مناطق نت”.

بعد التقاط الصور، تبدأ رحلة التحميض. يشرح حسني أنّ العملية تمر بمراحل متعدّدة باستخدام موادّ كيميائيّة، ولكلّ مرحلة وقت ودرجة حرارة محدّدان، لكن تختلف الموادّ والمراحل بحسب نوع الفيلم. ويضيف: “بعد التحميض يصبح الفيلم غير حسّاس للنور، ما يسمح لنا بتعريضه للضوء من خلال المسح الضوئيّ أو الطباعة”.

لكنّ أكثر ما يلفت حسني في عمله هو اللحظة التي تصل فيها الصور إلى أصحابها. ويصفها بأنّها “من أفضل اللحظات”، لأنّ الذكريات، مهما كانت قديمة أو حديثة، تحمل في الغالب شيئاً من الفرح.

زياد حسني: سلّمني أحد العملاء فيلماً منتهي الصلاحيّة منذ نحو 25 عاماً، ولم يكن يعلم ما الذي التُقط عليه. قمت بتحميضه، وكانت المفاجأة أنّه يحتوي على صور رحلة عائليّة، لأبنائه وهم أطفال.

ذكرياتٌ محترقة

يأسف حسني على الذكريات التي لم يُكتب لها أن تصل أحياناً، إذ إنّ الصور الملتقطة في الإضاءة المنخفضة قد لا تكون ناجحة. وفي المقابل، قد يتعرّض الفيلم للتلف كلّيّاً أو جزئيّاً إذا وصل إليه الضوء المباشر، كأن يُفتح غطاء الكاميرا أثناء وجود الفيلم بداخلها، وهي حال تُعرف بـ”احتراق الفيلم”. ويقول إنّ هذا الأمر يتكرّر خصوصاً بين المصوّرين المبتدئين.

وبحسب حسني، فإنّ للأفلام مدّة صلاحيّة محدّدة، غالباً ما تكون نحو عامين من تاريخ إنتاجها، لكنّ انتهاء الصلاحية لا يعني بالضرورة فقدان الصور، إذ يمكن، في بعض الحالات، استعادتها إذا كانت الأفلام محفوظة في ظروف مناسبة.

أفلام لوجوه غابت

خلال عمله، صادف حسني أفلاماً حملت ذكريات لم يكن أصحابها يتوقّعون أن تعود إليهم يوماً. يستذكر موقفاً حصل معه، فيقول: “سلّمني أحد العملاء فيلماً منتهي الصلاحيّة منذ نحو 25 عاماً، ولم يكن يعلم ما الذي التُقط عليه. قمت بتحميضه، وكانت المفاجأة أنّه يحتوي على صور رحلة عائليّة، لأبنائه وهم أطفال. ظهرت صور زيارتهم متحفاً، وذكريات جميلة لهم في مسبح وهم يلعبون. أخبرني صاحب الفيلم أنّ أبناءه أصبح لديهم اليوم أبناء. كانت ذكريات منسيّة، لكنّ الفيلم أعادها”.

وفي قصة أخرى، تلقّى حسني حقيبة ممتلئة أفلاماً سلبيّة (نيغاتيف)، أيّ إنّ الأفلام حُمّضت لكنّها لم تُطبع، وكانت تعود إلى والد صاحبها. كانت الأفلام قديمة جدّاً، لكن مسحها ضوئيّاً كشف عن نحو 700 صورة، تمتدّ من ثمانينيّات القرن الماضي حتّى العام 2004. يقول حسني: “تأثّرت جدّاً في أثناء العمل على طباعة هذه الأفلام، إذ رأيت والده يتقدّم في العمر خلال ساعات عملي عليها”.

أمّا إحدى أكثر القصص تأثيراً بقيت في ذاكرته، فكانت لشخص طلب منه تحميض خمسة أفلام عثر عليها ضمن مقتنيات والده الذي توفّي حديثاً. كان يأمل بشدّة في العثور، ولو على صورة واحدة لوالده، إذ لم تكن لديه أيّ صورة له. “بعد التحميض، ظهرت الصور في ثلاثة أفلام من أصل خمسة، ولحسن الحظّ وجدنا ستّ صور لوالده”، يقول حسني.

من الفيلم لذاكرة الهاتف

إذا كان الفيلم قد منح الصورة وقتاً طويلاً كي تعيش وتُستعاد، فإنّ الصورة اليوم تسلك طريقاً مختلفاً تماماً، فهي تصل إلى الهاتف في لحظات، وتبقى فيه بين آلاف الصور الأخرى.

يشير المصوّر اللبناني باقر ياسين لـ”مناطق نت” إلى أنّ معظم الناس اليوم يفضّلون الحصول على صورهم بصيغة رقميّة، ولا يطلبون طباعتها إلّا ما تندر. ويوضح أنّ كثيرين يكتفون بإرسال الصور إلى هواتفهم، في حين لا يزال بعضهم يؤثر الاحتفاظ بنسخ مطبوعة منها.

برأيه “الصورة المطبوعة تمنح إحساساً مختلفاً، لأنّها تجعل الذكرى ملموسة وتمنحها قابليّة للاحتفاظ بها، وهو شعور لا يزال يحظى بمكانة خاصّة لدى كثر من الناس”.

الوقت يمضي، ونحن نحاول أن نحتفظ منه بشيء،فنجد في الصورة وجوهاً وأماكن وحياةً مضت ولن تعود.

علاقة الصور بذاكرتنا

تغيّرت طرق التقاط الصور والاحتفاظ بها، وتغيّرت معها علاقتنا بالذكرى نفسها. تقول المتخصّصة النفسيّة مها حدرج لـ”مناطق نت”: “نسترجع أجزاءً من ذاكرتنا عبر الصورة التي التقطناها، لنعود إلى شيء اشتقنا إليه وكان مخزّناً في أدمغتنا”. وتشير إلى أنّ الدماغ عادةً لا يميّز بين الشيء الحقيقيّ الذي عشناه والذكرى التي نسترجعها، إذ يتعامل معهما بطريقة متشابهة، خصوصاً إذا كانت الذكرى لطيفة ومحبّبة.

وتميّز حدرج بين الأثر الذي تتركه الصورة الرقميّة والمطبوعة، قائلة: “يمكن للإنسان أن يعيش التجربة بشكل أكبر من خلال الإمساك بألبوم الصور، ورائحة الألبوم، والصور نفسها، وملمس الصورة في يده، وفتح الألبوم وتقليب صفحاته”. وتشدّد على أهمّيّة الاحتفاظ بصور مادّيّة من طفولتنا، لما تمنحه من قيمة شخصيّة وعاطفيّة، بخاصّة عندما نستعيد المعنى والمشاعر المرتبطة بها. فالصورة، بالنسبة إليها، لا تحفظ لحظة وحسب، بل تروي قصّة.

تلفت حدرج إلى أنّ كثرة الصور ربّما تجعلنا نؤجّل استرجاع اللحظات التي وثّقتها: “أحياناً يكون لدينا كثير من الأشياء التي نريد الاحتفاظ بها، وبعد ذلك نجد أنّنا، بعد أيّام، لم نعد نفتح معرض الصور حتّى. وقد نحذفها من ذاكرة الهاتف، أو حتّى من ذاكرتنا نحن. وجود الصورة محفوظة على الهاتف ربّما يجعلنا نشعر في أنّنا لسنا مضطرّين إلى بذل جهد لاسترجاعها، لأنّنا نستطيع العودة إليها متى شئنا”.

بين اللحظة وتوثيقها

في المقابل، تشير حدرج إلى أهمّيّة الصورة الذهنيّة، موضحة “إذا كنت في رحلة أو في مكان ما، أتوقّف عند هذا المنظر، وأصوّر في ذهني صورة عنه وأحتفظ بها. هذه إحدى التقنيّات التي تساعدنا في عيش اللحظة”.

تكتسب هذه الفكرة أهمّيّة خاصّة لدى أفراد فقدوا ألبوماتهم، ولا سيّما من عاشوا ظروف الحرب. تقول حدرج: “هناك أشخاص فقدوا ألبوماتهم خلال الحرب. وكنت أقول لهم: تذكّروا الصور التي توثّق بيتكم في أذهانكم. لا أحد يستطيع أن يأخذ منكم هذه الصورة، ولا أحد يستطيع أن يهدمها”.

وبينما تضع حدرج حدوداً فاصلة بين توثيق اللحظة وعيشها، يبقى سؤال آخر: ماذا سيحدث لكلّ هذه الصور عندما تنتقل من هواتفنا إلى الجيل الذي يأتي بعدنا؟

هل سيرث أبناؤنا ألبوماتنا؟

تقول فيفيان بهجت لـ”مناطق نت” إنّها تلتقط نحو 20 صورة في اليوم، حتّى بات لديها ما يقارب 9 آلاف صورة على هاتفها. ومع ذلك، تعود بين حين وآخر إلى عدد محدود منها، لأنّ كلّ صورة بالنسبة إليها تحمل جزءاً من ذاكرتها وذكريات أولادها. وتضيف: “أعود إلى رؤيتها طبعاً، إذ أشعر أنّني إذا فقدت جزءاً منها، أفقد جزءاً من ذكرياتي وذكريات أولادي”.

بدورها، تقول آلاء عوّاد لـ”مناطق نت” إنّ الصور المطبوعة هي الأقرب إلى قلبها، لأنّها تتيح لها أن تعيش اليوم التجربة التي عاشتها وهي طفلةً، حين تتصفّح ألبوم عائلتها وترى صورها القديمة. وترى أنّ الصور الرقميّة المحفوظة، حتّى لو عاد إليها أطفالها في المستقبل، لا تحمل القيمة العاطفيّة نفسها، ولا تختزن القدر ذاته من الذكريات الذي تمنحه الصور المطبوعة.

لذلك، تعتزم عوّاد مع مرور الوقت اختيار الصور الأقرب إلى قلبها من بين صور أطفالها، وطبعها والاحتفاظ بها، حتّى تمنحهم فرصة عيش التجربة نفسها التي تعيشها اليوم عندما تفتح ألبوم العائلة، وتستعيد من خلال صوره تفاصيل طفولتها وذكرياتها.

ربّما لا تكون قيمة الصورة في عدد المرّات التي نلتقطها، بل في اللحظة التي نحتاج فيها إليها كي نتذكّر. فالوقت يمضي، ونحن نحاول أن نحتفظ منه بشيء، في صورة نعود إليها يوماً ما، فنجد فيها وجوهاً وأماكن وحياةً مضت ولن تعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى