في وداع دكّانة السيّد نجيب في البازورية

لم تكن “دكّانة السيّد نجيب” الكائنة في وسط ساحة بلدة “البازوريّة” (صور) دكّاناً عاديّاً بالنسبة إلى طفلة مثلي، بل كانت تبدو لي وكأنّها قادمة من أحد كتب الجنّ والأساطير التي كنت أقرأها مع جدّي “أسعد”.

دكّانة عبارة عن غرفة عتيقة جدّاً، قلبها يتّسع لكلّ شيء. أراها كمغارة “علي بابا” بحجر “الكِدّان” العملاق الذي يلفّ جدرانها الأربعة. سقفها يرتفع خمسة أمتار، أتخيّله يلامس الغيم من جهة السطح.

كانت تتراءى لي مسكونة بالأشباح فأخاف الدخول إليها. الغرفة معتمة، لا نكاد نحن الأطفال نرى ما نريد أن نشتريه ولا أن نميّز غرضاً من آخر حتّى تعتاد أعيننا الضوء الخافت. في فترة الظهر تتسرّب خيطان ضوء من ثقوب الجدران السميكة، وبعد جنوح الشمس نحو الأفول تتراءى الثقوب كعيون تتلصّص نحو الداخل.

يكاد “السيّد نجيب” لا يتزحزح من وراء الطاولة المستطيلة التي تحتلّ بطولها مساحة عظيمة. يبدو عجوزاً جدّاً بشرواله الأسود وحطّته البيضاء التي يثبّتها بـ”العقال”، فلا تفارق رأسه. لم يكن باستطاعتي تحديد إن كان عجوزاً طيّباً أم شريراً. كلّ ما أعرفه أنّني كنت طفلة خائفة ومخيّلتي نشِطة. عندما أكون بمفردي كنت أقف على عتبة باب الدكّان وأطلب من بعيد ما أريد وصوت ضربات قلبي يكاد يصمّ أذنيّ. أسحب من يده الغرض وأسلّمه المال وأبدأ بالركض، لا أتوقّف إلّا قبل أن يُغمى عليّ بقليل.

كنوز دكّان السيّد نجيب

لم تكن دكّانة عاديّة، كانت تبدو وكأنّها مخزن يبتلع كلّ شيء. فكلّ الأشياء تجدها في “دكّانة السيّد نجيب”. على الطاولة المستطيلة تصطفّ أصابع “المعلّل” المجدولة بألوانها الزهريّة والبيضاء، وألواح الشوكولا، وبسكويت “غندور” و”دبكة”، وذلك المحشوّ بالكريمة المغطّاة ببرش جوز الهند، و”رأس العبد” (قبل الصحوة من العنصريّة)، وتشكيلة متنوّعة من “المصّاصات” على طعم الـ”كولا” أو الليمون، ومنها ما هو محشوّ بعلكة (لُبان) كبيرة نمضغها طوال النهار ونصنع منها بالونات عملاقة لها دويّ كبسولة حينما تنفجر. ثمّ علب الدربس وهَرَم العصير… “بون جوس” أو “سوبر جوس”.

وراء كرسي “السيّد نجيب” واجهة حديديّة تمتدّ بأرففها الواسعة على امتداد الحائط. تصطفّ على أحدها علب دخّان (تبغ) “جيتان” و”وينستون” و”مارلبورو”. بجانب هذا الرّف تركن “كروزات” الكبريت وأشهرها “كبريت المدفع”. وثمّة رفّ آخر، يبدو كصيدليّة، تنتصب فوقه علب “بنادول” و”أسبرو” والأوراق الفضّية للـ”بنسلين” بحبوبها ذات اللونين الأحمر والأسود، وزجاجات “الدوا أحمر”.

ثمّ هناك رفّ مخصّص لأنواع غير كثيرة من الصابون الملوّن الذي يُستعمل في غسل اليدين. والصابون العربيّ الذي يستخدم في غسل الثياب وأكياس الـ”يس، ثلاثة بواحد”، وعلب “زر النيل” الذي كانت تستعمله جدّتي “أمّ نور” في تفويح ملابسها وملاءاتها فتبدو ناصعة البياض. إضافة إلى مجموعة من الخيطان والأزرار وإبر الخياطة وكرات الصوف ولفائفها.

أمام الطاولة مباشرة تصطفّ أكياسٌ من “خيش” كأقزام متفاوتة الطول تُطلّ منها جميع أنواع البقوليّات: العدس والفاصوليا والفول والحمّص… ثمّ هناك برميل “كاز” تنبعث رائحته وتملأ المكان. أمّا صناديق الـ”كراش” والـ”جلّول” والـ”كوكا كولا” والـ”بيبسي” الزجاجيّة فتتجمّع بعضها فوق بعض في ركن قريب من باب الدكّان.

انتصارات يوم الأحد

أيّام الآحاد، كنّا نتجمّع (أولاد الحيّ) أمام الدكّان لشراء زجاجات “كراش” أو “جلّول”، ونفتحها بفتّاحة القناني (العبوات الزجاجيّة) المعلّقة بمسمار فوق الصناديق. كنت اصطحب زجاجتي بيد وفي يدي الأخرى (أصطحب) كرسيّاً حديديّاً صغيراً قابلاً للطيّ أصطحبه معي من المنزل وأتأبطه في مشواري، فالطريق طويل نحو “البيدر” لتشجيع فريق البلدة البطل دائماً “نادي النصر”. تنتهي المباراة بالهتافات والفرح والأغاني. نعود قبل أن تختفي الشمس، نسلّم زجاجاتنا الفارغة إلى “السيّد نجيب” وندلف نحو منازلنا هانئين.

في الشتاء هناك شالات وقبّعات وكلسات (جوارب) صوفيّة. أكثر أزيائنا كانت من دكّان “السيّد نجيب”.

أزياؤنا في صناديق الدكّان

في الصيف، تكثر في الدكّان صناديق الكرتون الممتلئة بالنعال البلاستيك، ننتقي منها ما ننتعله في البيت وما نخصصه للحيّ. أمّا الصبيان، فيشترون تلك الأحذية السوداء ذات “الكلل”. وللرجال حصّة أيضاً، تلك “الجزمات” البلاستيكيّة السوداء.

أمّا في الشتاء فهناك شالات وقبّعات وكلسات (جوارب) صوفيّة. أكثر أزيائنا كانت من دكّان “السيّد نجيب”.

الشرفة المعلّقة

كانت الشرفة المعلّقة التي تظلّل حائط مدخل الدكّان أكثر ما أحبّه في المكان. كانت تشكّل لنا مظلّة نحتمي تحتها من مطر الشتاء القاسي خلال رحلاتنا الصباحيّة إلى المدرسة. وكأنّ المطر ينتظر ساعة خروجنا من منازلنا كي يهطل بغزارة.

أستعيد المشهد ونحن نتكدّس ونشدّ بعضنا نحو الحائط تحت هذه الشرفة العتيقة المتهالكة، التي تبدو قابلة للوقوع من شدّة الريح فوق رؤوسنا، لكنّها كانت منجاتنا الوحيدة. نرتجف برداً. نتبادل النظرات وكأنّنا نتّخذ قراراً جماعيّاً بالركض تحت المطر خوفاً من غضب المدير الذي سيُصرّ على أن نقضي يومنا في الملعب المكشوف إلى السماء عقاباً على تأخّرنا. نتسابق وكأنّنا في “ماراثون”، وصرخات البرد والبلل تسبقنا.

الصورة الأخيرة

رحل “السيّد نجيب” إلى بارئه، وأُغلقت الدكّانة، لكنّها بقيت كمعلم أثريّ في ساحة البلدة، لم تقوَ عليها شتاءات ولا عواصف ولا زمن، وبقيت الشرفة العتيقة منجاة كثيرين.

ثمّ جاءت الحرب. استسلمت الدكّانة الكهلة لرياح الصواريخ التي سقطت في ساحة البلدة، فهوت بعض مبانيها والبعض الآخر تخلخل حتّى أردته جرّافة البلديّة كونه يشكّل خطراً على السكّان. هوت دكّانة “السيّد نجيب”، لفظت أنفاسها الأخيرة، وغادرتنا حطاماً، لكنّها اقتلعت من أفئدتنا حيّزاً من ذاكرة وحنين كي يحلّ بغيابها خواء حزين من عمر كان جميلاً وعفويّاً.

أقف في ساحة البلدة الخالية من المباني. أعود تلك الطفلة الخائفة. أشعر بالتيه. أين الطريق المؤدّي إلى المدرسة؟ أين طريق البيت؟ أين دكّان “السيّد نجيب”؟ لِمَ أضحينا بلا سقف يقينا تلك الشرور؟

مشهد جانبي لدكانة السيد نجيب (الصورة من صفحة مغتربو البازورية)
دمار وخراب وفراغ ثقيل هذا ما فعلته الحرب في ساحة البازورية حيث كانت تتموضع دكانة السيد نجيب (الصورة من صفحة مغتربو البازورية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى