رائحة الجنوب بين أبيضين: زهر الليمون وقنابل الفوسفور

ثمة جغرافيا ترسمها الخرائط، وجغرافيا أخرى يحتفظ بها الجسد. ينتمي جنوب لبنان بقوّة إلى الثانية؛ مكان يمكن تذكّره مغمض العينين، من رائحة أرضه ونباته ومواسمه وبيوته. فالذاكرة هنا تتكّون من أشياء أصغر من الحكايات الكبرى: حفنة تراب أحمر عالقة بحذاء، صعتر برّي فركته الأصابع، دخان حطب يتصاعد من بيت في “كوانين”، رائحة تبغ جفّفته الشمس، تين نضج على الجدار، زيتون مهروس في المعصرة، وقشرة ليمونة فتحت فجأة نافذة عطريّة في مطبخ.
يمنح علم النفس للرائحة مكانة خاصّة في الذاكرة الذاتيّة؛ فالروائح قادرة على استحضار ذكريات قديمة شديدة الارتباط بالعاطفة والمكان. وربّما لهذا يستطيع الجنوبيّ المقيم بعيدًا أن يعود إلى قريته عبر نفحة عابرة أسرع ممّا يعود إليها عبر صورة. الرائحة تستدعي معها سياقًا كاملًا: البيت، الطريق، الفصل، الأشخاص، الضوء، وحتى الإحساس بدرجة الحرارة.
الأرض نفسها لها رائحة
يبدأ جنوب لبنان من التراب. وتمنح الجيولوجيا هذه الذاكرة لونًا ورائحة وملمسًا. تنتشر في لبنان الأتربة المتوسطيّة الحمراء المعروفة بـ Terra Rossa إلى جانب أنواع من الأتربة الكلسيّة، وتظهر هذه الأتربة أيضًا في سهول صيدا وصور ومناطق جنوبيّة أخرى. كما ترتبط جيولوجيا الجنوب بتكوينات كلسيّة واسعة، وهو ما يفسّر ذلك التناوب المألوف بين الحمرة والبياض في الأرض والحجارة.
للترب الأحمر رائحة خاصّة حين يبتلّ. الشتوة الأولى هنا حدث شمّيّ بقدر ما هي حدث مناخيّ. تهبط المياه فوق أرض أمضت الصيف تحت شمس طويلة، فتصعد رائحة تجمّع الطين والحجر والعشب اليابس. في تلك اللحظة تبدو الأرض وكأنّها تفتح مخزون الصيف كلّه دفعة واحدة.
وفي مواضع أخرى يحضر التراب الكلسيّ الفاتح، الناعم أحيانًا حتّى يبدو كغبار أبيض فوق الأحذية وحواف الطرقات. وقد أظهرت دراسات التربة اللبنانيّة انتشار الترب الكلسيّ واختلاف نسب كربونات الكالسيوم في أتربة الجنوب تحديدًا.
هكذا يمتلك الجنوب رائحتين للأرض: رائحة التراب الحارّ في آب (أغسطس)، ورائحته بعد الهطلة الأولى. وبينهما أشهر طويلة.
نباتات تفوح حين تلمسها
ثمّ تأتي النباتات العطريّة. في الريف الجنوبيّ يكفي السير بمحاذاة أرض أو حافّة طريق كي تتحوّل القدم نفسها إلى أداة لإطلاق الروائح. نبتة تُداس، غصن يُكسر، ورقة تُفرك بين الأصابع، فتخرج الزيوت الطيّارة ويصبح النبات أكثر حضورًا بعد لمسه.
“الزعتر” البرّي واحد من أبرز هذه العلامات. وتشير الدراسات النباتيّة اللبنانيّة إلى غنى البلاد بأنواع الفصيلة الشفويّة العطريّة، ومنها الأوريغانوم والميرمية والنعناع وإكليل الجبل، وهي نباتات غنيّة بالزيوت الطيّارة. كذلك ينموOriganum syriacum برّيًّا في لبنان وارتبط طويلًا بالمطبخ والاستعمالات الشعبيّة.
إلى جانبه تأتي رائحة الميرميّة (العيزقان) والنعناع والحبق والمردقوش. بعضها ينمو في الأرض، وبعضها يعيش في أصيص أو تنكة قديمة أمام البيت. وهنا تنتقل رائحة الطبيعة إلى العمارة المنزليّة: عتبة تحمل حبقًا، شرفة فيها نعناع، حوض صغير من البقدونس، ويد امرأة تقطف ورقتين قبل إعداد الطعام.
في السهل الساحليّ الجنوبي يستطيع موسم الإزهار أن يغيّر رائحة مساحة كاملة.
لكلّ فصل عطره
يمكن تقسيم السنة الجنوبيّة وفق الروائح. في الربيع يكثر العشب والزهر والنبات البرّيّ. وفي الصيف تنضج روائح التين والعنب والثمار والشمس فوق التراب. وفي الخريف يأتي الزيتون، وتبدأ المعاصر بإنتاج ذلك المزيج الكثيف من رائحة الثمرة المهروسة والورق والزيت الأخضر الطازج. أمّا الشتاء فيحمل رائحة الحطبّ والرطوبة والثياب التي جفّت ببطء داخل البيت.
حتّى التبغ يمتلك مكانه في هذا الأرشيف. فالزيتون والتبغ والحمضيّات شكّلت تاريخيًّا ثلاثة محاصيل بارزة في زراعة الجنوب، مع تركّز الحمضيات في المناطق الساحليّة.
ورائحة التبغ تبدأ من الورقة الخضراء، ثمّ تتغيّر أثناء التجفيف. وحين كانت الأوراق تُعلّق قرب البيوت أو في أمكنة التهوية، كانت الزراعة تدخل مباشرة في الرائحة المنزليّة. المحصول هنا يعيش مع العائلة قبل أن يغادرها.
الهواء زهر ليمون
ثمّ يأتي زهر الحمضيّات، وهنا تبلغ العلاقة بين الرائحة والمكان واحدة من أجمل صورها. في السهل الساحليّ الجنوبيّ، حيث عرفت مناطق صيدا وصور زراعة الحمضيّات، يستطيع موسم الإزهار أن يغيّر رائحة مساحة كاملة. فالزهرة صغيرة وبيضاء، فيما يمتلك عطرها قدرة كبيرة على الانتشار.
تخرج الرائحة من البستان وتعبر الحائط والطريق، تلج السيارة من النافذة، تصعد إلى الشرفة، تختلط برائحة المساء، وتصل إلى بيت يبعد عشرات الأمتار عن الشجرة. عندها يصبح المرء داخل الرائحة، ويصبح الهواء نفسه زهر ليمون.
ولزهر الحمضيّات دورة ثقافيّة جميلة أيضًا. تبدأ الرائحة على الشجرة، ثمّ تدخل البيت في ماء الزهر، وتستقرّ في عبوة، وبعد أشهر تظهر في المهلّبيّة والأرزّ بالحليب والحلويّات والقهوة البيضاء. وهكذا يستطيع ربيع مضى أن يعود في قلب الشتاء بواسطة ملعقة ماء زهر.
للبيوت أيضًا رائحة
والبيت الجنوبي القديم مخزن روائح كامل. الحجر يحتفظ بالرطوبة، والخشب يحمل أثر السنوات، والخزانة تجمع الصابون والثياب، والمطبخ يوزّع روائح القهوة والبصل المقليّ والزعتر والزيت والخبز.
في الخارج تتداخل روائح أخرى: الياسمين قرب المدخل، كرمة العنب فوق المصطبة، التين عند الجدار، أصص الحبق والنعناع، وربّما شجرة ليمون قريبة من نافذة المطبخ. يصبح البيت منطقة انتقال بين الطبيعة والطعام؛ ما ينمو أمام الباب يدخل بعد دقائق إلى الصحن.
المعصرة والطاحونة: رائحة التحوّل
وتبلغ الرائحة كثافتها في الأمكنة التي يتحوّل فيها شيء إلى شيء آخر. يدخل الزيتون المعصرة ثمرة ويخرج زيتًا، وبين الحالتين ينفتح عالم من الروائح: ورق، ثمر مهروس، عجينة خضراء وزيت طازج. الخريف هنا يتحوّل إلى مؤونة.
والطاحونة تحمل ذاكرة موازية. تدخل إليها حبّة القمح يابسة، تنكسر تحت حجر الرحى، ينتشر الدقيق في الهواء ويلتصق بالخشب والحجر والثياب. يصبح للقمح حضور أقوى في لحظة تحوّله.
التنّور يفعل الشيء نفسه بالعجين، والموقد بالحطب، والشمس بالتين والعنب والتبغ. كانت القرية في جانب كبير منها ورشة لتحويل الطبيعة، وكلّ تحوّل يطلق رائحته الخاصة.
واليوم، يضاف إلى ذاكرة الجنوب الشمّيّة فصل ثقيل: رائحة البارود والرماد والأشجار المحترقة والغبار المتصاعد من البيوت والأرض بعد الغارات الإسرائيليّة وهدم البيوت والتفجيرات الضخمة، أيضًا هناك الفوسفور الأبيض الذي وثّقت منظمات حقوقيّة استخدامه في جنوب لبنان. يدخل هذا كلّه إلى ذاكرة المكان فتغدو الحرب اعتداءً على الحواسّ أيضًا.




