حكاية برج أبي حيدر من مصيف قديم حتّى حيّ في المدينة

كوني ولدت وترعرعت في مدينة بيروت، وسرت طويلًا بين أحيائها، قلّما كان التاكسي خياري الأوّل. فالسير في بيروت كان خياري البديهيّ، سواء بسبب زحمة السير، أو بسبب شعورنا في أنّ أحياء المدينة، على رغم اختلافها، قريبة بعضها من بعض.
حين أمشي في شوارعها وأتأمّل المباني القديمة الملاصقة للمباني الحديثة، أسرح في حجم القصص التي تختبئ خلف هذه الجدران. هناك مبانٍ لا تزال تحمل آثار القنص والقصف، وأخرى تراثيّة تهترئ بصمت وتصارع من أجل البقاء، ومبانٍ قديمة بقِدم من عاشوا فيها ثمّ رحلوا.
أحيانًا أتساءل: لعلّ في أحد هذه المنازل عاش زوجان في بداية حياتهما، أسّسا عائلة بين جدرانه، وراكما فيه تفاصيل أيّامهما وذكرياتهما. أمرّ اليوم بجانب هذا المنزل وأشعر، على رغم المسافة الطويلة التي تفصل بين زمنهما وزمني، وكأنّني أعرف شيئًا عن حياتهما، عن أفراحهما وخساراتهما. لم نلتقِ يومًا، ولم نعش الحياة نفسها، لكنّ شيئًا منهما ما زال يسكن هذا المكان.
فوراء كلّ حيّ قصّة، تبدأ من اسمه وتمتدّ إلى سكّانه وتحوّلاته. وبما أنّني أعيش في منطقة «سليم سلام» المحاذية لبرج أبي حيدر، لطالما أثار فضولي هذا الاسم: فما قصّة برج أبي حيدر؟
كيف بدأ برج أبي حيدر؟
يسرد الكاتب والباحث السياسي والإعلامي غسان همداني لـ«مناطق نت» حكاية برج أبي حيدر، موضحًا أنّه أحد أحياء بيروت، وتتبع المنطقة عقاريًاّ للمزرعة، وتقع بين سليم سلام غربًا، والبسطة شرقًا، وحوض الولاية شمالًا، وكورنيش المزرعة – بربور جنوبًا.
ويشير إلى أنّ المنطقة من الأحياء البيروتيّة التاريخيّة المرتفعة عن سائر مناطق بيروت، باستثناء تلّة الخيّاط. لذلك، اختارت الدولة العثمانيّة الموقع لإقامة برج يُستخدم لمراقبة الأعداء من مختلف الاتّجاهات، ونُسب البرج إلى أحد القاطنين بالقرب منه، ويدعى «أبو حيدر حمّود»، أو إلى عائلة «أبي حيدر».
ويضيف همداني أنّ «المنطقة كانت، قبل الحرب الأهليّة اللبنانيّة، مصيفًا للعائلات البيروتّية، كذلك اختيرت موقعًا للخزّان الذي يوزّع المياه على أنحاء العاصمة. وكانت تطلّ على البحر وعلى مطار بيروت الدوليّ القديم في منطقة الجناح، لذلك كان الأهالي يقصدونها للاصطياف، وكان بعض الزوّار يستأجرون قصورها ومنازلها القديمة خلال فصل الصيف».
شكّلت منطقة برج أبي حيدر جزءًا مهمًّا من نسيج بيروت العمرانيّ والاجتماعيّ القديم، وضمّت عددًا من المعالم والمباني التي وسمت المنطقة بطابعها التاريخيّ، من بينها «قصر السباعي» و«قصر قرنفل»، إلى جانب جامع برج أبي حيدر الذي أسّسه عبد الغني بيضون وافتُتح العام 1901. وشهدت المنطقة أيضاً وجود مدرسة عثمانيّة لتعليم الفتيات الخياطة والتطريز والأعمال اليدويّة، قبل أن تُهدم في العام 1953 بعد شراء مصلحة مياه بيروت العقار وإقامة خزانات للمياه فوقه.
ولم تكن المنطقة بعيدة من الحياة السياسيّة ببيروت، إذ سكنتها وجوه من الشخصيّات السياسيّة البارزة، بينهم رؤساء حكومات على نحو سامي الصلح ورشيد الصلح، فيما كان رئيس الحكومة شفيق الوزّان يقطن بين برج أبي حيدر والبسطة، إضافة إلى النائب والوزير السابق جميل الكبّي والنائب عدنان الحكيم. وإلى جانب هذا الحضور السياسيّ، عكست المنطقة تنوعًّا دينيًّا واجتماعيًّا، إذ كان يقطنها أبناء طوائف مختلفة، وتوثّق شهادات من أبناء المنطقة مظاهر حميمة من التعايش الديني في الحياة اليوميّة.
لكن، ومع اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة في العام 1975، تعرّضت المنطقة للقصف والدمار، وشهدت، شأنها شأن مناطق بيروت الأخرى، تبدّلات في طبيعتها وحياتها الاجتماعيّة والسياسيّة.

برج أبي حيدر وذاكرة أبنائه
يعيش مختار زقاق البلاط، جمال عميرات، في منطقة برج أبي حيدر منذ ستّين عامًا، عاصر خلالها تحوّلات المكان وتبدّل ملامحه وسكّانه. وفي حديثه إلى «مناطق نت»، يستعيد صورة المنطقة قبل عقود، حين كانت البيوت القديمة تتوزّع بين الحدائق والأشجار، وكانت المساحات الخضراء جزءًا من المشهد اليوميّ.
يقول عميرات: «تبدّلت المنطقة كثيرًا. كانت تتألّف من بيوت قديمة من القرميد، تحيط بها حدائق وأسوار، وكانت أشجار الحمضيّات والأكّيدنيا وغيرها تملأ المكان. كانت هناك بيوت فخمة أشبه بالقصور، تحيط بها حدائق واسعة. هكذا كانت برج أبي حيدر».
أمّا اليوم، «فقد غلب العمران على المنطقة، واختفت معظم البيوت القديمة والحدائق». ويشير عميرات إلى أنّ «شركة المياه بقيت من آخر المساحات الخضراء التي عرفها أبناء المنطقة، بما تضمّه من أشجار، فيما تبدّلت معالم المكان الذي عرفته في طفولتي».
لم يتغير شكل برج أبي حيدر وحده، بل تبدّل نسيجه الاجتماعيّ أيضًا. فكثير من سكّانه القدامى هاجروا أو انتقلوا إلى مناطق أخرى، ولم يبقَ من أبناء الجيل الذي عرفه عميرات سوى عدد قليل. لذلك، يكتسب لقاء أحد أبناء تلك المرحلة معنى خاصًّا بالنسبة إليه، إذ يستعيد معه ذكريات الطفولة وأيّام المنطقة القديمة.
أشبه بمدينة ملاهٍ
ومن بين أكثر الأماكن رسوخًا في ذاكرته المسجد وشركة المياه. كان الجامع مقصد الأطفال لتعلّم القرآن، فيما وفّرت شركة المياه مساحة مفتوحة للعب والتنزّه. ويستعيد تلك الذكريات قائلًا: «كنا نعتبر شركة المياه أشبه بمدينة الملاهي. كان الحارس يخشى علينا من أن نتعرّض للأذى أو نعلق بين الأسلاك، فيطاردنا بالعصا ويخرجنا منها، فيما كنا نصرّ على العودة واللعب. منذ نحو خمسين عامًا، لم تكن هناك مدن ملاهٍ، فكانت شركة المياه بالنسبة إلينا بمثابة مدينة ملاهٍ خاصة».
إلّا أنّ التحوّل الأعمق، بالنسبة إلى عميرات، يكمن في العلاقات بين الناس «تحوّل المجتمع، وتغيّر الناس، وتبدّل السكان. في السابق، كان الجميع يعرف الجميع، وكانت العلاقات بين الجيران أكثر قربًا. أمّا اليوم، فأصبحنا أشبه بالأغراب عن بعضنا. ربّما يعيش شخص إلى جانب آخر من دون أن يعرفه أو حتّى يبادله التحيّة. في أيّام زمان، كان الجميع يعرف الجميع. ذهبت تلك الأيّام».
لكن ما جرى لبرج أبي حيدر لا ينفصل عن تحوّلات أوسع شهدتها أحياء بيروت القديمة بأسرها، مع توسّعها وتبدّل سكانها وأنماط البناء فيها.
ماذا يحدث للأحياء القديمة؟
تقول سهى منيمنة، أستاذة جامعيّة وباحثة متخصّصة بتنظيم المدن، لـ«مناطق نت»: «إنّ التوسّع العمرانيّ يغيّر طابع المدينة، لكنّ السكّان هم أوّل من يتأثّر بالتطوير العقاريّ. ففي معظم الحالات، ينتقل سكّان الأحياء القديمة إلى مناطق أخرى أو إلى أطراف المدينة، في ظلّ غياب سياسات تضمن حقّهم في البقاء ضمن أحيائهم. وتختلف هذه الحال عن دول أخرى تُؤمَّن فيها مساكن بديلة للسكّان في المنطقة نفسها، ضمن سياسات سكنيّة واضحة».
وتضيف «ينعكس هذا التغيير على النسيج الاجتماعيّ والطابع العمرانيّ معًا. ففي بيروت، تزداد الكثافة العمرانيّة مع انتشار الأبنية الشاهقة، حتّى في الأحياء ذات المساحات الصغيرة، من دون تنظيم واضح يراعي طبيعة المناطق ونسيجها الاجتماعيّ. ومع مرور الوقت، تتغيّر تركيبة الأحياء القديمة ويصبح طابعها العمرانيّ مختلفًا، بخاصّة مع تراجع المباني التراثيّة واستبدالها بمبانٍ جديدة».
وتشير منيمنة إلى أنّ «حماية المباني التراثيّة لا تزال تفتقر إلى استراتيجيّة واضحة، إذ تقدّم لجنة في وزارة الثقافة توصيات للحفاظ على بعض المباني، فيما يبقى القرار النهائيّ بشأن الحفاظ عليها أو هدمها وإقامة مبانٍ جديدة مكانها لدى الوزير».

ما الذي يحفظ مكانًا؟
تؤكّد منيمنة أنّ «بقاء السكّان الأصليّين في المنطقة هو أحد أهمّ عناصر الحفاظ على هويّتها، لأنّهم يحافظون أيضًا على الأسواق والأنشطة التجاريّة والعادات التي تميّزها. فحين يتبدّل السكان، لا يتغيّر شكل المباني فقط، بل يتبدّل النسيج الاجتماعيّ والثقافيّ للمكان».
وتردف «ولا تقتصر هويّة المنطقة على سكّانها ومبانيها، بل ترتبط أيضًا بطابعها وطبيعة استخدامها. فإذا كانت المنطقة ذات طابع زراعيّ، مثلًا، فإنّ تغيير تصنيفها بما يسمح باستخدامات عمرانيّة أو صناعيّة جديدة يمكن أن يبدّل طبيعتها تدريجًا». وتشير منيمنة إلى أنّ مثل هذه التغييرات تحدث في عدد من القرى، حيث يسعى بعض مالكي الأراضي إلى تغيير تصنيفها بما يسمح بالبناء.
وترى أنّ «الحفاظ على هويّة المكان يحتاج إلى استراتيجيّة متكاملة تشمل حماية السكّان والأنشطة التجاريّة والاجتماعيّة، والحفاظ على طابع المنطقة وتصنيفها، إلى جانب تنظيم عمرانيّ واضح ومشاريع وتمويل مخصّصين للحفاظ على هذه العناصر».
في برج أبي حيدر، لم يتغيّر شكل المكان وحده، بل تغيّرت معه ذاكرته وسكّانه وطريقة الحياة فيه. وبينما تحلّ الأبنية الجديدة تدريجًا مكان البيوت والحدائق القديمة، يبقى السؤال الأهمّ: كيف يمكن لمدينة تتغيّر باستمرار أن تحافظ على شيء من ذاكرتها؟



