سطوح جبل عامل للكرمة والقمح وخيم القصب

(صورة غلاف المقال: سيدة من بلدة صربا الجنوبية تحدل سطح منزلها قبل حلول فصل المطر للراحل ميشال حايك)

في قرى جبل عامل، استمدّ البيت صورته من الأرض والمناخ وحاجات العائلة. الجدران من حجر قريب، سميكة تحفظ برودة الداخل صيفًا ودفأه شتاءً، وفوقها سطح مستوٍ مصنوع في نماذج قديمة من الخشب والقشّ والتراب المدكوك، ثمّ أصبح اسمنتيًّا مع تبدّل أساليب البناء.

في العمارة الريفيّة اللبنانيّة يشكّل السطح المسطّح عنصرًا أصيلًا في البيت البسيط، فيما ارتبط القرميد أكثر ببيوت الجبل اللبنانيّ وبيوت البهو المركزيّ في مراحل معماريّة لاحقة. في جنوب لبنان، حيث إنّ الثلج زائر نادر والصيف طويل، يعتبر السطح مساحة للحياة والعمل، كأنّه غرفة كبرى سقفها قبّة السماء.

بيت فوق البيت

كان السطح طابقًا اجتماعيًّا مفتوحًا، يدخل في برنامج النهار مثل المطبخ والمصطبة والحاكورة. تصعد إليه النساء حاملات السلال والصواني، ويلحق بهنّ الصغار، ويرتفع صوت من أسفل الدرج يسأل عن الغربال أو إبريق الماء.

في تلك الحركة اليوميّة، يتحوّل الدرج، أو السلّم الخشبيّ، إلى صلة بين بيتين: بيت محاط بالحجر، وبيت يحيط به الفضاء والجهات الأربع. هناك تتوزّع المؤونة تحت الشمس، وتتمدّد الظلال، ويغدو الأفق جزءًا من الأثاث. كانت العائلة تملك فوقها مكانًا يوسع صدرها، ويمنح العمل المنزليّ ضوءًا وهواءً ومساحة، ويجعل السماء شريكة في تدبير العيش لمهام ليس نشر الغسيل أوّلها، ولا تسطيح القمح آخرها.

الدالية سقف أخضر للذاكرة

فوق كثير من البيوت، كانت الدالية تمدّ أغصانها على «عريشة» خشبية أو من قصب، فتقيم سقفًا أخضر يثقل في تموز (يوليو)  وآب (أغسطس) بعناقيد العنب. يتسلّل الضوء بين الأوراق على هيئة بقع صغيرة، وتبرد الجلسة تحتها، فيما تتدلّى الحبّات في متناول اليد. كان العنب فاكهة صيفيّة يوميّة، يحملها الطفل إلى فمه، وتحفظه الأسرة زبيبًا ودبسًا وخلًّا. كانت العريشة تمنح السطح ظلًّا وطعامًا ورائحة، وتجعله حديقة معلّقة فوق الحجر.

لتحضير البرغل (يطلقون عليه في الجنوب السميد)، يبدأ المشهد من القمح الذي جمع تعب السنة في سنابله. يُنقّى الحبّ، ويُغسل، ويُسلق في قدور كبيرة (الحَلَّة)، ثم يُرفع إلى السطح ويُفرش على مساحته كلّها. تسحب الشمس الرطوبة، وتقلّب الأيادي الحبّ كي يتساوى الجفاف. تجري العمليّة كطقس ريفيّ جماعيّ يتشارك فيه الجيران، حيث إنّ من تشاركه تعبه اليوم سوف يشاركك تعبك غدًا.

إستخدام سطح المنزل لتجفيف البرغل تحت أشعة الشمس (تصوير كامل جابر)
التين ذهب الصيف

وفي موسم التين، يمتلئ السطح برائحة حلوة ودافئة. تُنتقى الثمار الناضجة، وتُفتح بعض الحبّات أو تُترك كاملة بحسب الغاية، ثمّ تُفرش على صوانٍ أو ألواح أو قطع قماش نظيفة. يمرّ الهواء بينها، وتكثّف الشمس حلاوتها. يذهب بعضها إلى التجفيف، ويدخل بعضها في المربّى أو الدبس. فالتجفيف الشمسيّ وسيلة قديمة لحفظ التين وتكثيف مذاقه.

بالنسبة إلى البيت الجنوبي، كانت حبّة التين تحمل صورة الشجرة والحاكورة والسطح في لقمة واحدة، كأنّ الصيف اختصر نفسه في ثمرة صغيرة.

الكشك: شمس تُؤكل في الشتاء

للكشك أيّامه الخاصّة على السطح. يُمزج اللبن بالبرغل والملح، ويُعجن الخليط يومًا بعد يوم حتّى يكتمل تخمّره، ثمّ يُفرد أو يُقطّع كتلًا صغيرة كي تلتقطه الشمس والهواء. يتكرّر التفتيت والتقليب، وبعد الجفاف يُطحن الكشك ويُحفظ للشتاء وحسائه الكثيف.

هكذا شارك السطح في صناعة طعام يحمل الحموضة والقمح ورائحة الصيف، ويمنح العائلة أمان المواسم.

إمرأة جنوبية تقوم بتحضير الكشك
ربّ البندورة

كان ربّ البندورة أو ما يعرب جنوباً بـ«الشراب» يُحضَّر في موسم الصيف، حين تُغسل البندورة الناضجة وتُقطّع، ثم توضع في قدر كبير تتوهّج تحته نار الحطب. وبعد الغلي والتصفية، يتحوّل الشراب إلى سائل أحمر صافٍ، بلون واحد شهيّ، يلمع كالمرجان تحت ضوء الشمس. يُفرش في صوانٍ واسعة فوق السطوح والمصاطب، ويُقلّب حتّى يشتد قوامه ويصبح ربًّا كثيفًا، ثمّ يُحفظ في المرطبانات لمؤونة السنة.

وكان الصغار والكبار يقتنصون لحظة نضجه، فيدهنونه فوق رغيف الخبز، ويسكبون عليه خيطًا من زيت الزيتون، فتولد سندويشة صيفيّة دافئة، تجمع طعم البندورة ورائحة الحطب وذاكرة القرية في لقمة واحدة، وتترك في القلب بهجة الموسم وحنين البيوت القديمة في جنوب لبنان كله.

حديقة صغيرة فوق الحجر

إلى جانب صواني المؤونة، عاشت فوق السطوح أصص الريحان والنعناع والحبق والورد والياسمين، وربّما شتلة فلفل أو بندورة في تنكة قديمة. كانت المرأة تسقيها بماء قليل عند الصباح أو المغيب، فتفوح الرائحة فوق الدرج وتصل إلى الغرف. واستقبل السطح تجفيف الصعتر والميرميّة والنعناع والبابونج، ثمّ جُمعت الأوراق للطبخ والشراب. بهذه النباتات، يتبدّل الحجر إلى مساحة حيّة، ويصبح السطح صلة بين البيت والحقل.

إلى جانب صواني المؤونة، عاشت فوق السطوح أصص الريحان والنعناع والحبق والورد والياسمين، وربّما شتلة فلفل أو بندورة في تنكة قديمة

خيمة القصب وهندسة الظل

في بعض السطوح الواسعة، أقامت العائلة خيمة قصب، أو عريشة صيفيّة خفيفة. تبدأ بهيكل من أربعة قوائم خشبيّة أو أكثر، تصل بينها عوارض أفقيّة متينة. فوق العوارض تُصفّ أعواد القصب اليابسة متجاورة، وتُربط بحبال ليفيّة أو من مرس أو بأسلاك رفيعة، مع ميل خفيف يساعد على تماسكها ويمنح الظلّ امتداده.

تبقى الجوانب مفتوحة لعبور الهواء، وقد تُعلّق ستارة قماشيّة في جهة الشمس وقت العصر. القصب خفيف، وفراغاته تصفّي الضوء، فينشأ تحته مكان بارد نسبيًّا للنوم والقيلولة والقهوة في قيظ الصيف. وتعرف عمارة الأرياف المتوسّطيّة القصب مادّة قديمة للمظلّات والملاجئ الموسميّة.

العصرونيّة ومجلس الهواء

بعد انكسار حدّة الشمس، يصعد أهل البيت إلى السطح من أجل العصرونيّة. يحملون القهوة أو الشاي، والعنب أو البطّيخ، وكراس من قشّ. هناك يبدأ الهواء عمله الهادئ؛ يمرّ على الوجوه، ويحرك أطراف الثياب، ويخفّف تعب النهار. يشاهد الجالسون الحقول والبيوت، ويتبادلون الأخبار؛ فتنتقل التحيّة من سطح إلى سطح. كان السطح يؤدّي وظيفة المصطبة المرتفعة، ويمنح الجلسة اتّساعًا وخصوصيّة في آن معًا. وفيه يتعلّم الطفل أسماء القرى والنجوم والرياح، ويصغي إلى أحاديث الكبار وهي تمضي مع الغروب.

السطح ساحة عرس

بعض السطوح، في زمن الاسمنت تحوّلت في ليالي الصيف إلى ساحات أعراس كاملة. تُكنس الأرض، وتُعلّق المصابيح، وتُرتّب الكراسي بمحاذاة الجدران، وتصل الحلوى وأباريق الشراب. يصعد أهل القرية تباعًا، فيمتلئ المكان بالفساتين والقمصان البيضاء وروائح العطر والتبغ والقهوة. في الوسط تُفتح دائرة للدبكة، ويبدأ وقع الأقدام منضبطًا ثمّ يشتدّ، كأنّ البيت نفسه يشارك في الفرح. كان السطح أفضل أرض للدبكة، مستويًا ومكشوفًا للهواء، وقريبًا من قلب العائلة.

تراجعت عادة إعداد المؤونة داخل البيوت، وخفّ حضور الأعراس والليالي الصيفيّة فوق السطوح، فتحرّر السطح من وظائفه القديمة، وبدأ القرميد يتسلّل إلى قرى جبل عامل بوصفه علامة جماليّة وافدة. صار شكل البيت جزءًا من مكانته. هكذا ارتفعت المظلّات الحمراء فوق البيوت، قادمة من طرز معماريّة تناسب بيئات كثيرة المطر والثلج، ثمّ استقرّت في الجنوب تحت شمس وافرة ومناخ مختلف.

دوالي العنب في الخيام (تصوير كامل جابر)
من أنواع تحضير المؤونة في الجنوب تجفيف الحر (تصوير كامل جابر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى