عن الحملات الطائفية الممنهجة التي عرّضت النازحين للخطر خلال الحرب

يكشف التحقيق عن تصاعد الخطاب التحريضي المبني على “هواجس” طائفية ضد النازحين اللبنانيين على منصة “إكس”، بالتزامن مع تجدد الحرب في 2 آذار/مارس 2024، وما رافقها من نزوح مئات الآلاف من اللبنانيين، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار وبدء عودة النازحين إلى مناطق سكنهم.

“لا نؤجّر منازل لمحجبات، ومن الأفضل أن تستأجروا في أماكن بعيدة عنّا”، لم تتوقع زهراء، الشابة الجنوبية التي نزحت وعائلتها فجر الثاني من آذار/مارس 2026، من مدينة النبطية جنوبي لبنان، بعد غارات إسرائيلية على مناطق متفرقة من البلاد، أن يكون هذا جواباً تتلقاه وهي تبحث عن سقف آمن.

بالنسبة للشابة الجنوبية ولكثير من اللبنانيين، لم تكن هذه الحرب مفاجئة؛ فقد عاشوا شهوراً تحت وطأة خروقات إسرائيلية متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُبرم بوساطة دولية أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وكانت جبهة الجنوب قد فُتحت في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما عرف بـ “حرب الإسناد” لغزة، قبل أن تتوسع المواجهات خلال عام 2024 إلى حملة إسرائيلية برية وجوية شاملة، خلّفت خسائر بشرية ومادية فادحة وموجات نزوح واسعة.

بعد ساعات قضتها زهراء وآلاف النازحين الآخرين عالقين في مركباتهم، وصلت إلى منطقة عبرا قرب صيدا، حيث أقامت أسرتها مؤقتاً في منزل خالتها. ومع بحثها عن مسكن يتسع لعائلتها، تواصلت مع صاحب شقق عرضها للإيجار على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن بدلاً من أن يجيب عن أسئلتها بشأن الشقة، راح يستجوبها عن طائفتها وحجابها وانتمائها السياسي، قبل أن يختم حديثه بالقول: “نحن لا نؤجّر لمحجبات، كما تعلمين، منطقتنا ذات أغلبية مسيحية، ولا نريد إدخال الحجاب إلى منطقتنا، وأنتم شيعة، نخشى أن يتم استهدافكم، فتعرّضوا حياتنا وحياة الآخرين هنا للخطر”.

يتكرر المشهد في بلدة كيفون، قرب عاليه في محافظة جبل لبنان، حيث لجأت عائلة مريم، الطالبة الجامعية من بلدة طلّوسة في قضاء مرجعيون جنوب لبنان، إلى قبو صغير احتمت فيه ريثما تنتهي الحرب. لكن هذا الأمان المؤقت لم يدم طويلاً؛ إذ بدّده قصف مبنى قريب من القبو.

وفي منتصف الليل، طُلب من مريم وعائلتها إخلاء القبو على عجل، بعدما خشي أصحاب المبنى المجاور للقبو أن يجعل وجودهم كنازحين البناية هدفاً محتملاً للقصف. حزموا أمتعتهم وخرجوا إلى المجهول، قبل أن يتدخل أحد أفراد العائلة عبر معارف في البلدية، ليعودوا إلى القبو بضمانة رسمية، لكنها جاءت مصحوبة بقيود على حياتهم اليومية؛ فمُنعوا من ارتداء العباءات، ومن استقبال الزوار، ووصل التوجس إلى حد التحقيق مع كل من يقصدهم.

لم يكن النزوح القاسي سوى بداية لمعاناة أخرى، ظلّ النازحون يحملون وطأتها طوال أشهر التهجير. تختزل حكاية زهراء ومريم حكايات آلاف فرّوا من الحرب بحثاً عن الأمان، ليجدوا أنفسهم في مواجهة حرب أخرى، لا تقل قسوة؛ حرب تُلاحقهم حتى بعد أن ابتعدوا عن ساحات القتال.

خلال شهر واحد من الحرب، تجاوز عدد النازحين مليون شخص، وفق التقرير اليومي لوحدة إدارة مخاطر الكوارث، بعد أن فرّوا من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاعين الغربي والشمالي. لجأ 136 ألفاً منهم إلى مراكز إيواء تحت إشراف الدولة، فيما توزعت الغالبية بين منازل أقارب في مناطق مختلفة ومساكن مستأجرة؛ وكان هؤلاء الأكثر عرضة لحملات التضليل التي استهدفتهم في الفضاء الرقمي.

بعد الثاني من آذار/مارس 2026، مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

يرصد التحقيق كل المنشورات التي تناولت النازحين بين شباط/فبراير وتموز/يوليو 2026. ويحلل منشورات مختارة تستهدف النازحين على أساس طائفي على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) باعتماد مصطلح “النازحين الشيعة”. والتي ارتبطت بعدة وسوم من بينها حرب إسناد إيران، وحزب الله الإرهابي، وMLGA، وحزب الله وعلى رأسها لبنان. وشهد الأسبوع الثاني من الحرب طفرة في كثافة النشر؛ إذ تصدرت الحسابات الصادرة من لبنان قائمة مصادر المنشورات بنسبة 33.5 في المئة، تلتها الحسابات من السعودية ثم الولايات المتحدة.

ويندرج هذا الطرح ضمن خطاب الكراهية المذهبي؛ لكونه يحرض على التمييز ضد النازحين بناءً على انتمائهم الديني، ما يتسبب في أضرار مباشرة حتى وإن خلا من الدعوة الصريحة للقتل أو العنف الجسدي.

ووفق الأمم المتحدة، فإن خطاب الكراهية هو: “اتصال يهاجم أو يستخدم لغة تحقيرية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس هويتهم ، بمعنى آخر، بناءً على دينهم وعرقهم، أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو الجنس أو أي عامل هوية آخر”.

وركزت المنشورات التي شملها التحليل على الدعوة إلى ترحيل النازحين بحراً إلى قبرص، ورفض استقبالهم، والترويج لادعاءات تصوّرهم خطراً أمنياً وتهديداً ديموغرافياً، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية المسيحية، مستدعية ذكرى “الحرب الأهلية” أحيانا. كما تضمنت المنشورات مواد مصورة ومكتوبة تزعم اعتداء النازحين على الممتلكات العامة أو استخدامها لتخزين الأسلحة، في محاولة لتشويه صورتهم وتأليب الرأي العام ضدهم.

خطاب أُعيد توظيفه في سياق جديد

في 13 أيار/مايو 2024، دعا الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، الذي اغتيل لاحقاً في غارة إسرائيلية، السلطات اللبنانية إلى فتح السواحل أمام النازحين السوريين الراغبين في المغادرة طوعاً إلى أوروبا، منتقداً منعهم من الهجرة، قائلاً: “لنكن أمام قرار وطني يقول: أيها النازحون السوريون الإخوة، كل من يريد أن يغادر إلى أوروبا، إلى قبرص، هذا البحر أمامكم فاتخذوه سفناً واركبوه”.

وجاء هذا التصريح في سياق الضغط على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمساعدة على إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، وتقديم المساعدات لهم هناك.

وخلال رصدنا للمحتوى المنشور، تبين أن حساب Bilal D75 استوحى من هذا الخطاب ونشره بسياق مختلف؛ مستهدفاً أبناء الطائفة الشيعية: “أيها النازحون الجنوبيون الشيعة، كل من يريد أن يغادر إلى أوروبا، إلى قبرص، هذا البحر أمامكم فاتخذوه سفناً واركبوه”، إلى جانب عبارات مسيئة: “يلعن أبوكم لأبو اللي بيزعل عليكم”.

يظهر البحث أن حساب Bilal_D75 يعود لشخص يُدعى “أبو مجد”، يعيش في لبنان، وقد غيّر وصف حسابه تسع مرات، فكتب سابقاً أنه “مناصر للشعب السوري في حقوقه حتى ينقطع النفس”، كما أورد حسابه أنه “ذباب إلكتروني”. 

المنشور الأصلي الذي كتبه بتاريخ 31 أيار/مايو

 

كذلك كان حساب Bilal_D75 الأكثر تأثيراً؛ إذ حصد ألفاً وثلاثمئة تفاعل على “إكس”، مع قدرة وصول بلغت101 ألف. وأظهرت النتائج أن 84 منشوراً تضمن الصياغة الحرفية ذاتها، تركز معظمها في أواخر أيار/مايو ومنتصف حزيران/يونيو، قبل أن تبلغ ذروتها في منتصف حزيران. وتزامنت هذه الذروة مع تصاعد إنذارات الإخلاء الإسرائيلية في جنوب لبنان بشكل مكثّف، خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر، بين 1 و10 حزيران/يونيو.  

وهذا يعني إعادة توظيف “الخطاب الأصلي” ظهرت بالتزامن مع اتساع نطاق الإنذارات، وحدوث موجة نزوح واسعة. وجاء ذلك متزامناً أيضاً مع انتشار النازحين في مراكز الإيواء، حيث بلغ عددهم في 10 حزيران 2026 نحو 134 ألفاً و534 نازحاً، وفق وحدة إدارة مخاطر الكوارث. 

تشير الأرقام إلى أن حساب Bilal D75 كان من الحسابات الاكثر تأثيرا في الحملة ضد النازحين في لبنان
رسم بياني يظهر ذروة النشر

وأظهرت النتائج أنّ أكثر من عشرة حسابات أعادت تداول المنشور بالشكل الحرفي عن حساب Bilal_D75، بوصفه المرجع الأصلي للمنشور، وبنمط رقمي متقارب زمنياً، وعلى مرحلتين منفصلتين. بدأت الموجة الأولى بعد ظهر 31 أيار/مايو 2026، حين أعاد حساب Muawiyah87 نشر المحتوى عند الساعة 16:49، ثم تبعه حسابان آخران؛ MNM20053 وحساب JusticeEyesss من السعودية، عند الساعة 16:58. وتوالت عمليات إعادة النشر لاحقاً عند 17:44، و18:24، و20:27، و20:30، و20:34، و20:44، و20:50، عبر حسابات أخرى.

في الموجة الاولى حسابات أعادت نشر ما كتبه حساب Bilal D75

 

Screenshot

وظهرت موجة ثانية من النشر في 2 حزيران/يونيو؛ بدأت عند الساعة 00:03، تبعتها عمليات إعادة نشر عند 00:34 و00:40، قبل أن تستأنف فجراً عند 05:34، ثم تتواصل صباحاً عند 09:05 و09:59 و10:04 و10:29 و11:23 عبر حسابات أخرى، وصولاً إلى الساعة 14:32.

حسابات أعادت نشر وتداول المنشور

 

الموجة الثانية من النشر

وتشير هذه المعطيات إلى وجود حملة تعبئة جماعية تحريضية منسقة، انطلقت من حساب Bilal_D75، استناداً إلى تطابق النصوص، وإعادة نشرها من عدة حسابات خلال فترات زمنية متقاربة، وظهورها على موجتين منفصلتين، فضلاً عن بروز الحساب كمحور لتداول هذه المنشورات، مع غلبة المشاعر السلبية في محتواها.

حسابات رسمية وإعلامية تنخرط بالتحريض

لم يكن هذا الحساب حالة معزولة ضمن الحملات الرقمية التي استهدفت النازحين في لبنان، بل جاء في سياق أوسع شاركت فيه حسابات تعود لإعلاميين وسياسيين، ونشرت محتوى ذا طابع طائفي واضح.

وعمد هذا الخطاب إلى اختزال النازحين في انتمائهم المذهبي، وربطه بهوية سياسية وأمنية؛ بما يبرر رفض استقبالهم أو وجودهم في بعض المناطق اللبنانية، ويقدّمهم بوصفهم تهديداً ديموغرافياً وأمنياً.

في ليلة اندلاع الحرب، ومع اتساع موجة النزوح نحو العاصمة بيروت وضواحيها، نشر حساب “ربيع شاتيلا” منشوراً يستهدف فئة من النازحين على أساس هويتهم المذهبية وتبعيتهم السياسية”. جاء في المنشور: “نحن أهالي بيروت نرفض استقبال شيعة إيران والبيئة الشيعية الحاضنة لثنائي الشر والإرهاب والعمالة والخيانة والتكفير في مدينتنا بيروت أو ضواحيها، ونطالب الدولة اللبنانية والقوى الأمنية والجيش بالضرب بيد من حديد ضد كل من يحاول الاستيلاء أو الاعتداء على أماكن عامة وخاصة”.

ينسب المنشور أبناء الطائفة لإيران، ويستخدم مصطلح البيئة الحاضنة ليلصق بهم تهم “الخيانة والتكفير والعمالة”، على حد تعبيره. على مدار أشهر كتب صاحب الحساب منشورات تدعو لـ “تحرير” بيروت من الشيعة.

يظهر تحليل ال talkwaker أن الحساب ينشر من الولايات المتحدة وهو ما لم نتمكن من التحقق منه، أما صفحته على فيسبوك فتشير إلى أن مكان إقامته هو لبنان، حيث يدير شركة CPH World Media للإنتاج الإعلامي، علماً أن اسمه الفعلي هو محمد ربيع شاتيلا.

الوسوم التي ارتبطت باستخدام مصطلح “النازحون الشيعة”. المصدر تحليل الـ talkwalker
سردية الكرنتينا

في الثاني والعشرين من شهر آذار/مارس، تعالت الأصوات ضد إنشاء مركز للإيواء في منطقة الكرنتينا، ومثلت تلك المرحلة أحد أبرز الأمثلة على الأساليب التحريضية وخطاب الكراهية.

فعلى خلفية الجدل بشأن إنشاء مركز لإيواء النازحين في منطقة الكرنتينا المحاذية لمرفأ بيروت، صرّح الصحفي والمحلل السياسي جوزيف أبو فاضل، خلال مقابلة متلفزة على قناة “الجديد”، بأن إيواء النازحين في المناطق ذات الغالبية المسيحية “يشكل خطراً”؛ مدعياً تسلل عناصر مسلحة تابعة لحزب الله بينهم، كما قال إن وجودهم في منطقة الكرنتينا ينطوي على مخاطر ديموغرافية، وقد يفاقم التوترات بما ينذر، بحسب تعبيره، باحتمالية اندلاع حرب أهلية.  

كما أعاد نشر تصريحه في تغريدة عبر حسابه على منصة “إكس”، بتاريخ 22 آذار/مارس، حصدت أكثر من 170 ألف مشاهدة، ونالت 1016 تفاعلاً، وتداولها 107 حسابات.

إذا أصرّت دولة لبنان الكبير(المؤقتة)على تغييّر ديموغرافية المناطق المسيحيّة عبر وضع 3 آلاف عائلة من الإخوة النازحين في مدخل مرفأ #بيروت الشمالي في الكرنتينا، وجسر بيروت، ومداخل اوتوسترادات المنطقة الشرقية..المتن، بعبدا، الأشرفيّة المدوّر والصيفي..فهي تفتعل فتنة كبيرة ومشاكل مستعصية طائفيّة ومذهبيّة وعواقب لا تستطيع تتحملّه

لقد سقنا هذه المقدمة البسيطة ليتذّكر من يجب أن يتذّكر أن طريق القدس لم تمر في جونيه والأشرفية، بل بمرفأ بيروت عبر باخرة شحن.. إن الحساسيّة التي تمنع دخول الإخوة النازحين اللبنانيين الشيعة إلى منطقة مسيحيّة ك الكرنتينا ليست من باب البغض أو الحقد، إنما لما حملته المنطقة من دماء ودموع و..لذلك يجب على هذه الجمهورية التي تتحلّل بسرعة البرق، أن تبتعد عن المشاكل، أقله لأشهر قليلة وربما أقّل لينجوا أُوّلي الأمر بما قد جنوه لنفسهم وعلى وطننا الغالي”.

 

تبنى الخطاب وزراء ونواباً وإعلاميين، من بينهم وزير الشؤون الاجتماعية سابقاً، ريشار قيومجيان، الذي عبر عن رفضه لاستقبال النازحين قرب المرفأ، بل ووصف وجودهم بالقنبلة الموقوتة، التي تهدد أمن واستقرار اللبنانيين.

وزير الشؤون الاجتماعية سابقاً، ريشار قومجيان، يعبر عن رفضه استقبال النازحين في بيروت. المصدر: صفحته على منصة إكس

 

“بؤر أمنية”

إلى جانب التهديد الديموغرافي، تعالت أصوات ترفض استقبال النازحين بدعوى أنه يشكل تهديداً أمنياً للمجتمعات المضيفة. وتكرر هذا الموقف بشأن إيوائهم في منطقة الكرنتينا على لسان عدد من المسؤولين، من بينهم النائب رازي الحاج، عضو تكتل الجمهورية القوية، الذي كتب عبر حسابه على منصة “إكس”: “لن نقبل بتحويل الكرنتينا – المرفأ إلى بؤرة أمنية اجتماعية تحت مسمّى مركز إيواء للنازحين”. 

فيما دعا  الأب حنا خوري، في فيديو مصوّر، إلى عدم استقبال أي نازح في المناطق المسيحية، وتحديداً في منطقة “القليعة والجديدة”، وطالب بطردهم من المنازل واصفاً الوضع “بالخطر”.

أما نائب القوات رازي الحاج، فقد ظهر في تصريح تلفزيوني لقناة mtv، مدّعياً وجود عناصر لحزب الله بين النازحين، قائلاً: “لن نختبئ خلف إصبعنا، فهناك أشخاص منتمين (منتمون) إلى حزب الله لديهم مهام عسكرية، يقيمون في هذه المناطق مع عائلاتهم، وهم ملاحقون من قبل إسرائيل”.

وخلال حديث تلفزيوني، قالت مي شدياق، وزيرة لبنانية سابقة: “هني مستعدين بعد يتهجروا 100 مرة ويموتوا 100 مرة، هيدول ما بينشفق عليهم”.

وفي السياق ذاته، ظهر نائب رئيس التحرير في صحيفة “النهار”، الصحفي نبيل بومنصف، في فيديو عبر صفحات الجريدة، قائلاً: “أوعك تأجر شقتك يمكن تجبلك آخرتك، أمن الشقق وأمن الناس صار أهم تطور بهيدي الحرب”. وأضاف: “اللي عم يعملوا البلديات قد يكون جيد بس ما بكفي شي، ما بيكفي تسجل أسماء الناس الي عم بيفوتوا لعندك عالبناية وما بتعرف شو فيه بيناتن، البلديات مش مخابرات”.

ترافق الخطاب السياسي مع حملة إعلامية تشوّه سمعة النازحين وتصورهم “معتدين ومخرّبين”، فقد نشر موقع “هنا لبنان” مقالاً بعنوان: “النازحون يحتلون المدارس الخاصة في بيروت، وأصحابها يناشدون الدولة للتدخل”. لكنّ المقال المذكور لم يوثّق أياً من هذه المعطيات، ولم يذكر أسماء المدارس التي قيل إنها تعرضت للاعتداء، ولا حتى أسماء أصحابها. 

فيما نشر موقع “transparency” فيديو مضللاً يدّعي فيه “ضبط أسلحة وعتاد حربي مع نازحين في بلدة شارون قضاء عاليه”، تناقلته عدة منصات إعلامية، قبل أن تُعيد صفحة “صوت بيروت إنترناشونال” نشر الفيديو بعنوان “العثور على أسلحة بمدرسة في طريق الجديدة تؤوي نازحين لحزب الله”.

جاء اتهام النازحين، بتشكيلهم خطراً على حياة المجتمعات المُضيّفة، متماهياً إلى حدّ كبير مع الرواية الإسرائيلية، التي سعت عبر صفحات الناطق باسم جيش الاحتلال باللغة العربية ومنصاتها الإعلامية، إلى ترسيخ فكرة أن حزب الله يستخدم البنية المدنية في لبنان لأغراض عسكرية.

واستندت هذه الرواية إلى مزاعم بوجود أسلحة أو بنى عسكرية داخل منازل المدنيين، بل وحتى في دور العبادة والبلدات ذات الغالبية المسيحية. واستُخدمت هذه المزاعم لتبرير التهديدات بإخلاء مناطق مدنية واستهدافها، وترسيخ رسالة مفادها أن أي منطقة تستقبل نازحين أو تشهد كثافة سكانية مرتفعة، قد تتحول إلى هدف إسرائيلي.

أثر حملة التحريض على النازحين

ولم تقتصر آثار حملة التحريض على الفضاء الرقمي، بل امتدت إلى إجراءات على الأرض، تمثلت في  الدعوة إلى التضييق على النازحين والتحقق من هويتهم. وتصدرت بعض البلديات هذا المشهد؛ إذ أصدرت بلدية حمانا تعميماً يمنع استقبال النازحين، إلا بعد الحصول على موافقتها، فيما قررت بلدية دير قوبل عدم فتح أي مراكز إيواء لهم. 

ويشير رئيس بلدية دير قوبل، عماد يونس، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أن البلدية “كانت على الحياد، لأن الواقع فرض نفسه، ولم تُفتح فيها مراكز إيواء للنازحين”. ويوضح أن القرار كان “سياسياً ومنسقاً بين الأهالي وجميع الأطراف”، بسبب “حالة خاصة في البلدة لم تكن متقبّلة لفكرة فتح مراكز إيواء جديدة”.

ويلفت يونس إلى أن البلدية كانت تتحسب من احتمال وجود أشخاص بين النازحين “يحملون انتماءً إلى الحزب (حزب الله)”. ويقول إن هذه المخاوف تصاعدت بعد تعرض شقة للاستهداف في دير قوبل، مضيفاً: “وصلنا تهديد بالفعل، وتعرضت شقة في دير قوبل للاستهداف، ما جعل الناس يخافون أكثر”.

لم تتوقف آثار التحريض على النازحين عند التضييق عليهم، بل وصلت إلى إجراءات وعقوبات مباشرة. ففي بلدية مجدل عنجر، سُجّل محضر ضبط بحق أحد الأشخاص بقيمة 100 مليون ليرة لبنانية، على خلفية استقباله أحد النازحين من دون إبلاغ البلدية مسبقاً. كما تصاعدت التداعيات إلى اعتداءات جسدية؛ إذ شهدت منطقة دوحة عرمون توترات ومصادمات، تخللها تكسير سيارات تعود لنازحين، عقب غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة.

أمام هذا المشهد، فضّل كثير من النازحين البقاء في منازلهم وبلداتهم، رغم الخطر الداهم الذي فرضته الغارات الإسرائيلية اليومية، والتي خلّفت عشرات الضحايا يومياً. ويقول رئيس بلدية الصرفند في قضاء صيدا جنوب لبنان، علي خليفة، لـ”مناطق نت”، إن البلدة “استقبلت ما يقارب 2500 عائلة نازحة، أي نحو 13 ألف شخص”، اليوم بقي منهم “ما يقارب 1200 عائلة، معظمهم من قرى الخطوط الأمامية، أو ما يُعرف اليوم بالخط الأصفر”.

ويشير خليفة إلى عدة أمثلة لعائلات نزحت من الصرفند، ثم عادت إليها بسبب سوء المعاملة في أماكن نزوحها. ويقول: “بعض العائلات تعرضت للتمييز بسبب طريقة لباسها، كارتداء العباءة أو الحجاب، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى مطالبتهم بمغادرة المبنى”.

وعن أثر الخطاب التحريضي على وسائل التواصل الاجتماعي في النازحين، يضيف خليفة: “للأسف، كان تأثيره كبيراً جداً. شخصياً، لا أُستفز بسهولة، لكن ما شاهدته على وسائل التواصل الاجتماعي كان مستفزاً إلى حد بعيد… ربما كانت بعض هذه المنشورات صادرة عن أشخاص لا يتمتعون بأي تأثير داخل مجتمعاتهم، لكن كلماتهم كانت تصل إلى أشخاص يعيشون تحت القصف، أو تهدمت منازلهم، أو ما زال أقاربهم تحت الأنقاض، فتترك في نفوسهم أثراً بالغاً”.

  • دور إسرائيل في تعزيز التحريض

لا شك أن الاستهدافات الإسرائيلية للمناطق التي لجأ إليها النازحون أسهمت في تأجيج التوترات والانقسامات داخل المجتمع. وخلال الحرب، امتدت الغارات إلى مناطق استقبلت آلاف النازحين، مخلفة أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى. 

 ففي 8 نيسان/أبريل 2026، شنّت إسرائيل نحو 100 غارة متزامنة على مناطق مختلفة من لبنان، بينها غارات على بيروت، التي كانت تضم آلاف النازحين. وأسفرت الغارات، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل 357 شخصاً وإصابة 1,223.


صورة تظهر جانب من الدمار الذي خلفته آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان. المصدر: نبيل اسماعيل- النهار

وترى دكتورة زينة مهنا، مديرة البرامج والشراكات في مؤسسة عامل الدولية، في حديث لـ”مناطق نت”، أن “الخطاب التحريضي جاء نتيجة لرؤية كل جهة سياسية تجاه الحرب”، مشيرةً إلى أن هذا الخطاب انعكس في صورة احتكاكات داخل مراكز الإيواء ومشكلات على الطرقات.

وأكدت زينة أن إسرائيل عملت على تأجيج الخلافات الداخلية من خلال الاستهدافات التي كانت تقوم بها، مستغلة الانقسامات والنعرات الطائفية، التي لا تزال آثارها مستمرة منذ الحرب الأهلية في لبنان.

في التاسع عشر من حزيران، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تبع ذلك عودة حذرة لأكثر من 800 ألف إلى مناطقهم الأصلية في الجنوب والضاحية الجنوبية، وفق إعلان للأمم المتحدة.

عادت زهراء إلى الجنوب، الذي لا يزال يرزح تحت وطأة القصف، لكنها أبقت المنزل، الذي لجأت إليه في عبرا، خياراً مفتوحاً تحسباً لأي تصعيد. ومع تراكم التجربة والمعاناة، باتت تعرف أين تبحث عن مأوى، وأي المناطق قد تتقبل وجودها، حتى لا تصطدم مجدداً بواقع لا يقل قسوة عن النزوح نفسه.

أُنتج هذا التحقيق بالشراكة بين أريج ومناطق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى