زوطر الشرقيّة تنعى “مدرسة الضيعة” وذاكرة أجيالها

“عمد جيش الاحتلال إلى تفجير مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسميّة في وسط بلدة زوطر الشرقيّة”. هذه المرّة، لم يكن وقع هذا الخبر كغيره على أهالي زوطر الشرقيّة المبعدين قسرًا عن بلدتهم.

“مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسميّة”، ليست مجرّد بناءٍ تهاوى بفعل الإجرام، بل هي ذاكرة أجيال تخرّجت منها.

غصّت مجموعات الـ”واتساب”، وكثرت منشورات الـ”فيسبوك” مباشرة بعد هذا الخبر. هذا روى عن ذكرى له في المدرسة، وذاك كتب عن سنين طفولته بين أروقتها، وتلك نصت حول فرحة التخرّج في ملعبها، وأولئك تحدّثوا عن ذكريات كثيرة. كلّهم عبّروا عن وجع فاق حدّ الوصف.

أن تُنسف مدرسة، ذاك الصرح التعليميّ الذي خرّج أجيالًا أصبحوا مهندسين، أطبّاء، معلّمين، حرفيّين، باحثين، ليس خبرًا يمرّ مرور الكرام. نسفه العدو ببضعة “غالونات زهريّة” حطّمت معها معالم المدرسة حجرًا حجرًا.

راحت المدرسة” نتألّم جماعة

“راحت المدرسة”. هذا ما سمعته الأستاذة في الأدب العربيّ، ليلى حرب. كتبت حرب وجعًا “وقْعُ تدمير المدرسة يختلف عن كلّ وقع مؤلم، إنّه ثقيل موجع. فإذا كنّا نتألّم على المنازل فرادى، نحن اليوم نتألّم جماعة. كلّنا يتفجّر في نفوسنا حزن كبير، وتشتعل فينا نار لا تنطفئ”.

وتابعت: “إنّها بيتنا جميعًا. تخرّجت منها أجيال. من أطبّاء ومهندسين ومحامين وأساتذة وغيرهم ممّن لمعوا في المجتمع ورفعوا اسم زوطر عاليًا، على أيدي نخبة من معلّمين ومديرين ترفع لهم القبّعة”.

وأضافت: “ولم يقتصر دور المدرسة على الجانب التعليميّ، بل تخطّاه إلى الجانب الاجتماعيّ، فلطالما كانت المكان الجامع لأهل الضيعة وضيوفها في المناسبات والاحتفالات ومركزًا لأفواج كشّاف التربية الوطنيّة. اليوم هوى هذا الصرح، وهوى ذلك التاريخ الحافل بالإنجازات، وأضيفت إلى مآسينا مأساة جديدة. اليوم اكتمل مشهد همجيّة العدوان بتدمير أهمّ معلم من معالم العلم والمعرفة والثقافة. ويبقى الأمل بالعودة هو الشعلة التي نحيا من أجلها لتعمير زوطر وتعمير مدرستها”.

لن يمحوا حبّنا؟

“ما رح تقدر تهدم الذاكرة”، كتبت المعلّمة تيا جابر عن ذاكرتها في المدرسة، متسائلة: “هل تلك المدرسة تهدّد أمن الشمال؟ عندما رأيتها مدمّرة شعرت وكأنّ الذكريات صارت رمادًا. المبنى يمكن أن يعاد بناؤه، ولكن الإحساس بالمكان، وأصوات الطلّاب، وضحكات الأيّام الحلوة، كيف تعود؟ فجّر العدو الإسرائيليّ المتمركز في قرية زوطر الشرقيّة المدرسة، ولكنّه لم يمح حبّنا للقرية، للمدرسة، للذكريات التي رسمناها بين أروقتها وفي صفوفها، ومع تلامذتها”.

خرج الوجع جليًّا وسريعًا إلى العلن، بعد التفجير مباشرة، وكأنّ ذكريات الطفولة لأكثر من نصف سكّان تلك القرية خرجت جريحة موجوعة، تنعى طفولة كاملة، تئنّ، تعيد كلّ دقائق الماضي. كلّهم حملوا حقائبهم، وساروا على أرصفة القرية مشيًا على الأقدام وصولًا إليها، حيث كان يستقبلك الناظر، وملعب رحب يتّسع للطلّاب ولفرحهم ومشاغباتهم، يحتضن أشجار الكينا العالية وفيء المحبّة.

العلم اللبناني مرفوعًا على مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسميّة والتي دمرتها إسرائيل مؤخّرًا
“مدرستنا لم تكن مجرّد حجارة”

بدورها، عبّرت مديرة المدرسة، غادة أيّوب، من موقع الشاهد عن كلّ تفصيل في تلك المدرسة لسنوات عديدة، إذ قالت لـ”مناطق نت”: “كان وقعُ خبرِ تفجيرِ المدرسةِ على نفسي قاسيًا ومُفجعًا؛ إذ ذهلتُ في اللحظةِ الأولى وصُدمتُ بحزنٍ وألمٍ يعصرانِ القلب، وأنا أرى المكانَ الذي احتضنَ أبناءَنا التلامذة، وشهدَ سنواتٍ طوالًا من العملِ والعطاءِ والإنجاز، يتحوّلُ في لحظةِ غدرٍ إلى هدفٍ للتدمير”.

وأضافت “تركَ هذا العدوانُ في نفسي أثرًا عميقًا لا يُمحى، وكأنّ جزءًا من ذاكرتي التربويّةِ وروحي قد هُدِمَ مع حجارةِ المدرسةِ وجدرانِها. غيرَ أنّ هذا الحزنَ الشديد، وعلى عِظَمِهِ، ولّدَ في داخلي شعورًا أعلى بالمسؤوليّة، وإصرارًا لا يَلينُ على مواصلةِ الطريق. فمدرستُنا لم تكن يومًا مجرّدَ حجارةٍ وصفوف، بل هي رسالةُ نور، وبارقةُ أمل، ومستقبلُ أجيالٍ بأكملِها. ولذا، فإنّ هدمَ البناءِ لن ينجحَ أبدًا في تدميرِ الرسالة”.

واختتمت حديثها: “نعم، كان الألمُ كبيرًا والمصابُ جللًا، لكنّ إيماني بأنّ مدرستَنا ستنهضُ من تحتِ الركام، وأنّ ضحكات أطفالِنا ستملأُ ساحاتِها من جديد، كان وما زالَ أكبرَ من كلّ دمار”.

تاريخ حجر إلى ذاكرة

تعود جذور المدرسة الرسميّة في زوطر الشرقيّة إلى العام 1949، حين بدأت بغرفة واحدة ومعلّم واحد، قبل أن تتطوّر وتكتسب شكلها القانونيّ والعمليّ مع التحاق الأستاذ حبيب محمود يونس بها. وسبقتها مدرسة خاصّة أُنشئت بمرسوم للشيخ نعيم مهدي بين 1935 و1938.

أمّا مبنى المدرسة الحاليّ، الذي هدمه العدوّ الإسرائيليّ بالكامل، فقد افتُتح العام 1999 برعاية وحضور رئيس مجلس النوّاب نبيه بري.

على مدى عقود، واجهت المدرسة تحدّيات الحروب والأزمات، وخرّجت أجيالًا من الشخصيّات في مجالات العلم والثقافة والعسكريّة والإعلام والتربية والأعمال المختلفة، من بينهم: التشكيلي الدكتور حسين ياغي، والعميدان سهيل حرب وعلي إسماعيل، والإعلامي يحيا حرب، والبروفّسور الطبيب محمّد جواد ياغي، إلى جانب عدد من التربويّين، بينهم الأستاذان قاسم شعيتاني وصبحي إسماعيل، والمفتّش التربويّ محمّد إسماعيل، ورجل الأعمال المهندس محمّد عبد اللطيف حرب، والأستاذ محمّد شعيتاني.

اليوم أضحى كلّ هذا التاريخ عبارة عن ردمٍ سُوّي بالأرض، وذاكرة تتشبّث بمواقف محفوظة، وليس بحجرٍ يشهد على حدوثها.

“لم يتبقَّ شيءٌ من مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسمية بعد الغارات الإسرائيلية التي طالتها”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى