الخيام… تاريخ من ماء وثقافة وحروب

في أقصى جنوب لبنان، حيث تتجاور الجغرافيا الحدوديّة مع ذاكرة مثقلة بالحروب والتحوّلات، تقف بلدة الخيام كواحدة من أكثر بلدات قضاء مرجعيون حضورًا في التاريخ اللبنانيّ الحديث. لعبت الخيام دورًا زراعيًّا أساسيًّا في الجنوب، كذلك شكّلت، على مدى عقود، مركزًا اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا لأهالي القرى الحدوديّة، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجيّ ومن سهلها الخصيب الذي منح المنطقة اسمها.
من ينابيعها التي صنعت “مرج العيون”، إلى مدارسها ومثقّفيها ومعالمها التاريخيّة، وصولًا إلى موقعها في مسار المقاومة والصراع مع الاحتلال الإسرائيليّ، راكمت الخيام مراتب متعدّدة من الهويّة جعلتها تتجاوز حدود الجغرافيا.
بلدة صنعتها المياه
هي حارسة قضاء مرجعيون، والبوابة الشرقيّة لجبل عامل، تشرف مباشرة على مستوطنة المطلّة وسهل الوطى من الناحية الشرقيّة. لطالما كانت الخيام واحة مائيّة بامتياز، إذ منحت ينابيعها السهل المحيط بها اسمه الشهير “مرج العيون”، قبل أن يتحوّر الاسم مع مرور الزمن إلى “مرجعيون”. ولا تزال الذاكرة الشعبيّة تحتفظ بصورة الخيام بوصفها “عروس المرج”، يزفّها نبع “الدردارة” المنحدر من منطقة غنّاء تُعرف بـ”جلّ العروس”.
تحوّلت هذه الوفرة المائيّة إلى مصدر ازدهار زراعيّ، إذ اشتهرت الخيام بسهلها الخصيب وإنتاجها الوفير من الخضروات والفواكه الموسميّة، ولا سيّما “البطّيخ الخياميّ”، الذي ارتبط اسمه بحلاوة طعمه وجودته الفريدة. فشكّل هذا الإنتاج الزراعيّ ركيزة اقتصاديّة للبلدة، إلى جانب “سوق الخميس” التراثيّة، التي ظلّت لعقود مركزًا تجاريًّا واجتماعيًّا لقضاء مرجعيون والقرى المجاورة.
وقبل الحرب التي شُنّت على جنوب لبنان العام 2024، بلغ عدد أبناء الخيام نحو خمسة وثلاثين ألف نسمة، توزّعوا بين البلدة والعاصمة بيروت ومختلف المحافظات، فيما شكّل المغتربون امتدادًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا لأهاليها.
ولا تقتصر خصوصيّة الخيام على موقعها ومواردها الطبيعيّة، بل تمتدّ إلى نسيجها الاجتماعيّ والثقافيّ والدينيّ، الذي جعلها إحدى أبرز بلدات الجنوب.

مدرسة الجنوب الثقافيّة
تجمع الخيام تحت سمائها أربع كنائس تاريخيّة للطوائف المسيحيّة المختلفة (الروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، الموارنة والإنجيليّة)، إلى جانب مسجدين، في صورة تعكس تاريخًا من العيش المشترك والتنوّع الدينيّ.
إلى جانب هذا التنوّع، شهدت الخيام حراكًا ثقافيًّا مبكرًا مع تأسيس “النادي الثقافي الاجتماعيّ في الخيام” في أوائل السبعينيّات، الذي لعب دورًا رائدًا في نشر الوعي وتنظيم الأنشطة الفكريّة والأدبيّة.
كما شهدت قفزة نوعيّة بالتربية والتعليم منذ العام 1922، حين اعتمدت التعليم الرسميّ بدلًا من الكتّاب التقليديّ، وكانت المرأة الخياميّة شريكة في التحصيل العلميّ منذ البداية. وخلال عقود، ساهم أبناء البلدة في تأسيس المدارس في العرقوب والهرمل والنبطيّة، حتى عُرفت الخيام بأنّها بلدة “تصدّر المعلّمين والمعلّمات” إلى مختلف المناطق اللبنانيّة، إلى جانب حضور أبنائها في المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة والإداريّة.
وأنجبت الخيام عددًا من الأسماء التي تركت أثرًا في الأدب والفكر والعمل الوطنيّ، من أبرزهم الشعراء حسن عبدالله وعصام عبدالله ومحمّد العبدالله، والمفكّر والنائب السابق حبيب صادق، وغيرهم ممّن ارتبطت أعمالهم بتاريخ الجنوب اللبنانيّ وذاكرته الثقافيّة.
معالم صنعت الذاكرة
تحتضن الخيام عددًا من المعالم التاريخيّة والعسكريّة التي تعكس موقعها الاستراتيجيّ، من بينها المطار الإنكليزي “مطار المرج” والمستشفى الإنكليزي اللذان أُنشئا خلال الحرب العالميّة الثانية.
ويبقى معتقل الخيام أبرز هذه المعالم، إذ بدأ ثكنة عسكريّة فرنسيّة شُيدت العام 1933، قبل أن يحوّله الاحتلال الإسرائيليّ العام 1985 إلى معتقل شهد أفظع أنواع التعذيب بحقّ الأسرى اللبنانيّين. وعلى رغم تدمير أجزاء واسعة منه خلال حرب تمّوز (يوليو) 2006، بقي شاهدًا على مرحلة مفصليّة من تاريخ الجنوب.

تاريخ من الحروب والمقاومة
عرفت الخيام مبكرًا قسوة الحروب، فخلال الحرب العالميّة الأولى فرض العثمانيّون الخدمة الإجباريّة على شبابها، وتزامن ذلك مع المجاعة والهجرة إلى بلدان أميركا اللاتينيّة، حيث استقرّ عدد من أبنائها وأسّسوا جاليات بقيت على صلة بالبلدة.
وقبل اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة، كانت الخيام من أكثر بلدات الجنوب حيويّة في الحياة السياسيّة والفكريّة، وبرز فيها حضور الأحزاب الوطنيّة واليساريّة.
وكانت كذلك من أوائل البلدات التي استقبلت النازحين الفلسطينيّين بعد نكبة العام 1948، واحتضنت العمل الفدائيّ المقاوم، وقدّمت الشهداء في حرب تشرين (أكتوبر) 1973، والحرب الأهليّة، واجتياحيّ عامي 1978 و1982. وفي آذار (مارس) 1978، ارتكب الاحتلال الإسرائيليّ وعملاؤه مجزرة راح ضحيتها 45 من أبناء البلدة ممّن رفضوا مغادرتها.
وفي أيار(مايو) 2000، كانت الخيام على موعد مع التحرير، حين اقتحم الأهالي المعتقل وحرّروا الأسرى، في واحدة من أكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة الوطنيّة اللبنانيّة.
لكنّ البلدة التي عاشت تاريخًا طويلًا من الصمود، وجدت نفسها من جديد في قلب الحرب. فبعد الحرب التي اندلعت عقب الإعلان عن حرب الإسناد في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 وتوسّعها في عامي 2024 و2026، تحوّلت أجزاء واسعة منها إلى ركام، لتواجه فصلًا جديدًا من تاريخها، وهي التي لطالما كانت شاهدة على تعاقب الحروب والتحوّلات.
صور متنوعة من بلدة الخيام تصوير (كامل جابر)









