نساء غرب بعلبك… صحّة جنسيّة وإنجابيّة تصطدم بالكلفة والوصمة

تأخّرت دورة سناء (اسم مستعار) الشهريّة، البالغة من العمر خمسة وثلاثين عاماً، والمقيمة في إحدى قرى غرب بعلبك. بحثت سناء عن طبيبة نسائيّة لإجراء فحص سريريّ كي تتحقّق من أسباب هذا التأخير المفاجئ.

بدأت رحلة البحث عن موعد للاستشارة الطبّيّة، زارت مستوصف البلدة والبلدات المجاورة، فكانت المواعيد بعيدة، إذ تأتي الطبيبة النسائيّة مرّة واحدة في الأسبوع فقط. بعد ثلاثة أيّام من البحث، لم تعثر على طبيبة إلّا في رياق التي تبعد عن بلدتها نحو 15 كيلومتراً، وبالتالي عليها تأمين بدل مواصلات ووقت أطول للوصول إليها. عندما زارت الطبيبة، أمطرتها بالأسئلة حول زيادة وزنها وتأثير التأخّر في الزواج على جودة البويضات والدورة الشهريّة مع تقدّم السنين.

دفعت سناء أربعين دولاراً ثمن الاستشارة وصورة “الإيكّو”، أيّ ما يعادل مصروف أسبوعين اقتطعته سناء من مدّخراتها الشهريّة، فضلاً عن ثمن الدواء الذي ستشتريه حتماً لمرّة واحدة فقط بسبب صعوبة تأمينه في الأشهر القادمة.

خدمات صعبة المنال

تواجه النساء في منطقة غربيّ بعلبك تحدّيات في خدمات الصحّة الإنجابيّة والجنسيّة، سواء في إمكانيّة توافرها وسهولة الوصول إليها أو في كلفة الحصول عليها، كذلك نوعيّة الخدمات المقدّمة. ما هي طبيعة هذه التحدّيات؟ وكيف تؤثّر الثقافة والمعايير الجندريّة في فهم الصحّة الجنسيّة والإنجابيّة وعلى نوعيّة الخدمات التي يتلقّينها؟ وما موقع الحقوق الجنسيّة ضمن الخدمات التي تقدّم تحت عنوان “الصحّة الإنجابيّة”؟

عائق مادّيّ يصعّب الخدماتة

يمكن اعتبار العائق المادّيّ، أيّ كلفة خدمات الصحّة الإنجابيّة والجنسيّة، إحدى أبرز الإشكاليّات التي تحول دون وصول النساء إليها. وقد ازدادت هذه الحال صعوبة بعد توسّع الحرب في أيلول (سبتمبر) 2024 وتجدّدها في آذار (مارس) 2026، إذ بات من الصعب تأمين كلفة هذه الحاجة، التي تعتبر شأناً نسائيّاً، وليست ضمن سلّم أولويّات حاجات الأُسرة.

يشير الطبيب فارس حميّة، المتخصّص بالحمل والولادة والأمراض الجنسيّة النسائيّة، إلى أنّ “التحدّي الأساس ليس في توافر الخدمات بقدر ما هو مرتبط بكلفتها وجودتها، بخاصّة عندما تقع هذه الخدمات في أدنى سلّم الأولويّات للأسرة والمرأة نفسها، التي غالباً ما تُفضّل أخذ العلاج الدوائيّ من الصيدليّة عوضاً من زيارة الطبيب”.

يتابع حميّة لـ”مناطق نت”: “الكلفة المتوسّطة الشاملة لفحص سريريّ وصورة ‘إيكّو‘ وفحص مخبريّ تبلغ نحو 50 دولاراً. هذا المبلغ لا يمكن توفيره بسهولة، لذلك تحجم النساء عن طلب هذه الخدمة ويلجأن إلى طرق بدائيّة، إلى أن تخرج المشكلة عن السيطرة”.

بحسب تقرير صادر عن برنامج الأغذية العالميّ العام 2025، فإنّ الأسرة اللبنانيّة المكوّنة من خمسة أفراد ستحتاج إلى ما لا يقلّ عن 627 دولاراً شهريّاً لتأمين حاجاتها الأساس، التي تمثّل حدّاً من حدود الفقر. فيما يبلغ الحدّ الأدنى للأجور في لبنان 28 مليون ليرة لبنانيّة شهريّاً، أيّ ما يعادل نحو 312 دولاراً. على هذا الأجر أن يحاول تغطية الحاجات الغذائيّة الأساسيّة، وكلف الحدّ الأدنى للسكن وخدماته. من هنا، نستطيع الاستدلال بأنّ موازنة الأسرة المتقشّفة قاصرة عن سداد فاتورة كلفة الصحّة الإنجابيّة للنساء.

الطبيب فارس حميّة: “العازبات غالباً لا يزرن العيادة النسائيّة إلّا إذا حصلت مشكلة في الدورة الشهريّة التي لا بدّ من الحفاظ عليها كي تبقى الفتاة صالحة للزواج والإنجاب بحسب المفهوم الشائع”.

القرارات الصحّيّة بقبضة الوصمة الاجتماعيّة

يعتبر ضعف الوعي بالصحّة الإنجابيّة والجنسيّة لدى النساء، وكذلك الرجال، إحدى أبرز التحدّيات التي تحول دون وصولهنّ إلى العلاجات الفعّالة.

“عند حدوث مشكلة صحّيّة- جنسيّة تُناقش بشكل محدود داخل الأسرة، ما يجعل الوصول إلى المعلومات وطلب المساعدة أكثر صعوبة. كما يتمّ تحميل المرأة مسؤوليّة المشكلة، اعتماداً على الثقافة المجتمعّية التي تقوم على لوم الطرف الأضعف في العلاقة الزوجيّة وهي المرأة”. هذا ما يقوله الطبيب حميّة.

الأمر لا يقتصر على المتزوّجات، فالوصمة الاجتماعيّة قد تمنع كثيراً من العازبات ارتياد عيادات الطبّ النسائيّ. إذ بحسب المعايير الجندريّة والثقافة المحلّيّة، فإنّ الزواج هو الدافع المباشر لزيارة هذه العيادات.

هنا، يوضح حميّة أنّ “الفتيات غير المتزوّجات، غالباً لا يزرن العيادة النسائيّة إلّا إذا حصلت مشكلة كبيرة في الدورة الشهريّة أو مشاكل في الهرمونات، وذلك لارتباطها بالصحّة الإنجابيّة التي لا بدّ من الحفاظ عليها كي تبقى الفتاة صالحة للزواج والإنجاب بحسب المفهوم الشائع”.

يضيف حميّة: “كثيرات يفضّلن أخذ العلاج دون إجراء فحوص مخبرّية كونهنّ غير متزوّجات، انطلاقاً من الاعتقاد المغلوط: الفحص السريريّ وأخذ أيّة عينات من الجهاز التناسليّ للمرأة يهدّد عذريّتها”.

العدوى المنقولة جنسيّاً…

في هذا السياق، تشير مهاد حيدر، الناشطة النسويّة وإحدى مؤسّسات مكتبة “ميلي” في بعلبك، إلى وصمة إضافيّة تطال النساء والرجال ممّن يعانون من عدوى منقولة جنسيّاً: “يرتبط التصوّر الشائع بأنّ هذه العدوى تنتقل بتعدّد العلاقات الجنسيّة حصراً، فيما يمكن لها الانتقال داخل العلاقات الزوجيّة بكلّ بساطة، ما يدفع البعض إلى إخفاء الأعراض وبالتالي التأخُّر في الحصول على الرعاية الصحّيّة بسبب الضغط الاجتماعيّ”.

كذلك تشير حيدر في حديثها لـ”مناطق نت” إلى “غياب التعاطف أو التفهّم والحساسيّة من قبل غالبيّة الأطبّاء تجاه وضع النساء وصحّتهنّ أو حقوقهنّ الجنسيّة”.

الصحّة جنسيّة وإنجابيّة حقّ الجميع

بحسب “منظّمة الصحّة الدوليّة” فإنّ تحقيق الصحّة الجنسيّة “يرتبط بمدى احترام حقوق الإنسان وحمايتها والعمل بها”. وتشمل الحقوق الجنسيّة بعض حقوق الإنسان المعترف بها فعلاً في وثائق حقوق الإنسان الدوليّة والإقليميّة، وغيرها من وثائق التوافق الدوليّ، وكذلك في القوانين الوطنيّة.

يظهر تلازم مفهوميّ الصحّة والحقوق الجنسيّة والإنجابيّة معاً كونهما مرتبطين بعضهما ببعض كشأن واحد يخصّ النساء والرجال على حدّ سواء، لكن بحسب ما تقول حيدر، فإنّ “المسؤوليّة الاجتماعيّة تقع على عاتق النساء وحدهنّ من حمل ورضاعة ورعاية، فيما يبقى دور الرجل أقلّ حضوراً”.

تضيف حيدر: “نتيجة ذلك، لا تحظى الخدمات الإنجابيّة والجنسيّة بالأولويّة نفسها لدى جميع أفراد الأسرة كونها مرتبطة في النساء حصراً. وبالتالي، يتحوّل الجهاز التناسليّ إلى وسيلة إنجاب وليس جزءاً من صحّة الإنسان”.

ووفق كثير من الحالات التي تعاملت معها حيدر “فإنّ واحدة من المشكلات التي تواجهها النساء هي عدم امتلاكهنّ السيادة والوكالة الذاتيّة على أجسادهن، إذ تبقى هذه الوكالة بين يدي الشريك الذي يتّخذ قرارات الحمل والإنجاب وغيرها”.

مهاد حيدر: “يتحوّل الجهاز التناسليّ للنساء إلى وسيلة إنجاب وليس جزءاً من صحّة الإنسان”.

سلطة على جسد المرأة

إذاً، يتطوّر التساؤل ليتعدّى إمكانيّة توافر الخدمة، ويصل إلى البحث في استطاعة المرأة اتّخاذ قرار بشأن صحّتها، والحصول على خدمات بطرق تحفظ خصوصيّتها وكرامتها.

هذا ما يشير إليه الطبيب حميّة، الذي شاركنا حال سيّدة أتت مع زوجها. عندما عرض عليها حميّة الخطّة العلاجيّة، طلبت السيّدة منه سؤال زوجها عن إمكانيّة تلقّيها، إذ إنّها لا تملك سلطة القرار بمفردها.

يستطرد حميّة: “في الغالب، لا يرافق الرجال النساء إلى العيادة، بل تأتي المرأة بمفردها أو مع والدة الزوج عندما يكون الأمر متعلّقاً بالحمل والولادة، فيما ترافقها والدة الزوجة عند حدوث مشكلة صحّيّة. هذا يعكس ديناميكيّة القوّة في العلاقات الاجتماعيّة، فوالدة الزوج يهمّها إمكانية الإخصاب كونه خليفة أو ثمرة ابنها، أمّا والدة الزوجة فدورها مرتبط بالتعامل مع المشاكل الصحّيّة، فيما يتكفّل الزوج بتأمين البدل المادّيّ ليس أكثر”.

الوزارة بين الإقرار والتطبيق

عند مراجعة الخدمات المنشورة على الموقع الإلكترونيّ الرسميّ لوزارة الصحّة العامّة اللبنانيّة، يظهر استخدام إطار الصحّة الإنجابيّة بصورة أساسيّة، بينما لا تظهر الحقوق الجنسيّة كإطار مستقلّ وواضح ضمن عرض هذه الخدمات.

هذا لا يعني غياب المقاربة عن جميع البرامج والخدمات، لكنّه يطرح مدى حضور مفهوم الحقوق الجنسيّة والإنجابيّة في الخطاب الرسميّ وفي طريقة تعريف الخدمات المتاحة للنساء والرجال. بحسب الموقع، تشمل خدمات الصحّة الأوّليّة الاحتياجات الصحّيّة الأساسيّة للفرد والمجتمع وتتراوح بين التوعية والوقاية وصولاً إلى العلاج، وهو برنامج يتمّ تنفيذه بالتعاون مع صندوق الأمم المتّحدة للسكّان. ويتضمّن البرنامج: الأمومة المأمونة وصحّة المولود، والفحص التشخيصيّ والوقائيّ والكشف على أمراض الجهاز التناسليّ بما فيها السرطان.

وقد بدأ هذا البرنامج كالتزام بمقرّرات المؤتمر الدوليّ للسكّان والتنمية العام 1994 من قبل الحكومة اللبنانيّة، وبدعم من صندوق الأمم المتّحدة للسكّان. لكن على الرغم من ذلك، ظلّت الفجوة واضحة بين بناء الصحّة الإنجابيّة كبرنامج وخدمات صحّيّة، وبين ترجمتها بشكل كامل إلى إطار قائم على الحقوق والوكالة والاستقلاليّة التي تعتبر جوهر الصحّة والحقوق الجنسيّة والإنجابيّة.

كذلك فإنّ هذا الاهتمام لا ينعكس على شكل تخفيض كلفة هذه الخدمات في القطاع الخاصّ أو تحسين في جودتها وسهولة الوصول إليها في القطاع العام. وهذه إحدى التحدّيات التي تجعل الفصل بين الحقوق والصحّة الجنسيّة والإنجابيّة أمراً أساساً يؤثّر بشكل مباشر في صحّة ورفاه النساء والرجال على حدّ سواء.

صحّة غائبة تجاه أولويّة الإنجاب

الصحّة بجميع مستوياتها، هي حقّ لأيّ إنسان. كذلك فإنّ الإنجاب ليس الشأن الوحيد الذي تتمحور حوله الصحّة، بل الصحّة الجنسيّة هي شأن أساس أيضاً، لكنّها ما زالت في غالب الأحيان، تتعرّض للإقصاء، في مقابل اتّساع مساحة الصحّة الإنجابيّة، نظراً لارتباطها الوثيق بالدور الإنجابيّ الذي يُعتبر أحد أبرز الأدوار المناطة بالنساء في مجتمعنا.

في المحصّلة، لا يرتبط حصول النساء على خدمات الصحّة الجنسيّة والإنجابيّة بوجودها فقط، بل تتشابك مع كلفتها المادّيّة وموقعها الجغرافيّ وجودتها، إضافة إلى الوصمة الاجتماعيّة والمعايير التي قد تحدّ من قدرة المرأة على اتّخاذ القرار بشأن جسدها وصحّتها الجنسيّة وحقوقها.

فمتى سيتاح للمرأة الوصول إلى الرعاية التي تحتاجها من دون تقديم تبريرات حول حالها الاجتماعيّة، ومن دون أن تجد نفسها مضطرّة للاختيار بين حاجتها الصحّيّة وأولويّات أسرتها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى