النساء في سجلّات الحرب أسيرات الهلع وفقدان الخصوصيّة والأمان

في الحرب الأخيرة كانت نهلة (اسم مستعار)، وهي سيّدة في العقد الثالث من عمرها، حاملًا في شهرها الأخير، تستعدّ للولادة في أيّة لحظة. لم تستطع نهلة الذهاب إلى بعلبك بسبب القصف واتّساع دائرة الإنذارات بعد أن شملت مناطق واسعة من البقاع، من بينها بلدة قصرنبا حيث تعيش.

دخلت نهلة في حال من الخوف والهلع، لم يعد باستطاعتها الحركة أو الوقوف بسهولة، ولم تكن تعرف أين ستلد ومع من ستترك أطفالها الأربعة. في ذاك المساء، أمضت نهلة الليل مع أطفالها في العراء خوفًا من النوم في داخل البيت. كانوا كلما سمعوا صوت انفجار ينهضون ويبدّلون مكانهم خشية وقوع شظايا ربما تصيبهم بأيّ مكروه.

كانت آلام المخاض في ازدياد، ما جعل أيّ حركة صعبة ومؤلمة، حتّى إن طفلتها الصغيرة كانت تنظر إليها وتطمئنها ببراءة طفوليّة وطيبة عفويّة بأنّ الطفل القادم سيكون بخير. في اليوم التالي، توجّهت نهلة إلى المستشفى في زحلة برفقة زوجها وأولادها، لكنّ الطبيبة لم تتمكّن من الوصول بسبب القصف، فاضطرّت إلى الانتظار أمام المستشفى طوال الليل وحتّى بزوغ الفجر وهي تتألّم.

وحدها دخلت نهلة إلى غرفة العمليّات، وخضعت لعمليّة ولادة قيصرية. كان الأطبّاء والممرّضون يتحدّثون عن الحرب وعمّا يجري، بينما كانت تسمع أصوات القصف في الخارج وتشعر بأن لا أحد يدرك مدى آلامها.

أرقام تكشف حجم الأزمة

هذه ليست قصة من خيال، بل عيّنة واقعّية لما عاشته النساء في ظلّ الحرب والنزوح. في الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على لبنان، بلغ عدد النساء النازحات الحوامل 13.500 امرأة، بينهنّ 1500 امرأة حامل يُتوقَّع ولاداتهنّ خلال شهر بعد النزوح.

وفق البيانات التي نشرها تقرير صندوق الأمم المتّحدة للسكّان في شهر آذار (مارس) الماضي، بلغت نسبة النساء اللواتي في عمر الإنجاب 325.500 من أصل 629.000 امرأة نازحة، أيّ ما يعادل النصف تقريبًا. يُضاف إلى هذا الرقم 565 امرأة حاملًا في مراكز الإيواء و800 امرأة مرضعة نازحة.

هذه الأرقام مثّلت واقعًا واجه كثيرًا من التحدّيات، أبرزها وأهمّها توفير خدمات الصحّة الجنسيّة والإنجابيّة، بالإضافة إلى الخدمات المتخصّصة بغذاء الأمّ والطفل، التي تضمن الحفاظ على سلامة نموّهما وتطوّرهما.

من ناحيتها أكدت العاملة في القطاع الطبّي كارين عاجور، أنّ التمويل المنخفض أثّر في جودة وكمّيّة الخدمات المتوافرة، بالإضافة إلى استهداف الكوادر الإسعافيّة التي تقوم بتقديم الدعم الصحّيّ الأوّليّ في مراكز الإيواء، وهو ما قلّص من حركتهم، الأمر الذي صعّب الوضع على النساء، وبصورة خاصّة على من هنّ في سنّ الإنجاب أو المرضعات.

نساء في مراكز الإيواء

في الحروب، تواجه النساء تحدّيات متعدّدة بعيدًا من الأضواء. هذه التحدّيات لا تقتصر على النساء الحوامل والأمّهات. ففي الأيّام الأولى لاندلاع الحرب الأخيرة، شهدت البلاد موجة نزوح واسعة وصلت إلى نحو 1.2 مليون نازح ونازحة. شكّلت النساء النازحات نسبة تقارب الـ51 في المئة (حوالي 620,000 امرأة)، من بينهنّ 136,731 امرأة أقمن داخل مراكز إيواء، بينما توزّعت البقيّة منهنّ على الشقق والمنازل المستأجرة أو عند الأقارب.

خلف هذه الأرقام، تختبئ قصص نساء عشن في أماكن مكتظّة وضيّقة، وفي ظروف أمنيّة واجتماعيّة ومعيشيّة زادت من مستوى القلق والمسؤوليّة عليهنّ بشكل كبير فاق قدراتهنّ.

جنان لم تتمتّع بأيّ مساحة خاصّة داخل الغرفة، كانت تنتظر حتّى ينام الجميع أو يغادروا كي تتمكّن من تبديل ثيابها أو تسريح شعرها.

الوصم الاجتماعيّ والاحتياجات الصحّيّة

تخبر العاملة الاجتماعيّة رامونا حبيب، المنخرطة في برنامج الاستجابة الطارئة في مركز “بيت السلام”، أنّها شهدت تعرّض إحدى الفتيات لموقف بالغ الحساسيّة داخل أحد مراكز الإيواء.

تقول حبيب لـ”مناطق نت”: “رأيت فتاة تسأل بخجل شديد عن دواء معيّن، ولاحظت أنّ الأشخاص الموجودين كانوا ينظرون إليها بنوع من الاستغراب، لأنّ الدواء الذي كانت تطلبه هو دواء لمنع الحمل. عندما كرّرت طلبها، سألوها: “هل أنتِ بحاجة إلى علاج؟”، وكانت نظراتهم تحمل شيئًا من السخرية والاستغراب، وكأنّهم يقولون: “هل هذا وقته الآن؟”. فاضطرت إلى أن تشرح أن وضعها الصحّيّ يفرض عليها تناول هذا الدواء، ولم يوافقوا على إعطائه لها إلّا بعد أن أبرزت ما يثبت حالها الطبّيّة”.

تكشف هذه الحادثة كيف يمكن أن تتحوّل الاحتياجات الصحّيّة الخاصّة بالنساء والفتيات في ظروف النزوح والطوارئ إلى موضع تشكيك أو وصم اجتماعيّ، الأمر الذي يضاعف شعورهنّ بالحرج والهشاشة في وقت يُفترض أن تتوافر فيه الرعاية والدعم دون أحكام مسبقة.

غياب الخصوصيّة وتفاقم الأعباء

تشابهت تجارب النساء داخل مراكز النزوح بكثير من التفاصيل اليوميّة، على رغم اختلاف القصص. فحال عدم اليقين وغياب الخصوصيّة خلقت مستويات متزايدة من القلق والتوتّر، انعكست بشكل غير متكافئ على النساء والفتيات مقارنة بالرجال. ومع تراجع حرّيّة الحركة وتزايد الأعباء اليوميّة، ضاقت المساحات التي يمكن للنساء أن يشعرن فيها بذواتهنّ أو بالراحة.

روت جنان (اسم مستعار)، وهي فتاة في الـ17 من عمرها، أنّه في ظلّ صعوبة توافر المياه، كانت تبدأ يومها باكرًا لجمع مياه يكفي أفراد عائلتها، ثمّ تنتظر دورها كي تقوم بغسل الثياب. نزحت جنان مع عائلتها من الجنوب إلى إحدى قرى الجبل، ولجأوا إلى مركز إيواء يضمّ عائلتها وعائلة عمّها المكوّنة من خمسة أفراد في الغرفة نفسها.

قالت جنان لـ”مناطق نت” إنّها لم تتمتّع بأيّ مساحة خاصّة داخل الغرفة، لا للحديث ولا لتبديل الملابس. كانت تنتظر حتّى ينام الجميع أو يغادروا كي تتمكّن من تبديل ثيابها أو تسريح شعرها.

أمّا زينب (اسم مستعار)، فوصفت حياتها إبّان النزوح بأنّها انقلبت بالكامل، إذ فقدت أيّ معنى للخصوصيّة، وقد تحوّلت إلى رفاهيّة بعيدة المنال. أشارت، على سبيل المثال، إلى أنّ الاستحمام لم يكن أمرًا بسيطًا، بل احتاج إلى تنسيق وانتظار ربّما يمتد أسبوعًا أو أسبوعين للحصول على بضع دقائق فقط.

وأكدت لـ”مناطق نت” أنّ الصعوبات ازدادت خلال فترة الدورة الشهريّة، التي أصبحت، كما تقول، “كابوسًا متكرّرًا”، في ظلّ صعوبة الوصول إلى فوط صحّيّة ذات جودة، والحاجة المستمرّة إلى تغييرها في ظروف تفتقر إلى الخصوصيّة. وأضافت أنّها غالبًا ما كانت ترافق والدتها عند استخدام الحمّام أو تنتظر قرب الباب، الذي لم يكن يُغلق بإحكام، ولا يتوقّف الطرق عليه، ما يزيد من الشعور بالتوتّر وعدم الأمان.

النساء دفعن فاتورة حرب من نوع آخر، لم يخترن خوضها على الإطلاق.

خوف من الاستغلال وفقدان الأمان

حين يأتي الأمر إلى النساء، فإنّ قصص الحرب لا تنتهي عند الموت والفقدان. عندما يُفقد الزوج أو الأب، تصبح المرأة هي المعيلة الأساسة لعائلتها في مجتمع غير مهيّأ بعد للتعامل مع المرأة ككيان مستقلّ. هنا يصبح خطر التعرّض للاستغلال والإساءة أكبر.

نزحت عزّة (اسم مستعار) من الجنوب إلى الشمال مع والدتها، وبقي والدها وأخواها في بلدتها. أشارت إلى أنّ حركتها كانت مقيّدة، ولم تكن قادرة على التجوّل كما كانت في السابق، إذ لا يمكنها الذهاب إلى أيّ مكان دون حسابات دقيقة للمخاطر.

وأضافت لـ”مناطق نت” أنّ الخوف من المضايقات أو “الاستغلال” جعلها تعيش في حال من الرقابة الذاتيّة المستمرّة. حتّى الأماكن القريبة أو الزيارات أصبحت شبه مستحيلة بسبب انعدام الأمان وتدهور وسائل النقل والحماية.

فاتورة حرب غير ممضيّة

تعكس هذه الإفادات أنّ النساء دفعن فاتورة حرب من نوع آخر، لم يخترن خوضها على الإطلاق. هذه الفاتورة لا تنتهي مع تقييد حرّيّة الحركة وفقدان الخصوصيّة وتراكم الأدوار الرعائيّة. هي فاتورة تعيد تشكيل حياتهّن ضمن دائرة من الخوف والصمت وتآكل الأمان.

بعد انحسار الحرب، هل سيُعترف بحجم تضحيات النساء كما تنشدها الأشعار وتمجّدها السرديّات؟ أم إنّها، كالعادة، ستبقى في أدنى سلّم الأولويّات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى