برفقة الفراشات أكتب قبل أن أتحوّل إلى كنبة

اليوم، تعتريني رغبة جامحة للكتابة. أرغب في الكتابة عن شيء ما في داخلي يوصّف شعوري، لكنّ الأحرف تنساب من أناملي على لوحة الكتابة وتتلاشى على الشاشة، ولا أصل لمبتغاي، والسؤال في رأسي لقلبي: “ما بكَ؟”.

لذا سأكتب من أجل الكتابة، من أجل الامتثال للنصائح التي أقرأها للكاتبات والكتّاب عن تقوية عضلات الكتابة، فكتابتي في مرحلة ضمور وتِيه. سأكتب اليوم إلى أن تتعب أناملي ويغلبني النعاس. أظنّ أنّ جوع الكتابة هذا مرتبط بمرضي النفسيّ، أنا المشخّصة باضطراب ثنائيّ القطب.

بين السالب والإيجاب

ثنائيّ القطب هو مرض نفسيّ يجعل مزاجي يتأرجح في دائرة بين السالب والإيجاب، فتارةً أجد نفسي ملتصقة بالكنبة، شعري مجعّد، عضلات وجهي مرتخية ومتجهّمة. أبكي من دون سبب، أو بالأحرى أبكي لكلّ الأسباب التي “أتفذلك” بها على صديقاتي بعبارة: “ميّزي هذه الأفكار، أيّها وهم وأيّها حقيقة”، ولكنّني في مرحلة السالب من دورة تقلّب مزاجي أجد نفسي أصدّق كلّ وهم أنا على يقين بأنّه وهم! فأغرق في حزني وأنا أحاول جاهدةً عدم الاستسلام له.

وطوراً، أجد نفسي مفعمة بالحياة “بالعة راديو”، أثرثر وأثرثر دون توقّف حتّى تتعب منّي الصديقات، وتسيطر عليّ طاقة قويّة بعد منتصف الليل، فأرغب في النزول للتجوّل في شوارع بيروت التي توقد فيّ مشاعر الحبّ لها فجأة، ولكنّني أشكر الله على الوعي، فلا أتهوّر وأنزل لأعود بـ”تروما” خطف أو نشل أو تحرّش.

نوبات الهوس والنكسة المرتقبة

في أيّام نوبات الهوس وفرط النشاط المنهك للجسد، أضع أحمر الشفاه، أتغزّل بجسدي الذي أتفادى النظر إليه في أيّام اكتئابي، أرقص، أغنّي مع روبي، أكتب وأنتج وأطرح أفكاراً أُفاجأ بأنّها تخرج منّي، وأكون برفقة الفراشات.

لكن هذه النوبات ليست بهذه الإيجابيّة، لأنّ هناك شعوراً أسمّيه “الحَيَصَان”. فعلى رغم كلّ الأفكار والطاقة، أعجز عن التركيز التامّ، فأشعر بأنّي أريد الخروج من جسدي، أن أبتلع الحبوب المهدّئة ليهدأ الصخب الذي يصرف طاقتي، والحمد لله أنّني لا أفعل ذلك، فألتزم بجرعة الدواء المخصّص لهذه الحال وأعيش قلق النكسة المرتقبة، المرحلة التي أتحوّل فيها إلى كنبة، أنتظر الليل لأنتهي من إحساس جلد الذات لأنّني لم أنتج في يومي، وأنتظر الصباح لأرتاح من طول الليل وحدي وثقل التفكير المفرط.

أعود لسؤال: “ما بالك اليوم؟” لا أعلم! فقط بداخلي رغبة في الكتابة.

أحدٌ مملّ بفرن الشبّاك

على الشرفة المقابلة لشرفتي تجلس جارتي الستينيّة، تمدّ ساقيها على كرسيّ وتراقب الناس في الحيّ. أحياء فرن الشبّاك مملّة يوم الأحد. تنتابني رغبة في الصراخ لها: “كيفك يا جارة؟”، أقمع نفسي. فأنا في بيروت ولست في الضيعة.

العلاقات هنا لا تشبه علاقتي بجاري “أبو باسل” في الضيعة، الذي يخبرني فصولاً من حياته في ربع ساعة. أشتاق لأبي باسل وللضيعة، ولكنّ هذا الاشتياق سيبقى في داخلي حنيناً إلى أجل مجهول، فأنا لا أملك منزل عائلة لي في الضيعة، أهرب إليه كلّ أحد من الضجر في بيروت.

منذ أيّام كنت أنوح على كنبتي وأنهال على صديقتي برسائل الإحباط: “لقد فشلت، الوقت يمرّ بسرعة ولم أحقّق أيّ إنجاز يُذكر”.

“لا بأس”

لا بأس، من اليوم، سأجعل الأحد مخصّصاً لتمرين عضلات أفكاري وأناملي على الكتابة. حسناً، هذه كذبة، أعلم أنّ تلك الفترة التي أنقطع فيها عن الكتابة إلى حدّ البكاء ستأتي، لأنّني عاجزة عن كتابة سطر واحد. ولكن لا بأس، سأستمتع بلحظة نشوة هذا اليوم.

“لا بأس”، باتت هذه العبارة رفيقة لي في الفترة الأخيرة، أُردّدها كثيراً. عندما أختنق من المسؤوليّات أقول لنفسي: “لا بأس”. عندما تزورني نوبة الاكتئاب أقول: “لا بأس، ستمضي، كلّ شيء يمضي”. عندما أشعر بالحنين وتعتريني رغبة بكتابة الرسائل لمن مضوا بعيداً من قلبي، أقول: “لا بأس، لا تجلدي قلبك، احتضني الشعور ودعيه يمرّ بسلام”.

يا للتفاؤل والقوّة! منذ أيّام كنت أنوح على كنبتي وأنهال على صديقتي برسائل الإحباط: “لقد فشلت، الوقت يمرّ بسرعة ولم أحقّق أيّ إنجاز يُذكر، أشعر بالتيه، إلخ، إلخ… ولكن لا بأس! أليس كذلك؟”.

الاعتراف

أظنّ أنّني في نوبة هوس حتّى أكتب بكلّ هذه الثقة عن مرضي النفسيّ وأشارك معكنّ ومعكم نصّاً لا هدف له سوى أن أفرغ طاقتي في الكتابة ولأجد جواباً على سؤال: “ما بكِ؟”.

لحظة! وكأنّ هناك شيئاً من الإحساس بالعار من الاعتراف بالمرض النفسي في الجملة السابقة؟

أعترف… أنا التي “أتفلسف” وأكتب عن أهمّيّة الحديث عن الصحّة النفسيّة ومجابهة وصمة العار التي تُرفق بها، أخجل أحياناً من الاعتراف بها في العلن كي لا أُفهم بأنّني “مريضة اهتمام”.

لكنّ نوبات الهوس من حسناتها أحياناً، أنّها تدفعني إلى فعل ما يحلو لي من دون أن أعبأ برأي المجتمع، فأشتمه وأقول: “الحياة قصيرة”.

محاولات لطيفة

أحاول أخيراً التعامل مع مرضي النفسيّ باحترافيّة لطيفة، فأنام باكراً وأربّت على صدري وكتفيّ عندما أكتئب، وأقف أمام المرآة في مرحاض العمل عندما أشعر بالقلق من الفشل، وأردّد بصمت كلمات تشجّع نفسي: “أنتِ قادرة، بإمكانك فعلها، لا بأس إن أخطأتِ، الخطأ يعني اكتساب معرفة جديدة”، ثمّ أخرج وكأنّ لحظة “الهبل” هذه لم تحصل، أجلس بهدوء ورزانة خلف مكتبي وأنا أحاول بكلّ جدّيّة التعامل بلطف مع مرضي وفرط التفكير الذي يتسلّل إلى رأسي حدّ الصداع.

كذلك أحاول الفصل بين العجز الذي يلزمني العالم الافتراضي على ابتلاعه، بأن أقول لنفسي: لا بأس، ليس المطلوب منّي أن أنجز كثيراً، أن أسافر في العام أربع مرّات، أن أقرأ كتاباً كلّ شهر، أن أنشر روايتي، أن أمتلك سيّارة ومنزلاً جميلاً وأن يكون لي آلاف المتابعين… لا بأس بلحظات من الواقعيّة بعيداً من كلّ هذا الصخب، لا علاقة للسعادة في هذا. حسناً، لقد بدأت الكذب على نفسي، للمال مساحة في إحساس السعادة. ولكن “لا بأس”…

أعتذر… أخذت منكم وقتاً لتقرأوا مدوّنة أحاول فيها البحث عن إجابة لسؤال أعرف جوابه: “نوبة هوس”، أو… لا، لا أعتذر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى