كيف ننجو من الفقد إذا طال مجمل ذاكرتنا؟

يقول إيليا أبو ماضي “كلّ ما في الأرض من فلسفة لا يُعزّي فاقِدًا عمّن فقد”، أيّ أنّ الكلمات، ما نرتجله منها لحظة الفاجعة، وما كان منها جاهزًا ومكرّرًا لكلّ مصيبة، لا تستطيع أن تملأ الفراغ الذي يتركه الحبيب إذا رحل، والأب إذا مات، والحلم إذا لم يتحقّق…

أتت الحرب بكلّ وجوه الفقد القاسية دفعةً واحدة، مضينا وقد خسرنا شيئًا من كلّ شيء، قلبًا عرفناه وعرفنا أهله، بيتًا عرفناه وعرفنا أهله، شوارع وأماكن قصدناها واستحالت رمادًا في صور، ولم نجد بعد خاتمة لهذا الجرح المفتوح على مصراعيه، وهو ينزف في كلّ مرّةٍ تسرق فيها اسرائيل الحياة من حياتنا، وتستبدلها بحزنٍ وخيبة وصمتٍ ثقيل، نحاول خلاله أن ندرك الواقع الجديد، قبل أن نجد الكلمات التي قد تجعله مألوفًا إلى ذاكرتنا.

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار الأوّل، زرت الجنوب مرات عدّة، إحداها كانت لبعض القرى الحدوديّة المنكوبة. أمضيت ليلة في منزل عائلة صديقتي في “بيت ليف” (بنت جبيل)، والذي كان من البيوت القليلة التي صمدت أمام استفحال العدوّ في تدمير تلك القرى ومسح معالمها. ليلة بدت كأنّها انتصارٌ لليوم العاديّ، سرقةٌ مشروعة للحياة الآمنة، مائدة وضحكة وفنجان شاي إلى جانب الموقد، نجاة من المجهول.

لكن اسرائيل عادت ودمرت هذا البيت في التوسّع الثاني للحرب، دمرته وجرفت كل أثرٍ له، المائدة والموقدة والشجر من حوله، والقطط الأليفة التي نامت آمنة فيه ليالٍ طويلة. دمرته ومسحت تعب وشقاء سنوات طويلة لأبٍ صبور، وذكريات كل من طرق بابه وجلس مع أهله، وصارت تلك الليلة خيالًا يستحيل تكراره، صورةً وهمية لما كان يفترض أن يكون شكل الحياة الأبدية، دون أن تفقد أي شيءٍ من معالمها.

أبجديةٌ للموت وحده

 في زيارة أخرى كان الهدف منها تصوير فيلم وثائقيّ جامعيّ لصديقتي التي تدرس السينما والتلفزيون، التقينا عديدًا من أهالي الجنوب الذين تحدّثوا بحرقةٍ عن شهدائهم وبيوتهم وأراضيهم التي قتلتها اسرائيل، من بينهم الشاعر والكاتب محمّد ناصر الدين، الذي تحدّث عن ذكريات طفولته في الجنوب، وفي قريته “سجد” على وجه الخصوص.

أشار ناصر الدين إلى أنّ لدى الجنوبيّين مهارة البدء من جديد، ما يشبه الفرض المدرسيّ حينما ترفضه المعلّمة، ويصير واجبًا أن نمنحه محاولة جديدةً، وهذا ما فعله الاحتلال بهم، جعلهم في سعي دائم للنجاة، وإعادة تدوير الحياة بما تحمله من فقد إلى “أن يموت الموت” أو ينهزم.

الأسبوع الماضي قتلت إسرائيل شقيقة ناصر الدين وزوجها وأولادهما الأربعة في بيتهم في “أنصار”، وصارت القصيدة التي قرأها لنا محمّد في ذلك اليوم، نبوءة لفقدٍ عظيم، حيث يعيد عبّاد الشمس الموتى ينابيع في الربيع.

ربيع هذه البلاد الذي يبدو أحيانًا كأنّه لن يأتي، وإن أتى فسيكون من الصعب علينا أن ندركه حواسنا جميعها، لأنّ أيّامنا وفصولنا والهواء الذي نتنفّسه باتت كلّها مخنوقة برائحة الموت والفجيعة، وبما قد نستطيع أن نكتبه في نصّ أو قصيدة، وبما قد تقف الكلمات أمامه عاجزةً، عالقةً في الحلق مثل غصّةٍ أبديّة، وقد صار للشاعر أن يتعلّم من قصيدته، كيف يجد عزاءً لهذا الموت، وكيف يمضي به إلى فصل جديد من الحياة.

هناك من ماتوا في بيوتهم، قبل أن يعيدوا ترتيب المكان الذي هجروه طويلًا. 

نكبة مستمرّة

في الزيارة نفسها، عرجنا إلى بيت صديقتي في كفرّرمّان (النبطية). التقينا هناك بجارتها التي فقدت ابنها في معارك التحرير قبل الـ 2000 في “سهل الميدنة”، واحتجزت إسرائيل جثمانه لسنواتٍ عديدة، قبل أن تعيده في صفقة تبادل. حدّثتنا عنه وعن الحروب التي تحمل معها في كلّ مرّةٍ فقدًا جديدًا. كلّ الفقدان صعب، من الابن العشرينيّ إلى البيت، وحتّى فقدان أشجار الزيتون المعمّرة.

في منزل صديقتي، جلسنا ساعة أو أكثر ربّما، استعدنا خلالها ذكريات سنوات خلت، قبل أن تجعل الحرب كلّ زيارة للجنوب حدثًا استثنائيًّا، مرهونًا بالأمان والحاجة والضرورة، واحتمالًا لوداع لا ندرك في ساعته أنّه الأخير. وداع للجدران المشظّاة والزجاج المكسور، ولدالية العنب على السطح، وحبّة فراولة أينعت وحدها، لتفسح الطريق أمام اخوتها للحاق بها.

دمّرت اسرائيل بيت صديقتي، في وقتٍ كان قد أذن للناس أن يعودوا إلى بيوتهم آمنين، وقد نجت العائلة لأنّها لم تصدّق هذا الأمل الزائف الذي منحته الهدنة للجنوبيّين، فلم تعد يوم عاد كثيرون. لكنّ هناك من ماتوا في بيوتهم، قبل أن يعيدوا ترتيب المكان الذي هجروه طويلًا، قبل أن يرتاحوا من عناء الغربة عن المألوف، قبل أن يناموا في سريرهم الدافئ ويغرقون في أحلامهم عن راحةٍ طويلة لا بدّ من أن ينالها المرء بعد كلّ حربٍ طويلة يخوضها.

ورثنا الفقدان

ذاكرتنا، هي ذاكرة أجيالٍ ورثت الموت وتوارثته، فلا تأتي صورةٌ من بعيد إلّا وهي محمّلة بفقد ثقيل، لوجوهٍ لم تعد تكبر، بينما نكبر نحن من الحزن كأنّ كلّ حرب دهرٌ طويل.

هناك بيوتٍ لم تعد تغرّد العصافير على شبابيكها، وماتت كلّ الورود على شرفاتها، وكُتب على أهلها أن يبحثوا عن الأمل في المستقبل المجهول، في بداية تحتاج إلى أن يتوقّف الموت قليلًا لتأخذ ملامح واضحةً.

إن كان لا بد من أن نجد لكلّ هذا الفقد عزاءً، فلا بدّ أن ننظر إلى من سبقونا، كيف عاشوا الفقد وكيف تجاوزوه، وأن نتعلّم من أجلنا ومن أجل من سيأتي بعدنا، كيف تصبح الحياة أحجية في وجه الموت، نعيد ترتيب ما تبقّى من قطعها بعد كلّ فقدٍ، كي نصنع منها صورة أقرب إلى ما كنّا نعرفه عن أنفسنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى